مصر أمام تحدي منع الأزهر من تأسيس دولة موازية

من أجل مؤسسات دينية 'بديلة'

القاهرة ـ يبدو أن صبر النظام الرسمي في مصر أوشك على النفاد، وهو يرى كيف أن الأزهر يتحول تدريجيا إلى سلطة دينية في البلاد موازية تنازعه سلطاته.

ونقلت صحيفة "العرب" اللندنية عن مصادر في القاهرة لم تسمها قولها إن شخصيات مؤثرة في الرئاسة المصرية أصبحت تريد رحيل الإمام أحمد الطيب شيخ الأزهر في أقرب وقت ممكن، مؤكدة أن الصراع بين الأزهر ووزارة الأوقاف ومن خلفها الحكومة هو الوجه الصريح لتصدي الدولة لنفوذ الأزهر.

وكانت السلطات المصرية قد سمحت على مراحل متعددة لرجال دين وشيوخ يعملون في مؤسسة الأزهر متنامية النفوذ بالتدخل في الحياة السياسية والثقافية والفنية والاقتصادية وفي الأمور اليومية للمواطنين العاديين، الأمر الذي فاقم تدخل هذه المؤسسة المكثف في مختلف تفاصيل الحياة العامة للمصريين، وأعطى على ما يبدو لقادتها الشعور بأنه لا غنى للنظام المصري عن نفوذهم الديني والروحي في مواجهته المحتدمة مع جماعات اسلامية أخرى متطرفة ومصنفة إرهابية مثل جماعة الإخوان وتنظيم الدولة الإسلامية، ومن هنا جاء هذا الإحساس بقوة المركز داخل مصر لدى مشايخ الأزهر الأمر الذي سمح لهم في مرحلة متقدمة بأن يناكفوا موقف الدولة من الخطاب الديني في مصر وضرورة تجديده.

وحث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي المؤسسة الدينية في مصر مرارا على نشر الفكر الإسلامي المتسامح غير أن جهود تجديد الخطاب الديني التي يقول قياديون في الأزهر إن المؤسسة تعكف على إنجازها، لم تحرز أي تقدم يذكر.

ومقابل رغبة بعض الشخصيات المؤثرة في الرئاسة المصرية في رحيل الطيب فإن كثيرا من المخاوف تسيطر على المؤسسات المصرية من أي شخص قد يكون بديلا له.

وتنص المادة السابعة من الدستور المصري على أن مؤسسة الأزهر مستقلة، وشيخها غير قابل للعزل، مما يحد من سلطة رئيس الدولة والبرلمان عمليا في توجيه المشيخة.

ونقلت صحيفة "العرب" عن مصادر في مشيخة الأزهر تأكيدهم أن سبعة من بين أعضاء هيئة كبار العلماء، التي تختار شيخ الأزهر وفقا للدستور، ينتمون فكريا إلى تنظيم الإخوان المسلمين.

وقالت مصادر مصرية إن مسؤولين نافذين يعتقدون أن أي بديل للطيب سيكون محصورا في حسن الشافعي، مستشاره والعضو الأكبر سنا في هيئة كبار العلماء.

ويحظى الشافعي (86 عاما) بدعم من الأعضاء المحافظين. وكان الشافعي، الذي عمل سابقا في جامعة أم درمان في السودان والجامعة الإسلامية في باكستان، ضمن خلية الإخوان المسلمين المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر عام 1954 في حادث إطلاق نار وسط مدينة الإسكندرية.

وبعد أسبوع من عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي في يوليو/تموز 2013 إثر احتجاجات حاشدة على حكمه، أصدر الشافعي بيانا بثته قناة الجزيرة القطرية دعم فيه الإخوان المسلمين، ودعا إلى دمج ذراع الجماعة السياسية في الحياة العامة.

وأدى تقاعس الأزهر في مواجهة أفكار شكلت وقودا لجهاديين يتبنون مذابح في الشرق الأوسط وأوروبا، إلى خروج صراع غير مسبوق بين الأزهر ومؤسسات دينية رسمية في مصر إلى العلن.

