خروج بريطانيا يفتت هياكل النظام الأوروبي المتآكل

'أكبر خطر فوري' على الأسواق المالية

لندن ـ يشكل اختيار البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي، على الأرجح، بداية عملية تفتت للهياكل السياسية والأمنية التي بني عليها النظام الأوروبي، بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة.

وبالنسبة لأغلبية البريطانيين الذين صوتوا لخروج بريطانيا، فقد نجحوا في ان يجعلوا الاتحاد الأوروبي "قصة الأمس" كما كانوا يرددون قبل الاستفتاء، وأن يتيحوا لبلدهم أن يكون أكثر عالمية.

ويقول محللون إن الخروج سيجعل بريطانيا أكثر انغلاقا وسيدفع الحزبين السياسيين الرئيسيين إلى تبادل الاتهامات وإلى التركيز على إغلاق الحدود.

كما سيدفع التصويت بالخروج بالاتحاد الأوروبي بعيدا عن مساره عدة أعوام، إذ سيدخله في مناقشات مثيرة للشقاق حول شروط انفصال بريطانيا ثاني أكبر اقتصاد وقوة عسكرية في الاتحاد.

ولا أحد يعرف مدى انتشار العدوى وسرعتها بعد التصويت بخروج بريطانيا من الاتحاد. ولا يتوقع أن يتوقف الأمر عند خروج دولة كبرى واحدة.

ويقول مراقبون إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يمكن أن يدفع ببلدان أخرى للسير في نفس الاتجاه تحت ضغط التيارات السياسية المتطرفة.

وفي هذا الإطار، كان وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير حذر من مخاطر "تفكك" الاتحاد الأوروبي في حال خروج بريطانيا.

وقال الوزير الألماني "إن تصويت البريطانيين لأجل خروج بلادهم "سيشكل صدمة للاتحاد الأوروبي، وسيتوجب علينا بعدها العمل للحفاظ عليه لكي لا تنتهي عملية اندماج ناجحة دامت عقودا إلى تفكك" هذا التكتل."

ويحذّر دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي - وهو مؤرخ ورئيس سابق لوزراء بولندا شارك في الكفاح لإسقاط الحكم الشيوعي الذي فرضه السوفييت في شرق أوروبا وانضم فيما بعد للاتحاد الأوروبي - من أن "خروج بريطانيا قد يكون بداية لتدمير لا الاتحاد الاوروبي وحده بل الحضارة السياسية الغربية بأسرها."

وتتزايد قوى التفتت الأوروبي في كثير من الدول بفعل الاستياء من الأداء الاقتصادي والمخاوف من فقدان الوظائف لصالح المنافسة الخارجية أو المهاجرين بالإضافة إلى القلق من ارتفاع نسبة كبار السن في المجتمعات.

وفي هولندا أرغم المشككون في الوحدة الأوروبية السلطات على إجراء استفتاء في ابريل/نيسان على اتفاق للاتحاد الأوروبي يقضي بتوثيق العلاقات مع أوكرانيا، وحشدوا ما يكفي من الأصوات لكي تخرج النتيجة برفض الاتفاق الأمر الذي خلق مشكلة قانونية عويصة لسلطات هولندا والاتحاد الأوروبي.

ويخطط فيكتور أوربان رئيس وزراء المجر الذي يتباهي بأنه أقام "ديمقراطية غير ليبرالية" لإجراء استفتاء عام في أكتوبر/تشرين الأول لتحدي قواعد الاتحاد الأوروبي التي تلزم الدول الأعضاء باقتسام عبء استقبال اللاجئين المتدفقين على اليونان وايطاليا.

وفشل يميني من المشككين في الوحدة الأوروبية بفارق بسيط في الفوز في انتخابات الرئاسة في النمسا في مايو/أيار، مستفيدا من موجة العداء للمهاجرين وتحدي سلطة بروكسل.

