مقاهي الإسكندرية .. أيام وحكايات

ياللا على الإسكندرية

ارتبطتُ ببعض المقاهي منذ صغري – فوالدي كان يحرص على الجلوس على المقهي يوميا، مثل الكثير من أهالينا. فقد جاء من الصعيد هو وأخوته الأربعة، ثلاثة منهم لم يعطوا للمقهى اهتماما، يجلسون عليها للضرورة القصوى، لكن أبي وأصغر أعمامي ارتبطا بالمقاهي بشكل كبير- فوالدي لم يمتنع عن الذهاب للمقهى إلا عندما فقد القدرة على المشي. كان يذهب لمقهى "دياب" في جبل ناعسة كل يوم. وأحيانا لعدة مرات في اليوم.

وأعرف الكثير ممن يعشقون الجلوس على المقاهي. وقد قابلت زميلا لي في العمل بعد خروجنا على المعاش. وسألته:

- هل تقضي معظم وقتك في البيت؟

فصاح معترضا: ليه، هو أنا "مرة"؟!

ففي رأيه إن النساء فقط من يقضين أوقاتهن في البيت.

عندما كتبت روايتي "جبل ناعسة"، صورت فيها شخصية صاحب مقهى، فرسمت صورة بالكلمات لمقهى "دياب" الذي ذهبت كثيرا جدا لمقابلة أبي فيه. الشجيرات الصغار أمامه، وكان دياب أو مساعده، يرشها بالماء، ثم يلفها بقماش أبيض خفيف.

• مقهى بسترودس

ومن المقاهي المشهورة في الإسكندرية: مقهى فاروق وبترو وإيليت وديليس واتينيوس وتريانون وبسترودس، في شارع فؤاد الأول (طريق الحرية حاليا) مواجها لسينما ريو الشهيرة. وكان شاعر الإسكندرية الكبير قسطنطين كفافيس يقضي جل وقته بها.

ويحكي حارس فاروق (ملك مصر السابق) بإنه بعد أن طلق فريدة؛ حزن واغتم، فلعب القمار لوقت متأخر من الليل، فقال له مساعدوه:

- الوقت تأخر يا مولانا والناس تعبت.

فانهى لعب القمار، ففرح معاونوه وظنوه سيذهب للنوم، لكنه قال:

- ياللا على الإسكندرية.

فوصلوا إليها في الصباح، وجاءوا له بالإفطار من بسترودس كالعادة، لكنه رأى الجنود في قصر رأس التين يستلمون قزان العدس، فذهب إليهم، وأخذ عدسهم وأعطاهم طعام بسترودس.

وتحول بسترودس الآن إلى بنك قطاع خاص.

• فنجان القهوة

عالم لاهوت إيطالي كان يعيش في القرن الثامن عشر، فنسب اكتشاف نبات البن إلى أحد الصوفية. قال: إن هذا الصوفي رأى بعض العنزات ترعى أوراق وحبوب شجرة صغيرة، كانت تأكل منها بنهم، ثم ما لبثت أن أصيبت بحالة من النشاط والحركة.

ذهل الرجل الصوفي وهو يرى المنظر أمامه، وأراد أن يتحقق من ذلك بنفسه، فغلى بضع ورقات من هذه الشجرة فاستساغ مذاقها. وأحس بالفائدة والقيمة. وبذلك تم اكتشاف القهوة.

وأول دولة عربية استخدمت القهوة هي اليمن. فكانوا في الماضي يغلون نبات القات، وقد وصل إليهم نبات القهوة (البن) فاستعملوه بدلا من القات، فاستساغوه وارتاحوا للتعامل معه.

وظهرت القهوة بمصر في القرن العاشر للهجرة، وأول ظهور لها في رواق العلم من اليمن بالأزهر. وجاءتهم القهوة عن طريق إخوانهم القادمين من عدن. كانوا يضعونها في ماجور كبير من الفخار، وعن طريقهم انتشرت، أولا بين الطلاب المصريين الذين يدرسون في الأزهر. ثم ذاعت بين العامة وأنشأ الناس دكاكين لتقديمها أشبه بالحانات.

• قهوة المشايخ

ومن المعروف أن لكل مهنة شيخا، فالزبالون لهم شيخ يحل منازعاتهم ويتحدث معهم، والبناءون لهم شيخ، والطباخون لهم شيخ، وكذلك المقرءون، وكل شيخ مهنة له مقهى يجلس عليها، وكان مقر المقرءون في الإسكندرية وشيخهم في تقاطع شارعي إيزيس وجامع سلطان.