ويتولى الأزهر، منارة الإسلام السني في العالم، الدعوة الإسلامية رسميا وفقا للدستور المصري، لكن وزارة الأوقاف ودار الإفتاء تحظيان بنفوذ واسع ودعم رسمي كبير.

وطالب الأزهر دار الإفتاء بتجميد مرصد الإسلاموفوبيا والفكر المتطرف، وهو هيئة تتبع دار الإفتاء وترصد الفتاوى المتشددة وتقوم بالرد عليها.

كما يضغط مسؤولون في الأزهر لعدم تجديد ولاية مفتي مصر شوقي علام التي ستنتهي خلال أشهر بسبب "خلافات فكرية" بين الجانبين.

وساهم الأزهر قبل أقل من أسبوعين، في وأد لجنة "تنقية التراث" التي أعلنت وزارة الأوقاف عن تأسيسها.

وفي يوليو/تموز، اقترحت لجنة علمية تابعة للأوقاف إلزام الأئمة بخطبة موحدة ومكتوبة يوم الجمعة دون استشارة الأزهر. ورفضت هيئة كبار العلماء الاقتراح.

وأظهرت قضية الخطبة المكتوبة صراعا محتدما بين رجال دين نافذين في الأزهر، ووزير الأوقاف المصري مختار جمعة، الذي يحظى بدعم المؤسسات الرسمية للدولة.

ويقول منتقدون لشيخ الأزهر إنه سمح للمؤسسة الدينية، بعد عامين من دعوة السيسي إلى تبني "ثورة دينية" ضد المفاهيم التقليدية، إلى التحول إلى "كهنوت" يحظى بسطوة دينية متزايدة في المجتمع.

وبات الأزهر يتمتع بسطوة كبيرة على الحياة الفنية والثقافية. ولم تتردد المؤسسة العام 2015 في ملاحقة الباحث إسلام بحيري، الذي قدم تأويلات دينية مخالفة لتفسير الأزهر، قضائيا قبل أن ينتهي به الأمر في السجن لمدة عام.

كما تقدم الأزهر ببلاغ ضد الكاتبة فاطمة ناعوت بتهمة "ازدراء الأديان" بعد انتقادها الأضحية على فيسبوك. وحكم على ناعوت المقيمة في كندا، لاحقا بالسجن لمدة 3 أعوام وغرامة مالية.

وحذر السيسي الطيب في لقاء جمعهما الأربعاء من التمادي في حربه ضد وزارة الأوقاف، وفقا لما ذكرته صحيفة "العرب"، التي نقلت عن محمد زكي الأمين العام للجنة العليا للدعوة والمصالحات بالأزهر قوله إن "اختلاف الرؤى بين الأزهر والأوقاف سببه معطلون ومخربون تعرفهم الأجهزة الأمنية والرقابية جيدا، دون أن تأخذ موقفا ضدهم، بعدما عملوا على تصاعد حدة الخلاف بين المؤسستين، حينما فرقوا بينهما في الواجبات، وأوكلوا لكل منهما مهام متداخلة تثير الخلاف".

وأضاف الأمين أن "إسناد مهمة تجديد الخطاب الديني والدعوي لأكثر من قيادة، ساهم في زيادة حدة الاختلاف وسط حالة من عدم الاتفاق على كلمة سواء، تخدم الدعوة والمجتمع الإسلامي".

في الاثناء، تواجه المؤسسات الرسمية الأزهر عبر منح صلاحيات أوسع لمؤسسات دينية "بديلة" وشخصيات لا تحظى بإجماع بين معسكر المحافظين المهيمنين على الأزهر، مثل أسامة الأزهري مستشار السيسي للشؤون الدينية والداعية الشاب المعروف باعتداله، والذي عينه الرئيس المصري عضوا في مجلس النواب لتمثيل المؤسسة الدينية رغم عدم رضا مساعدي الطيب.