مقاربة بانورامية عن شعراء الإسكندرية الشباب (1 / 4)

الشعر والمرايا

ترددت كثيرا في قرار الكتابة، وطال إمعان النظر، فأن تدرس مجموعة منتقاة من الدواوين لشعراء معاصرين من الشباب في مدى أيام محدودة لهو أمر مرهق وعسير وفخ أو مهواة يصعب تفادي دوامتها المهلكة، واضطربت الرؤى كثيرا بين أن نكتب كتابة نقدية محققة معمقة وموضوعية، وبين أن نكتب كمن كتبوا عن هؤلاء وهؤلاء كتابة متحيزة حداثية دقيقة لكنها أشبه بقصائد الغزل المتبادلة بين مراهقي المحبين أو ركوبا وعرا لألاغيز بيانية النقدين الأسلوبي والبنيوي وربما الشفري أحيانا من هؤلاء الذين لا يعنيهم شيء قدر إثبات عبقريتهم النقدية أو دهشتهم النصية البريئة الكذوب، وبين أن نكتب ما تمليه علينا خبرتنا الإبداعية الخاصة أيّا كانت رؤياها أو ضميرنا النقدي المختلف كيف تجلت بصيرته، وارتحنا للاختيار الأخير لموضوعيته وبعده عن اختلاق القيمة كونا أو عدما ولإرضائه للهوى النفسي الشفيف.

مما زعمه واشتهر زاعمنا المتفرد في الماضي الذي ابتعد شيئا فشيئا، وأعني عبقري الشعر الذي نرفضه في خصوصنا إلا قليلا نزار قباني، أن قراءة قصيدة واحدة من الشعر الحديث - ويعني شعر التفعيلة تحديدا - تغني عن قراءة آلاف القصائد منه، هكذا قال وادعى وكذّبه الواقع في شعراء الريادة وقتها، فلقد كان البياتي عالما ونسيجا وحده، وهكذا كان صلاح ونازك ودرويش وحجازي حتى جاء دنقل وغاير تمام المغايرة سابقيه إلى أن ظهر جويدة وشوشة وشعراء العقود المتتالية - كما يحلو لنقاد الكيمياء المختلقة أن يصنفوا ويختلقوا التخوم الفاصلة بين العقود المتتالية - فقل التغاير والتخالف حتى كاد ينعدم مهما توهموه أو اختلقوه بالرغم من فرقعة كثير من الظواهر الكاذبة المتلاحقة منذ اشتعال الحداثة نقدا مدشنا ممسوخا وإبداعا فما بعدها من ترهات النقد وأفاويق الإبداع السحارة بكل أدغالها ودجلها وبوهيميتها البدائية.

فهل يمكن أن نهرف بمثل هذه الأقاويل ونحن نتبصر شعراءنا الشبان المجيدين الآن ونقلبهم على ظهر المجن ونحاول أن نراهم في ذات الشاشة مع جيل الوسط السابق، أقول بلا تجن أو تحامل ربما يصح من هذا التصور المشاكس المراوغ الذي يختصر الطريق معمما الشيء الكثير في مواضع بعينها، تفرض ذاتها أو نفترضها نحن، لكن هل يصدق ذلك في كل المواضع؟ هذا ما سنتبينه إيجازا دون إسهاب عروجا للكرام كالطيف الأثيري الفاحص عجلا وبكل الحب يقرأ في مرآة الضمير قراءته الأدبية الواجبة.

يقول أحد كهان النقد المعاصر وسدنته وهو د. يوسف نوفل - ونذركم تصنفون مدرسته النقدية كيف شئتم - في ص٩٤ من كتابه الجليل "الشعر والمرايا"، ط/ الهيئة العامة لقصور الثقافة 2016:

"تنوعت مواقف/ الأنا من الآخر بوجه عام، ولذا تنوعت الصور واللوحات فى رؤية الشاعر للعالم من حوله وفي نظرته وفكره، وفي تحليله قضاياه وهمومه وتفسيرها وتأويلها مستهدفا دلالات تتعدد بين:

* المشاركة الإنسانية والانضواء تحت الهم الإنساني المشترك، وذلك بتحويل الخاص إلى العام.

* توظيف الآليات الفنية من الإسقاط والرمز والرمزية بتفسيريهما الحرفي والرمزي معا والمثيرة لمعان تفوق المعنى المباشر لتحل محله لنقف أمام العلاقة بين اثنين: ملموس أو مشخص من ناحية، ومعنى مجرد من ناحية ثانية، ولنراها في العلاقة بين الخاص والعام، وبذلك تتعدد دلالات الرمز حسبما يضفي عليه مستخدمه وموظفه: إذ للمبدع رموزه الخاصة، بما في ذلك من: التلميح والتلويح والإيماء والتصوير وتعدد الأقنعة.

* رؤية الواقع من منظوري: النقد أو التهكم أو الاحتجاج والهدم أو المقاومة والرفض.

* توظيف فن الرسالة الأدبية التراثية، أي المخاطبة المباشرة الحية والحيوية تركيزا للدلالة وإثراء المعاني.

ومن هنا رأينا ملامح متعددة للشخصيات، وسمعنا أصواتها ونبرات حديثها متفاعلا مع واقع الشاعر المعاصر ورؤيته للعالم، فيما تضمنه ديوان الشعر العربي الحديث والمعاصر، وغني عن التوضيح اتساع آفاق هذا المجال بما يعني استحالة الإحاطة بها في هذا البحث، إذ لا يكاد يخلو شعر شاعر من لون من ألوان ذلك التوظيف".

وإلى هنا ينتهى كلام ناقدنا الحصيف، ونقول إذا ما صح انطباق هذا التصور التحليلي التعميمي الافتراضي على شعراء الريادة المحدثين ممن مثّل الناقد لهم كالشرقاوي والجيل التالي بعده كأبي سنّة وسويلم ومحمد آدم وعُقاب والشهاويين محمد وأحمد وغيرهم، فهل يصح هذا على شعرائنا الشبان الذين انتقيناهم انتقاء ليدور عليهم فضاء قراءتنا النقدية في نماذج مفردة استلبناها استلابا من دواوينهم الأثيرة أو من قصائدها المفردة بين دفافها الخلابة.

دعونا نجازف دون وجل قائلين: كلا إلا قليلا، وتحرزا وتمردا على هذا في كثير من زوايا الرؤى المغايرة، فهل نحن نريد أن نتعالم أو نعاظل؟! بالقطع لا، إذن فما معنى هذا المشكل؟ وما تأويل تلك المعادلة الغريبة التى افترضناها؟ وهذا ما سنخوض فيه الآن على استحياء على وجازة مكرهة محلقين خوض الكرام العابرين فيما لا يسمح المقام بغيره على أي افتراض أو تقدير، ولنا أن نعيد من جديد استدعاء الفرضية النزارية السابق ذكرها قبلا لأننا سنجري معها حوارا محاكما ومراوغا متخيلا خلال الأسيقة الشعرية القادمة، والماء يكذب الغطاس!

* من أبحاث مؤتمر "إبداعات الشباب السكندري" دورة الأديب الراحل خالد السروجي، مؤتمر اليوم الواحد لفرع ثقافة الإسكندرية 2016.