وكان يجلس على هذا المقهى؛ المشايخ المشهورين أمثال عبدالباسط عبدالصمد والمنشاوي ومصطفى إسماعيل وغيرهم وكان موقعها مهم لمقرئي القرآن، فشارع مسجد سلطان يؤدي إلى مدافن عمود السواري، أكبر وأهم مدافن في الإسكندرية، ومما كان يفخر به هذا المقهى أن محمد نجيب رئيس مصر في بداية ثورة يوليو 52 زار هذا المقهى وجلس فيه.

لكن دورة مياه الدور الأول العلوي وقعت فجأة على نصبة المقهى، فوقعت العمارة وتشتت المشايخ. حتى لجأوا إلى مقهى قريب في أول شارع ابن الخطاب. وفي مواجهة "مبولة الحضري" المشهورة هناك.

عم عيسى كان شريكا في قهوة المشايخ، وعندما تم هدمها، افتتح قهوة بشارع شجرة الدر (مكانها الآن مكتب بريد غربال) وبدأ الصعايدة يتوافدون على الشارع للعمل، كانت ظروف قراهم ومدنهم تطردهم إلى القاهرة والإسكندرية، فيأتون إلى شارع شجرة الدر الممتلئ بمقاولي المعمار، يعملون في البناء وعمل السلالم الحجرية في البيوت، وينزحون الآبار، إذ لم تكن المجاري قد دخلت غربال، وكان عيسى صاحب المقهى يستضيفهم عنده، وقد أجر لهم دكانا في مواجهة المقهى ينامون فيه، ويبيع لهم الأطعمة، الفول والفلافل، والعدس والفول النابت والأودسية، ويسترزق منهم.

وإذا وقفت في آخر شارع شجرة الدر مساء، (وهو مكان مرتفع) سترى غابة من الطواقي، ففي منتصفه كمية هائلة من المقاهي، يرتاده الصعايدة، عمال البناء.

وسرت في هذا الشارع مع صديق لي في بداية فترة الشباب، وسأل الساقي عن المعلم جرجس. فقال:

- لسه ما جاش، ساعة والا اتنين ويحضر.

وسألت صديقي الذي كان مغرما بالمداعبة ومعاكسة الناس:

- من جرجس هذا؟

قال: معرفش حد اسمه جرجس، إنما لابد أن يكون من رواد المقهى معلم اسمه جرجس. فمعظم عمال البناء مسيحيين.

• تحريم القهوة

إن القهوة فى اللغة العربية اسم من أسماء الخمر، وقد حُرمت مئتي عام بمصر، وعندما سألوا المشايخ عن رأيهم في القهوة؛ قالوا حرام لأنها مُسكِّر.

لكن أحد علماء الأزهر أراد أن يتأكد بنفسه، فاحتجز في بيته عشرة أشخاص من الفجر حتى الظهر، وأخذ يسقيهم من القهوة ولا يشرب منها خوفاً من أن تكون مُسكرة، فوجدهم فى قمة التركيز، عكس ما يشاع عنها. فأصدر فتواه بأنها حلال، وأصدر الخليفة فى تركياً قرارا بإجازتها بعد أن كان يحرمها.

• مقاهي حينا

في حينا مقاهي كثيرة – ثلاث منها في الشارع العمومي، أقربهم إلينا مقهى أبو دومة، فهو في مواجهة الحارة التي تسكنها جدتي. ومقهى أبو الترك ومقهى بكر، ثلاثتهم يمتلكون راديوهات. ولا يمتلكون تلفزيونات. لذا كان عشاق مشاهدة مباريات كرة القدم، يذهبون لشارع إيزيس – أقرب شارع كبير لنا، كل مقهى فيه تليفزون. يشاهدون المباريات هناك مقابل شرب الشاي أو الكاكاو أو السحلب، لذا، كانت تحرص هذه المقاهي على تعليق لافتة بنوع المباراة وموعدها.

وفي شهر رمضان، وقت الصيام يوزع الساقي على مشاهدي المباريات، قطع ملبن بدلا من المشروبات.

لكن بمرور الزمن استطاع أصحاب المقاهي في منطقتنا من شراء تلفزيونات كبيرة وملونة.

• ما فعله الولد حمودة برواد المقهى

انشغل حمودة بفكرة، طاردته لقرب شهر، فصمم على تنفيذها، اشترى عددا كبيرا من حبوب الهلوسة التي يستعملها هو وأصحابه، وصحنها جيدا، وانتظر في مقهى أبو دومة حتى خرج سلامة – صاحب المقهى – لتوصيل المشروبات للزبائن، وخلط مصحون الحبوب بالسُكر الذي يحلي به سلامة المشروبات. وقلَّبه بالملعقة الموضوعة دوما داخل الإناء، وعاد إلى مكانه ينتظر نتيجة ما فعل.

أكثر زبائن المقهى من الزبالين الذين يشكلون أغلبية السكان هناك.

