إلى الميت الحي الذي كرهها بحب، وأحبها بكره

ابتكار في الكتابة الإبداعية

يُعد من أكثر الكُتّاب المصريين كتابة من حيث الكم والكيف معاً، ويفتخر دائماً بغزارة إنتاجه، وبكثرة الكتابات التي كُتبت حول إنتاجه، لا سيما رسائل الماجستير والدكتوراه التي سُجلت ونُوقشت حول أعماله؛ حيث بدأ الكتابة الإبداعية عام 1971، ومازال حتى هذه اللحظة يكتب وينتج وينشر!

وفي ظني لو نال جائزة نوبل، ربما لا ترضيه؛ لثقته بأن إنتاجه أكبر من نوبل! وهذا الشعور ليس غروراً أو نرجسية عنده – رغم وضوحها شكلاً لا موضوعاً – إلا أنها الحقيقة، فهو يظن أن ما يكتبه، لا يجرؤ على كتابته غيره! كما يظن أن جميع الكتابات، التي كُتبت حوله، لا تُمثله ولا تعكس قيمة ما يكتبه؛ لقناعته الكبيرة بأن من سيكتب عنه لم يأت به الزمان حتى الآن! وإن كان هذا ظنه؛ فإنني على يقين بأنه محق! وربما أكون الوحيد الذي يعرف السبب!

فإن الكاتب الذي سيكتب عنه بحق وصدق سيكتب عنه بعد مماته! لأن الكاتب الجريء، الذي يستطيع أن يكتب عن هذا المبدع بصدق، لا وجود له الآن! ولو وُجد لن يجرؤ على الكتابة، لأن ما سيكتبه لن يُرضي هذا المبدع، الذي لا يقبل بأية كتابة عنه! والحل الحاسم لهذه الإشكالية، هو موت هذا المبدع، حتى نكتب عنه بحرية مطلقة، ونقول ما نقول، دون أن يحاسبنا هذا المبدع، الذي لن يرحم أي كاتب يكتب عنه في حياته، لذلك فهو غير قانع بأية كتابة كُتبت عنه حتى الآن .. فادعو معي .. يارب يموت السيد حافظ!

سأعدّ أن الدعوة قُبلت، وأنه مات – رحمه الله رحمة واسعة – حتى أكتب عنه، وأقول: إن السيد حافظ، إنسان غير عادي، فهو (السيد) في الكتابة الغريبة العجيبة غير المسبوقة بأشكالها المتعددة، وهو أيضاً (حافظ) تاريخ مصر وأقوال أدبائها ومؤرخيها، وقصص أصدقائه بفضائحهم وسلبياتهم قبل فضائلهم وإيجابياتهم! فالعمل الذي بين أيدينا "كل من عليها خان .. وهان وجبان وبان"! عمل غريب عجيب، يُمثل قمة (المعارضة) التاريخية والاجتماعية والسياسية في ثوب أدبي – ضمن مشروعه الآني – (المسررواية)!

والحق يُقال: فإن السيد حافظ هو نموذج غريب في المعارضة الإبداعية، ولم أجد سوى المثل الشعبي، الذي يقول "لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب"! فالرواية على ضخامتها، كتلة من المعارضة في كل شيء تاريخي واجتماعي وحياتي وأدبي وسياسي .... إلخ.

والغريب إنه محق في كل كلمة ذكرها، دون لف أو دوران .. أو تزيين! فالسيد حافظ، ينطبق عليه القول الشائع: "يقول للأعور أنت أعور في عينه" . والحقيقة أنه لا يقول هذا مباشرة، بل يقوله بشكل أدبي إبداعي!! وحتى لا أحرق متعة القراءة للقارئ، فإنني سأتوقف عند بعض المحطات في هذه الرواية، وأدلي فيها بدلوي، حتى أُسهم في إجلاء الحقيقة حول كتابات المرحوم .. الله يرحمه!!

