المتاجرة بصور الضحايا

يكذبون، يفترون، يحرضون ويهيجون بسطاء العقول ضد حكوماتهم ويحضونهم على تدمير أوطانهم فتحدث الكوارث التي دعوا لها ثم يسارعون بإلتقاط الصور الناتجة عنها ويبلونها ببعض الدموع مع لمسات دينية ممزوجة بالنفحات الطائفية ويتاجرون بها مستعطفين قلوب من لازالوا يصدقونهم ويسيرون على خطاهم ظناً منهم أن الجنة لا تُبلغ إلا باتّباعهم. فكلما شعروا بأن الناس ملّوا من النظر إلى ثوراتهم التي لا تنتهي خرجوا بصورة لإحدى ضحايا صناعتهم وضجوا العالم بصراخهم وتكبيراتهم شاتمين مكفرين خصومهم السياسيين يمارسون إرهابهم اللفظي على كل من يخالفهم، طاعنين في عقيدة من لا يصرخ ويبكي معهم ولا يروج لشعاراتهم.

والعجيب في هؤلاء أنهم ينتقدون الإرهاب مع المنتقدين حتى يكاد البعض يصدق بأنهم ليسوا إرهابيين ولا يدعمون الإرهابيين. يمثلون دور المصلحين ببراعة ويستغلون الدين بكل فظاعة، وكم من طفلً دمروا وطنه وأفقدوه عائلته، وهدموا بيته، وحطموا ألعابه واحتلوا مدرسته وكان يأكل أجود أنواع الطعام يأتون به محاطاً بذكور لحاهم غطت صدورهم فيقدمون له كسرة خبز ويُجبر على صناعة الإبتسامة لآلة تصويرهم فيغتنموا صورته لتلميع صورتهم، وكم من صورة لجثة طفل توفي في مكان وينسبون صورته لمكان آخر، لا تهمهم المصداقية فهم يعلمون أن لهم أتباع مُنعوا من التفكير والجدال منذ زمنٍ بعيد، قد قيل لهم أن السماء في الثورات تُمطر زهوراً فقالوا نعم ألوانها جميلة وروائحها عليلة.

كثيراً ما كنا نسمع المثل القائل "يقتل القتيل ويمشي في جنازته". ولم نكن نعيه جيداً حتى اندلعت الثورات العربية المشؤومة فأصبحنا نرى من حرضوا على هذه الثورات ودعموها مالياً وإعلامياً وبشرياً هم أكثر الناس بكاءً أو تباكياً على ضحاياها. لا نريد ذكر اسم أحد في هذا المقال ولكن أكثر من ينطبق عليهم هذا المثل هم رجال دين والمخلوقات التي تتبعهم وتؤيدهم وتتبرع بأموالها لهم، مخلوقات أبت أن تستخدم عقولها وحرمت على أنفسها أن تعيش دون أن يقودها رجل دين أو عدد من رجال الدين ما داموا ينتمون لنفس الحزب أو يحملون نفس الفكر، وهذه المخلوقات لا تنحصر على مجموعة من البسطاء بل فيهم الدكاترة والإعلاميين والمثقفين لم يعد أماهم خيار إلا ركوب الموجة وتأييد الثورات والتباكي على الوفيات.

نعم تؤلمنا مناظر الضحايا وما تعرضوا له من عنف، ولكن علينا ألا ننسى أن المتاجرين بهذه المناظر هم المتسببون بها ولو ظهروا على حقيقتهم لرأيت وجوه تبرز منها أنياب دامية يتقطر منها الدم على لحى أخفت وتخفي خلفها الكثير من الخبث والحقد على الإنسانية، وبعضهم حرّموا الصور والتصوير سابقاً حتى أن البعض حرقوا ذكرياتهم، ولكن الآن أصبحوا يعتمدون على الصور كمصدر دخل لهم ولأحزابهم المتطرفة ناهيك عن تعزيز مواقفهم الخائبة بها، وبها جيشوا ويجيشون من قدموا العاطفة على العقل وامتدحوا القاتل حين تباكى على المقتول.