صورة اميركا ملطخة بالعنصرية ولغة الرصاص

اميركا تصدر بانتظام تقارير تدين فيها دولا كثيرة بدعوى انتهاك حقوق الانسان ووجود دوافع عنصرية وعرقية لسياساتها بما يتناقض مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان.

لكنّ اميركا ستغضّ الطرف عما وصلت اليه الامور في العديد من مدنها من صراعات بين البيض والسود.

بالطبع للقصة جذور بعيدة. فعلى محراب انتزاع حقوق المساواة والمواطنة فقد الاف السود حياتهم.

الذاكرة ما تزال متيقّظة. فالعودة الى ستينيات القرن الماضي ستقدم لنا صور صراع شرس تطلق فيه اجهزة الامن النار وتطلق الكلاب البوليسية لتنهش اجساد السود. يومها كان مارتن لوثر كينغ يلقي خطبا عصماء مطالبا بالحقوق المدنية السلمية واللاعنف. لكن ذلك لم يكن كافيا وبقي السود هدفا لأجهزة فرض القانون له اسبقية على غيره.

السلطات تجد العديد من الاعذار ومنها ان الافارقة الاميركان هم الاكثر مخالفة للقانون وان غالبية المتعاطين والمتاجرين بالمخدرات هم من السود. لكن ذلك كله هل سيكون مبررا لأن يكون 80% ممن يتم ايقافهم والاشتباه بهم في اغلب المدن الاميركية هم من السود، وان اثنين من بين كل ثلاثة ممن يتم زجهم في السجون هم من السود وان العقوبات التي تصدر في حق السود كالسجن مثلا هي اطول في مدتها من تلك التي تطبق على اقرانهم البيض. دراسات مسحية حقيقية واحصائيات للشرطة تصدم من يغوض فيها ويزيد تفاقم الفجوة بين العرقيتين.

على الجهة الاخرى سيبدو النسيج الأجتماعي دالة على ما يجري عندما تجد ان نصف الاميركان البيض لا يكنّون الود للسود وان اكثر من نصفهم يندفعون بمسببات عنصرية ويشجعون على استخدام القوة ضدّهم.

165 من السود قتلوا منذ مطلع هذا العام حتى هذه اللحظة. القتل مستمر ليتبعه قتل مقابل لخمسة من رجال الشرطة تم قنصهم من طرف جندي سابق من السود وهكذا دواليك، السلاح يتفشى في الشوارع واجهزة الشرطة لا تعرف لغة الرحمة مع السود والكلّ مستَفَزّ وايديهم على الزناد.

في احدى التظاهرات الاخيرة في مدينة شيكاغو يقرأ مجموعة من السود بيانا ومن بين ما جاء فيه ان البيض اقلية في تلك الولاية لكن دخلهم يزيد بنسبة 54% فيما لا يزيد على نسبة 13% بالنسبة للسود. ليس ذلك الا مثال سيتكرر في العديد من المدن الاميركية، الفوارق الطبقية الفاضحة بين البيض والسود حقيقة لا نقاش فيها.

يوما ما نزل السود الى الشارع بعدما سُدّت الابواب كلها في وجوههم بالرغم من سلمية مطالباتهم، لم يجدوا صعوبة تذكر في الحصول على السلاح الذي هو اصلا حق اميركي مكتسب وتشكلت يومها كتائب الفهود السود. كان ذلك في منتصف الستينيات من القرن الماضي. يقرع قادة السود اليوم ناقوس الخطر من عودة نسخة اخرى من الفهود السود بعد اكثر من نصف قرن على اختفائها. الا ان اجواء الكراهية والاحتقان الاجتماعي لم تخف وتيرتها يوما بل بالعكس تزداد ضراوة لا سيما في مواجهة عصابات كوكلاس كلان المعادية للسود والمنتشرة في العديد من المدن الاميركية.

مرتع الفقر هو السائد في العديد من المدن الاميركية. الفقر يتفشى في اوساط السود، احياء بأكملها مغلقة على مافيات وعصابات شديدة الخطورة وتتحرج اجهزة الشرطة من ولوجها ولهذا تركت تواجه مصائر مريرة.

اميركا في مواجهة تحدٍّ حقيقي والسلم الاهلي في غاية الهشاشة. السجون تعجّ بالسود واستهدافهم متواصل. تلك هي صرخة يطلقها زعماؤهم بضرورة لجم الشرطة والحد من صلاحياتها ولجوئها الي العنف المفرط وصولا الى القتل. لكن اجهزة فرض القانون نفسها تشكو من ظواهر خطيرة من خلال استفحال مافيات السود واهمية التصدي لاخطارها.

الرئىس الاميركي باراك اوباما وجد نفسه في وضع لا يحسد عليه ففي ليلة مقتل الشاب الافريقي قبل بضعة ايام راح يرثيه ويلوم الشرطة على اطلاق النار. في اليوم التالي يقتل خمسة من الشرطة على يد قناص اسود فيوجه الرئيس اللوم الي السود ويشيد بالشرطة. وهكذا فالتوازن الهش يضرب خطاب ارفع مستويات صنع القرار في الولايات المتحدة لأن المشكلة تتفاقم. العنصرية تتصاعد ولغة الرصاص تتوعد بها كل الاطراف.