قدم سلامة الشاي لعزب، وهو يقترب من الخمسين، أسمر اللون وممتلئ، ومشهور هناك بكبر ردفيه، شرب شايه مفكرا في أزمته، يعمل في قسم زبالة والده مع أخوته الكثيرين، الدخل لم يعد يكفي وهو متزوج ويسكن حجرة بشقة والده. أحس بأن الشاي هذه المرة مخدوم وطعمه أفضل من كل مرة، رجع للخلف، فلمس ظهره مسند المقعد. وشعر بالرغبة في النوم. فكر في أن يطلب من سلامة كوب شاي آخر، لكنه تذكر أزمته المالية فاكتفى بكوب واحد وتابع المارة في انبساط وسعادة.

تابعه من حوله مندهشين فهو لم يقل كلمة واحدة – على غير عادته – كما إنه يبتسم طوال الوقت. وعندما قام لم يحي أحدا. نظر إلى أرض الشارع أمام المقهى، أمتار قليلة جدا ويصل للحارة. رأي جنيها يتحرك أمام دكان البقال، فأسرع وأمسك به، وحمد الله فهو في أشد الحاجة إليه، أمسكه وطواه بعناية ودسه في جيبه. ودهش مما يرى فالطريق كله نقود تتحرك وتأتي نحوه، فأمسكها وطواها سعيدا، فقد حلت مشكلته فجأة. وعندما وصل لزوجته هنأها سعيدا، وأخرج ما في جيوبه، فصاحت غاضبة: تجننت يا رجل، تلم ورق من الحارة؟!

وشرب هاشم شايه وسط أصحابه، ألح عليهم لكي يشربوا على حسابه، لكنهم امتنعوا جميعا، قالوا: لسه شاربين.

مر سلامة من أمامه وهو يحمل الشيشة من أسفلها ويضع المبسم في فمه، ويسحب النفس، قال له: النهارده شايك مظبوط عالآخر.

تباعد هاشم عمن حوله تدريجيا، يعمل زبالا لدى أم شوقي، المرأة عجوز لكنها مغرية، متزوجة من شاب أصغر منها، يحلم هاشم بها، يتمناها، لكنها جادة، ولا تسمح لمن يزيد في الكلام معها. كان رفاقه يحدثونه وهو يتوه بعيدا عنهم، رأى أم شوقي تدخل كوخه أعلى سطوح بيتها مرتدية قميص نومها الذي يكشف عن ظهرها وصدرها الممتلئ، ونامت فوق صدره راغبة فيه.

وقف وسار دون أن يحيي رفاقه، سار كأنه منوم، دخل البيت، دفع باب حجرة أم شوقي، كانت فوق كنبتها تتسلى باللب والسوداني حتى يعود زوجها الشاب من المقهى.

صاحت به: مالك يا رجل؟!

اقترب منها في صمت، ومد يده نحو حجرها، ظنته سيأخذ حفنة من اللب والسوداني، لكنه أمسك جسمها برغبة واضحة، فقامت فزعة، تناثر ما في حجرها على الحصير، وصاحت بأعلى صوتها، وصفعته في عنف. وأقسمت أن يترك البيت والعمل عندها.

مر الوقت وسلامة صاحب المقهى جالسا في مكانه بجوار النصبة، المقهى خاو تماما، أحد السكان مر به، فصاح:

- مالك سهران النهارده كده؟!

لم يجبه، قام نشطاً، وأعد الشيشة، وضع المعسل، ثم الفحم فوقه، وأسرع ناحية البيت الذي يقع فيه مقهاه. صعد السلالم مسرعا، دق باب الشقة في عنف، فصاحب الشقة متعود يطلب منه شيشة كل يوم، فُتح الباب بعد وقت ليس بالقصير، شاهد أمامه زوجة الرجل التي يعرفها جيدا، تصيح فزعة: مالك؟!

قال في دهشة: الشيشة.

جاء الرجل وابناؤه وبناته مندهشين. صاح بصوت مرتفع وفي غضب:

- أنت أتجنيت، صحتنا من النوم.

ازدادت دهشة سلامة، الرجل يطلب شيشة كل يوم، فما الذي يغضبه الآن؟!

صاحت الزوجة: أحنا الفجر دلوقتي.

أراد الرجل أن يضربه، ويدفعه من فوق السلالم، لكن زوجته أدخلته وأغلقت الباب. ونزل سلامة بالشيشة مندهشا من غضب الأسرة كلها.

• المقاهي التي اندثرت وانتهت

تنتشر المقاهي في الإسكندرية الآن، فالعاطلون لا يجدون مكانا يأويهم سوى المقاهي، ففي الصباح المبكر، تسير في ميدان محطة مصر، فتجد عمال البناء يجلسون على ارصفة حاملين أدوات عملهم: المطارق والقروانات .. إلخ في انتظار من يأتي لأخذهم للعمل. والمقاهي الكثيرة هناك مزدحمة بالرجال – خاصة الشباب – متراصين يتابعون التلفزيونات.

