جسر النصر .. أوجاع ليلية لجرح دام

بورتريه لأجساد ملحتمة مع فضاءات جسرً متطاير

• ما يشبهُ المقدمة

" كلما مررتُ فوق هذا الجسر الكئيب، حسبتُ أني أسمع اصواتاً من تحتهِ، تأتي مبللةً بالماء ولربما الدم، تحاول ان تعيد للجسرِ معنىً هاربا منه، لكنها تعجز حين تصطدم بمطارق النسيان الموجعة".!

• مطارق الحياة الأولى!

حين كانت المدينةُ الصغيرة تنامُ كل مساء على أصوات الرافعات الثقيلةِ، وهي تدكُ الارض بعنف، محاولةً أن تفتك بعذرية بطن الفرات، لتغرس قوائم جسر جديد يربط ضفتي النهر الغريني، بعقد يتوسط جيد مائه الراكد، كان ذلك كما يرويهِ من عاشوا أبان تلك الفترة، أعني في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، كان البعض يسخر وبطيبةً مُفرطة، من تبديد أموال الحكومة على الربط بين ضفتين، واحدةً يعيش فيها الناس بهدوء، وينامون دون أن يعرفوا ان ما بعد ضفة الفرات الأخرى يمكن للحياة ان تدب من بين تلك الغابات الهائلة من النخيل، ويمكن للأقدام ان تقتحم ذات يوم تلك الأقنية المنسابة كخصلات من الفرات لتسقي صوب المدينة الآخر، فتحيلها الى دروب سالكة، نابضة بدفق العيش؟

كان الناسُ يتساءلون عن مغزى ان يُشاد، هذا الجسر في هذه المنطقة بالذات؟ لكنهم لا يعترضون، بل يزحفُ الكثير منهم عصر كل يوم، ليروا كيف تشهق تلك الرافعات القاسية الى كبد السماء ثم تعود لتهوي الى الأرض دافعةً تلك الدعامات عميقاً في بطن النهر ذي اللون الطيني/ الذي يستقبل هذه الدعامات برمي أطنان من طينه الأحمر الى كبد السماء، لربما غضباً، او احتفاءاً!

الأجانب الذين استقدمتهم حكومة الملك الشاب فصيل الثاني ضمن خطط مشاريع مجلس الإعمار الأعلى لبناء هذا الجسر، لم يكونوا يعيرون أهميةً أو اكتراثاً، لعيون الناس المتطلعة حولهم بفضول، والمستفهمة عن طبيعة هذا العمل، وعن هذه الصرامة والجدية التي يبدونها في تنفيذ هذا الهيكل الذي سيعلو جسد نهرهم الذي يغضب كثيراً بلا سبب فيغرق اكواخهم كل عامً تقريباً، وها هو يصمت الآن وهو يرى أن هناك من يريد ان يبني فوقهِ طوقاً!

ينشغلُ المهندسون والعمال بجزئيات العمل، كل يوم دون أن يتركوا لذلك الفضول ان يتسرب بين فضاءات الجسر، الذي سيغدو ايقونة من ايقونات هذه المدينة الشحيحة، لربما لم يُدرك كل الذين كانوا يحملون مطارقهم أنهم كانوا يصنعون تاريخاً، ويواصلون من حيثِ لا يشعرون، أول فكرة عرفها البشر منذُ وجدوا، فكرة أن يبحث الانسان عن منفذ ليتواصل عبرهُ مع الطبيعة وذاته ايضاً.

أُنجز الجسر في 1956 وبقي رابضاً بيقين وهدوء ورصانة بمكانهِ، لربما كان سعيداً بلونهِ الأخضر، بل ولربما كان أكثر فرحاً وهو يتحول الى شاهد على ولادة الحياة وتناسخها بسرعة عبر ضفتيه، المدينةُ تكبرُ بسرعة مثل فتاة تستعجل أحلامها، وتحاول أن تحرق مراحلها طمعاً بالوصولِ للحظة الانتشاء الكاملة، فيما يتماهى الجسر معها برفق.

• تبديد وحشة الاختلاف

يقول فلاسفة العمران، إن إنشاء جسر على نهر سيعني أنك تريد ان تحافظ على ديمومة الحياة في النهر، بمعنى أن ولادة جسر تعني ضمان بقاء النهر من تحتهِ حياً، ولربما كان هذا ثمن سكوت الفرات وقبوله، فكلما علاهُ جسرُ على طول مسيرتهِ كان يزداد طمأنينةً، بأن عمرهُ يزداد.

ويضيف الفلاسفة أن الجسر يعني أكثر من عملية تواصل مجردة، يعني فيما يعنيه أن ثمة صلات أبعد من المألوف ستنشأ عن ولادة هذا الرابط، بمعنى أن الجسر لن تقتصر وظيفته على إيجاد ممر آمن للعبور فحسب، بل قناة للتواصل، والتعارف، كسر الأرتياب، تفكيك العزلة، فكل جسر هو لحظة لتبديد وحشة الاختلاف.

بهذه المعاني المضمرة، كانت المدينة تحتفي ببعضها، الجسر يحمل الملايين من الدلالات، والأماني والأحلام، المواعيد، والولادات، والمفاجآت، والمسرات، والأوجاع، اللقاءات، والوداع، الرغبة، الاشتياق، الحنين، الوحدةِ، العزلة، بل يمثل الجسر بُعداً ميتافيزيقياً، كونهُ يماثل فكرة الوجود، فالعبور فوقهِ يشبه الدنيا حين تصفها الأديان بأنها لحظة عبور بين ضفتين !