ويبين أحدث مسح أجراه مركز أبحاث بيو للاتجاهات الأوروبية مؤخرا أن التأييد الشعبي للاتحاد انخفض بشدة في مختلف أنحاء أوروبا وكان أكبر هبوط في فرنسا حيث أيد الاتحاد 38 في المئة فقط من المشاركين أي أقل بست نقاط عنه في بريطانيا، رغم ان تلك النتائج لا تشير بالضرورة إلى أن دولا أخرى قد تنسحب من الاتحاد.

لكن العداء الشعبي للمشاركة في المخاطر - سواء المالية أو الإنسانية أو الجيو سياسية - ازداد قوة في أوروبا حتى قبل الاستفتاء البريطاني، ووسع الفجوات بين الشمال والجنوب والشرق والغرب داخل الاتحاد الأوروبي.

وقالت هيذر جراب الزميلة الزائرة بالجامعة الأوروبية في فلورنسا "بشكل ما من الأشكال حقق الشعبويون الفوز لأنهم يحددون جدول الأعمال للأطراف الرئيسية."

ومن أبرز المنزعجين من الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي المسؤولون عن رسم الاستراتيجيات في الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، المقتنعون بأن هذا الخروج سيضعف وحدة الغرب وعزمه على التصدي للتحديات الأمنية.

ويقول ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة ومخطط السياسات السابق بوزارة الخارجية الأميركية إن "مشروع البناء الأوروبي الذي بدأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية والذي أنجز الكثير لضمان ألا تصبح أوروبا مرة أخرى ساحة لعدم الاستقرار والعنف سيتعرض لمزيد من الخطر."

وكتب هاس في مجلة ذي أميركان انترست يقول إن أوروبا التي انطلقت منها شرارة حربين عالميين قد أصبحت "مملة" بعد انتهاء الحرب الباردة.

ومن التحديات التي يواجهها الغرب، تعاظم الدور الروسي وتيار التشدد الإسلامي والحرب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتي أدت إلى هجرة الملايين وكذلك ضغوط الهجرة في أفريقيا جنوبي الصحراء والهجمات الالكترونية على الشبكات الاقتصادية والأمنية.

ولفترة طويلة ظلت لندن شريك واشنطن في الدفاع والاستخبارات لكنها ازدادت عزوفا عن المشاركة في العمل العسكري منذ الحربين اللتين قادتهما الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وما صاحبهما من مواقف شعبية مناوئة.

ويواجه حلف شمال الأطلسي صعوبات اليوم في العثور على دول أوروبية على استعداد لنشر أعداد متواضعة من القوات بالتبادل لدعم حلفاء في دول البلطيق وشرق أوروبا يشعرون بالانزعاج من استيلاء روسيا عام 2014 على شبه جزيرة القرم ودعم المتمردين المؤيدين لروسيا في شرق أوكرانيا.

ويشكل القرار نكسة كبرى للاتحاد الاوروبي الذي يعاني من ازمة المهاجرين واستمرار الازمة الاقتصادية.

ويجمع المراقبون على أن الخروج سيكون له عواقب اقتصادية وخيمة جدا.

وكان بنك بريطانيا حذر من أن الاستفتاء حول عضوية البلاد في الاتحاد الأوروبي يشكل "أكبر خطر فوري" على الأسواق المالية البريطانية والعالمية.

وأكد وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن في وقت سابق أن الخروج من الاتحاد يمكن أن ينجم عنه رفع الضرائب على البريطانيين وخفض النفقات، لتعويض نقص مالي بقيمة 30 مليار جنيه إسترليني أي 38 مليار يورو.

وذكرت صحيفة "نيكاي" الاقتصادية اليابانية أن المصارف المركزية في أوروبا والولايات المتحدة واليابان ناقشت تحركا لضخ سيولة بالدولار في حال خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

ويعتبر محللون أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعد كارثة بكل المقاييس، لمكانة الاتحاد على المستوى الدولي، حيث سيضعف من قوة القرار الدبلوماسي الأوروبي ويؤثر على وزن الاتحاد في الكثير من الملفات الساخنة في العالم.