من يقرأ كتابات السيد حافظ الأخيرة – وتحديداً هذه الرواية – يشعر بأن قضية هذا المبدع في تعامله مع الآخر! وربما تكون الإشكالية عند المبدع أساساً، لا عند هذا الآخر! فالسيد حافظ ناقم على كل تصرف نابع من الإنسان، وكل فكر يتبناه هذا الإنسان، وكل قول يذكره هذا الإنسان، وكل كلمة يكتبها هذا الإنسان! وبالتالي فهذا الإنسان مرفوض من المبدع، وبناءً عليه فالسيد حافظ هو الحكيم المتأمل، الذي يفسر ويبرر ويحكم على هذا الإنسان؛ بما لديه من ذاكرة وخبرة حياتية، تجعله يحكم على عصره الحالي بعينه الفاحصة وحكمته الكبيرة! ولكن لماذا؟ لماذا وصل السيد حافظ إلى هذا الحال؟ لماذا أصبح زاهداً حكيماً مفسراً بليغاً، يحكم على تاريح العالم والعرب، وتحديداً على مصر! هذا ما سنكتشفه .. فهيا بنا!

بدأ الكاتب روايته بقصة أولاد سيدنا آدم - قابيل وهابيل - ليصل إلى نتيجة، ذكرها قائلاً: "أنت أول مجرم يا قابيل في البشر، لم ولن يسامحك الرب .. وقدرك البشرى أن يصير اسمك عبر الأجيال كلها، يسمون قابيل ولا يسمون هابيل؛ لأن البشر يحبون الشر".

وهكذا استنتج المبدع أن حب البشر للشر أكبر بكثير من حبهم للخير، ومن خلال هذه النتيجة، ينطلق في الحكم على العرب؛ بأنهم قوم لا يقرأون؛ فنصيب العربي من القراءة ست دقائق فقط في السنة، بينما نصيب الأميركي 200 ساعة! أما الإنتاج الإسرائيلي من الأدب والفكر، فيفوق أضعاف أضعاف ما ينتجه العرب أجمعين! وذكر أميركا وإسرائيل هنا، كان من باب الحماسة لدفع العرب إلى الإنتاج الأدبي والفكري، لا من باب التشفي أو التطبيع! إذن العربي لا يقرأ ولا ينتج فكراً أو أدباً يليق به؛ فالنتيجة الطبيعية أن العربي "يغير جلده مع كل حاكم جديد .. ويغير دينه مع كل نبي .. ويغيب عقله كل مساء حتى لا يواجه نفسه: هل هو حي أم ميت؟".

ومن الإنسان العربي ووطنه العربي، يصل الكاتب إلى الإنسان المصري ووطنه مصر، ويقوم بانتقادهما وكشفهما أمام أعين القارئ ليريه الحقيقة بأن مصر أفضل بلاد العالم! هكذا يكذب المصريون على أنفسهم، لأن لا عقل لهم؛ لكسلهم ونومهم على وسادة القناعة والتسليم بالمكتوب. فهم أهل مصر المحروسة .. الموكوسة .. المنحوسة!! هكذا وصفها الكاتب على لسان إحدى الشخصيات التاريخية! ولكن لماذا استدعى الكاتب هذه الأوصاف الآن؟! الله يرحمه لن يجيب؛ لذلك فأنا مضطر أن أجيب بدلاً منه، وأقول:

إن الكاتب كتب روايته "كل من عليها خان" خلال أعوام من أهم وأخطر أعوام تاريخ مصر الحديث، لأن كل من عاش على أرضها في هذه الأعوام: خان .. وهان .. وبان .. وفان! وكانت مصر: منحوسة .. وموكوسة .. ومحروسة! ورحم الله كاتب الرواية؛ لأنه كان الأقوى والأشجع والأجرأ؛ فقد كتب .. وسجل .. وحكم .. وبرر .. وفسر، ولم يهلل .. أو يزمر .. أو يُطبل! أي أنه سلك أوعر الدروب، وسجل أروع الكلمات، فكتب لنا رواية فاضحة للمواقف والمعاني، وقال رأيه، وصمم على موقفه، ساخراً من كل من طبل وزمر وهلل؛ لأنه يعرف أن التاريخ لا يعترف إلا بالرجال؛ فالرجال مواقف! وهو رجل موقف، قالها صريحة: إن مصر منحوسة وموكوسة ومحروسة!

