فرنسا.. الصراع ضد الإسلاموفوبيا

الكراهية تتصاعد بتصاعد الإرهاب

شهدت فرنسا نمو عديد من أشكال الصراع ضد الإسلاموفوبيا، وقد تولى ذلك جمعيات الشباب المسلمين (والمسلمات) مثل: اتحاد الشباب المسلم، التجمع ضد العنصرية والإسلاموفوبيا، أهليو الجمهورية، والمثقفون والمثقفات بالثقافة الإسلامية. هذا إلى جانب التنظيمات التي تتحرك ضد كل أشكال كراهية الأجانب باسم الأفكار الإنسانية والكونية وحقوق الإنسان، وهؤلاء هم أصحاب نزعات إنسانية من كل الأصول ومن كل الآفاق الروحية، هذا إلى جانب رجال علم يرفضون تشويهات التاريخ وانحرافات الإثنية المركزية، والثقافوية والماهوية التي تصب في خدمة أيديولوجيات الكراهية.

جرائم باسم الإسلام

كان لا بد من انتظار الاعتداء على صحافيي شارلي إيبدو في يناير (كانون الثاني) 2015 واعتداءات 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 التي اقترفها مسلمون باسم الإسلام، وقد أعلنت "داعش" مسؤوليتها عنها حتى يقوم المسؤولون عن العبادات الإسلامية بردات فعل متعددة ضد هذا الاستخدام الأداتي للإسلام، وحتى يصار لبدء سماع النداءات ضد الإسلاموفوبيا وما تغذيه من جانب المسؤولين السياسيين، وعلى أعلى المستويات في الدولة، وفي أوساط الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام التي وعت –أخيراً- الأخطار الناجمة عن المزج بين المسلمين والإسلام والإسلاميين والأشكال المؤذية الناجمة عن أدلجة ذلك. مع ذلك، فما زالت هذه الصراعات بعيدة عن إحداث توازن مع ما أحدثته العولمة الليبرالية من خراب، وهي التي تشد من حدة الأزمة ومن المسائل التي هي السبب في صعود موجة رهاب الإسلام، والأشكال الأخرى من الانطواء على الهوية، لا سيما عند المقصين أو غير المصنفين في العولمة العالمية، كما في أوساط الذين يحلمون بالمطلق ويبحثون عن إعطاء معنى لحياتهم في "عالم صار خالياً من أي معنى" -على حد تعبير زكي لائيدي (Zaki Laidi).

مع ذلك، يعاني الصراع ضد الإسلاموفوبيا من القطع أو الحجز بين المعارك التي تقاد ضد مختلف أشكال كراهية الأجانب: ومعاداة السامية، والنزعات العرقية ضد السود، وكراهية اللواط و... إلخ، ولكل نزعة ميلها في عدم اعتبار إلا كراهية الأجانب التي تعنيها. وأنماط السخط غالباً ما تكون انتقائية. بل إننا نشهد نوعاً من التنافس الضار بين ضحايا مختلف أشكال كراهية الأجانب، مع وجود فكرة تراتبية بين مختلف هذه الأشكال: فبعضها أكثر فظاعة وأقل تقبلاً من بعضها الآخر. ثم إن ضحايا مثل هذا التمييز العنصري يعيدون إنتاج مواقف كره الأجانب نفسها تجاه آخرين، ولذلك لا مصداقية لرفض ما يتعرضون له. فالمناهضون للعنصرية يشعرون بالحرج إذا ما هبوا لنجدة ضحية أحد أشكال كره الأجانب، إذ يعتبر ذلك –بدوره- شكلاً من أشكال كراهية الأجانب. فعديد من المسلمين ينكرون –بحق- الإسلاموفوبيا مع كونهم هم ممن يكره اليهود، أو اللواطيين، ولا يخفون نزعتهم العرقية تجاه السود، والروم والبيض والآسيويين، بل حتى ضد مسلمين آخرين ممن هم من أصول غير أصولهم. كما أنهم يرفضون ما يتعرضون له من تمييز، ومن وسم مقدساتهم بأوصاف دنيوية، والاعتداء على حقوقهم.