وفي حي بحري مقهى شهير اسمه "خبيني" مساحته كبيرة وبلا أبواب، مكان الباب قطعة قماش مهترئة ممن تستخدم في السرادقات، وهو مقهى لا يُغلق، يعمل ليلا ونهارا. ويتخذه بعض الرواد مكانا للنوم بأجر أقل من الفنادق بكثير. فالنوم على المقاعد المتراصة.

وهناك مقاهي اندثرت وتلاشت، مثل قهوة "النجعاوي" بشارع فرنسا، مقهى كبير، يرتاده رجال الأعمال. ويقدم جميع أنواع المشروبات. وحكى لي عمي بأن رجلا جاءه من رشيد، طالبا نشارة الخشب الخشنة والخشب الكسر (المتبقى من الصناعة) فقد قرر إقامة قمينة طوب، قالب من الخشب يملأونه بالطين ويدخلون الطين الفرن حتى يتحول إلى طوب أحمر يستخدم في البناء.

كانت معظم الأفران والقمائن تعمل بالخشب والنشارة. واتفق مع عمي بأن تقف المركب بجوار كوبري راغب باشا، وتصل العربات ذات الجدران العالية بالنشارة يجرها الرجال، يرمونها في بطن المركب، حتى تمتلئ، وتعود ثانية لرشيد. ويوم الأحد يتقابلان (عمي وصاحب قمينة الطوب) في قهوة النجعاوي، يتحاسبان ويدفع الرجل ثمن النشارة والخشب الكسر.

جنب عمي هذه الأموال واشترى بها البيت الذي يسكنه الآن.

• التبغ

في بداية دخول التبغ لمصر، لم تكن لفائفه معروفة وقتئذ، ويتم التدخين بواسطة الشبك – أو النرجيلة – والمدخنون يحملون الشبك إما بأيدبهم، أو الخادم يحمله لهم لو كانوا أغنياء.

ويحتاج الشبك إلى تنظيف متواصل، شأنه شأن البايب الآن. لهذا كان الكثير من الفقراء يعيشون على تنظيف الشبك، ويبدو أن العائلات المسماه بالشبكشي كانت أصلا تتاجر في الشبك.

تمسك كثير من فقهاء المسلمين بتحريم التبغ، وكثيرا ما طاردوا مدخنوه، تماما كما يطارد مدخنو الحشيش في أيامنا هذه.

ويذكر الجبرتي في حوادث 1156، إن الوالي العثماني أصدر أوامره بمنع تعاطي الدخان في الشوارع وعلى الدكاكين، وأبواب البيوت، ونزل معه الأغا، ونادى بذلك وشدد بالإنكار والنكال بمن يفعل ذلك. وكان كلما رأى شخصا بيده آلة الدخان، يعاقبه، وربما أطعمه الحجر الذي يوضع فيه الدخان بما فيه من نار.

• ما أذكره عن مقاهي الإسكندرية

والحديث عن المقاهي والقهوة يذكرني بساعي مدرستنا الذي يصنع الشاي والقهوة للمدرسين، وضبطوه وهو يجمع المتبقي في أكواب وفناجين القهوة ويعرضه للشمس للتجفيف ثم يعيد غليه ثانية.

وما أذكره أيضا إن في كل مقهى صينية ذات ألوان عديدة، وفي وسطها لمبة حمراء، تضاء عند الحاجة، تقدم عندما يأتي العريس للجلوس مع أصحابه، ويشربون على حسابه، قبل الذهاب إلى عروسه في المسرح أو السرادق الذي يقيمون حفل الزواج فيه.

ولا أنسى في يوم مولد النبي، تفاجأ بأكواب الشربات توزع على كل الجالسين في المقاهي دون ثمن، محبة في الرسول.

والكتاب والشعراء الذين أعتادوا على الكتابة في المقاهي، مثل الشاعر كامل حسني وصديقه الشاعر محمود الكمشوشي، وكنت كلما ذهبت "للقهوة التجارية" أرى الكاتب الإذاعي المشهور كمال عبدالعزيز في مكان لا يغيره، ممسكا بالكتاب والورق، يكتب مسلسلاته الإذاعية وبرامجه وهو جالس في المقهى.

وندوات كثيرة عقدت في مقاهي الإسكندرية، مثل ندوة "أقلام الصحوة" التي أنشأها محمد حافظ رجب بالقهوة التجارية ثم قهوة النيل بالمنشية، وندوة للشعراء والزجالين بقهوة البلعزي القريبة من ميدان محطة مصر.