ولأن النحس لا دخل للبشر فيه، فهو قدر من عند الله – هكذا يعتقد المصريون - فمصر منحوسة؛ لأنها تعيش الآن – وقت كتابة الرواية – ثورة لم تحقق أهدافها، والخوف أنها تفشل في تحقيقها؛ لأن "خلال أكثر من 5000 سنة لم تحدث فى مصر أو تنجح ثورة شعبية حقيقية واحدة بصفة محققة أو بصفة مؤكدة، مقابل عشرات بل مئات الانقلابات العسكرية، يمارسها الجند والعسكر دورياً كأمر يومى منذ الفرعونية وعبر المملوكية وحتى العصر الحديث ومصر المعاصرة"، هكذا قال جمال حمدان! فعلق الكاتب على لسان التاريخ، قائلاً: "هكذا حال شعب مصر، يفضل العبودية ويخاف من المغامرة والحرية ومن المجهول"، ويسخر من نحسنا، قائلاً: "نهدم بعضنا بعضاً، ونختار دائما الأسوأ فينا مديرًا أو وزيرًا أو مسؤولا أو ملكًا؟".

وربما وصلت مصر إلى ذروة نحسها في أهلها الطيبين؛ ولأنهم طيبون فليس لهم مكان على الأرض، فبالموت يكافأون .. لأنهم طيبون! هكذا قال الكاتب، وأكد على قمة النحس قائلاً: "لا أحد يحاسب أحداً .. في مصر الآن"!

ولأن الوكسة فعل بشري – وليست قدرية مثل نحسنا – فمصر موكوسة بسبب أفعال حكامنا، منذ حُكم المستنصر؛ لأن المصريين في زمنه "يحبون الحرية دون التزام، والعبودية للحاكم دون حدود" – كما يحدث عندنا - وفي أيام المجاعة أكلوا لحم الخيول – وليس الحمير على أيامنا – وكان الخبز يُوزع على الفرد رغيفين – وليس بالبطاقة في أفراننا – وكان البشر يُعرضون للبيع والشراء، بعد أن يصطادوهم البلطجية – وليس المواطنين الشرفاء في مظاهراتنا – مما جعل الوزير بدر الجمالي لا يرغب في سقوط الدولة بالدم أو بالانقلاب – كما حدث في مياديننا - بل ظل ينتظر فرصة كي يتنازل المستنصر له عن الخلافة – وليس الحكم بإعدامه في سجوننا – وشهدت مصر مظاهرات فيها ستات مصر، فكتب التاريخ: لما الرجالة نامت .. ستات مصر قامت .. لما الرجالة سكتت .. ستات مصر صحيت – مثلما يحدث في أقاليمنا – فقام شيخ الأزهر باختراع فكرة (خطبة الجمعة الموحدة) الواجب تحديدها من قبل الأزهر، بعد سؤال مدير الدولة الأول بدر الجمالي – كما يحدث في بيوت ربنا – من أجل حماية مصر من الأشرار وفاسدي العقيدة والمتطرفين الساعين لقلب نظام الحكم الفاطمي – وهو الإرهاب عندنا - لذلك لا بد من إعادة ترتيب الأزهر ودعاة المساجد، وتغيير الخطب والمواعظ الدينية – كما جددنا الخطاب الديني في أيامنا – وهكذا كانت مصرنا موكوسة بفضل أفعالنا! وعلى الرغم من أنها منحوسة وموكوسة .. فهي أيضاً (محروسة) لأنها مازلت باقية لنا!