إرهاب الإسلاميين أيقظ الكراهية ضد المسلمين
العوامل المشجعة

ما زالت العوامل التي شجعت نمو الإسلاموفوبيا في فرنسا أو في أوروبا أو في بلدان أخرى من قارات أخرى بعيدة عن أن تكون وراءنا. بل أكثر من ذلك أنها عوامل تزداد حدة يوماً بعد يوم. سواء تعلق الأمر بتأثيرات منطق الليبرالية الفائقة التي تفرض على الدول وعلى المجتمعات، من خلال سيرورات التكون الأوروبي والعولمة التي تضحي بالإنساني على مذبح المردودية الاقتصادية، وتراكم الأرباح بأسرع وقت ممكن، أو سواء تعلق الأمر -أيضاً- بالأزمة الاقتصادية المستمرة منذ سنوات السبعينيات. إن الأسوأ ما زال بانتظارنا. إن الآثار الاجتماعية، ومنها خسارة الوظائف، وتراجع الخدمات العامة (من صحة، وتعليم، ومسكن واستعمال وسائل النقل وأوقات الفراغ... إلخ) والحقوق التي من أجلها كانت هذه الخدمات، كل ذلك بات يترجم بعدم ثبات متنام لدى شرائح من السكان باتت تكبر أكثر فأكثر. أدت "الأصولية التجارية أو الاقتصادية" وهي أصل هذا التطور إلى نتيجة، أو إلى مكمل لها وهو "الأصولية الدينية". وترابُط هذين النمطين من الأصولية قد شجع على الانطواءات على الهوية، وكان هذا الأساس لكل أشكال كراهية الأجانب التي تتربص بكل مجتمعات الكرة الأرضية. في فرنسا كما في أوروبا وفي أميركا الشمالية، بل في كل البلدان، حيث المسلمون يشاركون في الأحداث بأعماق فاقعة تضر -قبل أي شيء آخر- بالديانة التي ينتمون إليها، نجد أن للإسلاموفوبيا أياماً تنتظرها لتنمو.

إن وعد المرشح الجمهوري دونالد ترامب بمنع دخول كل المسلمين إلى الولايات المتحدة، إلى جانب نجاحات أحزاب اليمين المتطرف في الانتخابات، والتي يشكل الخوف من الإسلام الرصيد لرواجها، في فرنسا، أو في بلدان أوروبية أخرى، إن هذه كلها إشارات ذات مغزى إلى ما سيحصل في الغد، وهو تحدٍ لأصحاب النزعات الإنسانية الذين يعز عليهم العمل على جعل الأحقاد تتراجع، وعلى تشجيع أشكال التكافل وحقوق كل البشر، بغض النظر عن الخلافات في الجنس والثقافات والأديان والآراء والألوان. لا يمكن للصراع ضد الإسلاموفوبيا أن يكون محركاً إلا إذا ارتبط بوضوح مع الصراع ضد كل أشكال كراهية الأجانب، وبالدفاع دون هوادة عن كونية أو عالمية الإنسان وحقوقه. إن هذه المعركة في حاجة إلى تضامن كل ضحايا كل أشكال التمييز والمس بالكرامة وبالحقوق.

احتضان الأقليات

وعلى البلدان العربية، وعلى عوالم الإسلام، التي حقائقها تسهم بتغذية الشعور بالإسلاموفوبيا، يقع الدور المهم إذا ما أرادوا الإسهام في جعل هذا الشعور يتراجع. عليهم التحرك ضد السياسات المناهضة للديمقراطية، التي قلما تحترم الحريات والحقوق الإنسانية من قبل السلطات القائمة، وعليها –أيضاً- العمل على إجراء قطيعة مع العادات الاجتماعية القديمة، والأعراف التي تقف حائلاً دون تنفيذ هذه الحقوق، وأن تعارض بقوة التعصب وأشكال التمييز والاضطهادات التي تتعرض لها الأقليات الدينية والسكان الذين يعتبرون "هراطقة"، ورفض الجرائم التي تقترف باسم الأديان من خلال تعابير الإسلام السياسي الراديكالية، والكف عن استعمال المسلمين الذي يعيشون في فرنسا أو أوروبا أو في أي مكان كأدوات، والسعي من أجل فصلهم عن السكان الذين يتشاركون معهم القدر نفسه.

في المعركة مع أشكال كراهية الأجانب كافة، على كل فرد أن يبدأ بالكنس أمام بيته، وأن يضع نفسه مكان كل الضحايا وكل العنصريات: ليس باستطاعة أحد أن يعرب عن تذمره من السوء الذي قدر له، دون أن يدفع مقابل ذلك -بشكل أو بآخر- الثمن المناسب.