• مدينة فوق الجسر

كان جسر النصر الكائن الكبير، الأليف، هو الذي نبتت فوقهِ المدينة، ببيوتها، بدوائرها، بشوارعها، الجسر لم يستنبت فوق المدينة كي يبدو غريباً عن روحها، العكس تماماً، المدينةُ تنبت فوقه، تمتد بحنو على جانبيه، يسهم بصمت مبتهج في ذلك الاتساع، يستمر الجسر بإداء وظيفتهِ مطمئناً، العبور فوقه لم يكن بحسبان أحد سوى لحظة خاطفة من حلم بشري عميق ممتد من الزمن الأول، حين كان الإنسان الأول يسرحُ بخيالهِ بعيداً فيخاطبُ حبيبته البعيدة، أنهُ سيمتطي ظهر الماء ليصل اليها.

في الصغرِ كلما عبرتُ الجسر ماشياً برفقةِ أبي، تأسرني اللحظة التي نبدأ فيها بترك الأرض، ونبدو محلقين فوق النهر، أهجسني أطيرُ، أشعر بتلاشي كتلة الجسر من تحتي، شعور مغاير ولحظة انتشاء غير موصوفة، الجسر الطويل الأنيق، البعيد عن الترهل والعرض المفرط، المنحني بلا انحناء بائن، والمنسابُ من ضفتيهِ بلا ركوع، كان يعني لي ان مجرد العبور من فوقهِ سيعني الانتقال الى عالم آخر، ظلت هذه الفكرة عالقة لدي فكلما عبرتُ الجسرَ نظرتُ الى العابرين معي، ظننتهم يشاركونني ذات الشعور.

ابتسامةُ الجسر لم تكن غريبة، هو يبتسمُ كلما اقتربت منهُ لتعلو ظهرهِ، كفرس مروض، تمتطيه دون ان يضطر للإنحناء تحتك، وحين تهمُ بمغادرتهِ نازلاً، لا يدفعك عن ظهرهِ دفعاً، بل تشعر أن ثمة يد ناعمة تنزلك الأرض من جديد، دون ان يبرك الجسر كما تفعل الناقةِ مثلاً. من صمم هذا الجسر، لا بد ان يكون فارساً، كنتُ أقول ذلك مع نفسي، وامضي حاملاً معي وداعة الحياة.

• الموت .. الموت

في ذلك المساء الرهيب، كانت الحياة قلقلة، الخوف ممزوج بشيء من الاستغراب، الوجوه مشدوهة من آثار الحرب، الموت كان يلوح في أفق المدينة، دون أن يستطيع أحد أن يتنبأ أين سيحط، العابرون فوق الجسر، كانوا يعلمون هم ايضاً، أن الموت في الأفق، منذ أعوام والموت وحدهُ من ينزل من السماء، لا شيء ينزل، سواه، الجسر ممتلئ بالحركة والناس، الصمتُ الوجل، هو اللغة فوقه، لكن ذلك لا يعني أن ثمة أم كانت تنتظر لحظة الانفلات من فوق تلك الفضاءات لتصل لهدفها مع صغيرها، محمد وهو يدفعُ عربتهِ فوقه، كان قدماه تسرعان في محاولة وداع لظهر الجسر.

زهراء كانت تجلسُ جنب أبيها بانتظار ان تلتهم المركبة النهر، وتصل لقلب المدينة، حيثُ تنتظر أن يفي لها الأب بوعدهِ بلعبة بلاستيكية، تنام معها في وسادتها تسليها وتنسيها أصوات الخوف المنبث في الفضاء.

الكثيرون كانوا منشغلين تماماً / بعضهم مندهش لتحول المدينة لجبهة دامية، غير ان دهشتهم، تحولت الى ما يشبه الصدى المرتج في السماء، النهرُ يقذفُ حمماً غرينية حمراء خالصة، الجسر ينشقُ من نصفهِ، الفرات الغاضب يبتلعُ آثار العابرين، الموت وحدهُ يحيط المكان/ طائرةُ أميركية تعود لقواعدها بعد ان قصمت ظهر الجسر ومن عليه.

• صمت.. تنقطعُ الذاكرة هنا!

ظل الجسر سنوات طوال وهو مقصوم الظهر، آثار الأوجاع بادية عليه، لونهُ كان يميل لسواد داكن، نسقهُ المضمر، تحول من تلك الاحالات، الى إحالة واحدة، الموت، لا غير، لم يعد الجسر مثلما كان، على الرغم من إعادة بنائه في 2002، لكنهُ بقي مجرد ظل لجسر قتيل، ظل حزين، كئيب، بلا ملامح، بلا شعور، بلا دفء، بلا رفق، كائن صامت وحسب، فيما لا تزال أصوات كثيرة تتزاحم فوقه دون ان يقوى على سماعها أحد !

• جسر النصر وسط الناصرية، مركز محافظة ذي قار، تعرض ابان حرب الخليج الثانية عام 1991 لقصف من قبل الطائرات الاميركية أدى الى مقتل ما يقارب الـ 400 مدني، فقدوا في بطن النهر الى يومنا هذا .