ولأنها محروسة من كل شر، حاول الكاتب أن يلقنها درساً مباشراً في عبارات متتالية كطلقات الرصاص؛ لعلها تفيق، قائلاً على لسان إحدى الشخصيات: "أين الضمير في الشعب الذي يقتل بعضه بعضاً؟ ما كنت أظن أن الغباء صار دولة .. والفساد صار شعباً .. ما كنت أظن .. أن الحكماء والعقلاء يختبئون تحت البطاطين خوفاً من الرصاص .. وأمة تعيش بلا ضمير .. حزن ما خفي يداهمني .. غير راض عن الكتابة .. وأنا أدري أن الجهل يسود والقارئ مفقود .. غير راض عن غالبية الكتابات التي قرأتها فهي حالات مرضية لا إبداعية .. لا يعجبني غياب الحب من مصر .. لا يعجبني انتشار العشوائية وأخلاق العبيد .. لا يعجبني القهر .. الذي يمارسه المصري على المصري والعربي على العربي .. لا يعجبني الغلاء الفاحش وتراجع الاقتصاد يومًا بعد يوم".

وعندما أفاق من انفعاله، سأل نفسه: هل أنا حي أم ميت في هذا البلد؟ وقبل أن يجب، سألته زوجته تهاني – في الرواية -: أنت لسه بتحب مصر يا فتحي مع أنها خانتك ألف مرة؟ فأجاب زوجها فتحي رضوان خليل: قدري أن أحب تلك الخائنة! وهذا الزوج هو روح المرحوم، التي ستظل على قيد الحياة، طالما أوراق هذه الرواية باقية بين أيدينا!

عزيزي القارئ: ما سبق جزء ضئيل من الرواية – التي بين يديك – وهي اقتباسات وأفكار؛ ربما تجدها في صفحة هنا أو هناك، أو تجدها في أغنية، أو مسرحية، أو قصة، أو أقصوصة داخل الرواية التي بين يديك! لأنك تحمل مؤلفاً عجيباً - لكاتب عجيب – ستقرأ فيه الرواية الطويلة جداً، وعندما تشعر بالملل من قراءة أي فصل فيها، يطل عليك المرحوم ويرحمك بفاصل من مسرحية قصيرة، أو أغنية – في سطور قليلة – ويطلب منك بأدب ساكني القبور، قائلاً: "فاصل ونواصل، لا تذهب بعيداً عن الرواية"! وعندما يرتاح ذهنك بالفاصل، يطل عليك المرحوم بقسوة الأحياء، قائلاً لك: "عدنا إلى الرواية .. اقرأ الآن"!

وهذا الابتكار في الكتابة الإبداعية؛ يُعدّ نوعاً من التجريب الأدبي! فالفاصل ما هو إلا صرخة إبداعية جديدة، تؤكد رسالة الكاتب المتوخاة من روايته! فعلى سبيل المثال: أول فاصل ستجده "مسرحية قصيرة جداً" في عشرة أسطر، تقول ببساطة ووضوح – رغم رمزيتها الشديدة – إن الشعب الذي يقول لحكامه ونظامه (نعم) باستمرار؛ سينعم بالنوم والغذاء! وعندما يتجرأ ويقول (لا) سيتلقى الرصاص من بنادق حكامه ونظامه!

وهكذا سيجد القارئ في كل فاصل، تأكيداً أو رمزاً أو مغزىً لما قرأه قبل الفاصل، وبعد الفاصل لا بد أن يواصل. وطالما أنت تواصل القراءة إلى الآن – عزيزي القارئ - فأنت على قيد الحياة، مما يعني أنك قلت، وستظل تقول (نعم)!

أ‌. د سيد علي إسماعيل ـ كلية الآداب – جامعة حلوان