الرواية السكندرية.. نماذج مختارة (3 / 3)

كتابة روائية ناجحة

"ذهاب عودة" هي الرواية الأولى للقاص يحيى فضل سليم، سبقها صدور مجموعة قصصية تحت عنوان "حدود ضيقة". الرواية والمجموعة يعزفان على وتر ولحن أساسي واحد، وينهلان من واقعية جديدة بدأت تشق طريقها في السرد الروائي المعاصر بكل قوة متأثرة في ذلك بتيار جديد زحف على واقع الرواية العربية ليرفد حالة من حالات تجليات الواقع المأزوم، وتأزمات الحالة اللاإنسانية والمتسيّدة الشأن الاجتماعي الآني بكل ما يحمل من صراعات ومغالاة وتشكّل نحو مجموعة من القيم المتهرئة وجدت طريقها نحو نسيج المجتمع بشخوصه وأفراده داخل الأسرة وفي المدارس والجامعات والشوارع والأزقة والتجمعات البشرية كافة.

ولا شك أن النص الروائي الأول عند كل كاتب له حالة خاصة من حالات الترقب والوقوف على مقومات هذه الحالة في بواكيرها الأولى. ومحاولة النظر عن كثب لردود الفعل الناشئة عن ظهور هذا النص في الساحة السردية، خاصة وأن الساحة السردية قد بدأت فيها مظاهر تحولات الخطاب الروائي نحو الواقعية الجديدة الآخذة من نفس النبع الذي استقت منه الرواية نسيجها وخطوطها وملامحها.

استخدم الكاتب تيمة ثرية في المعنى والمبنى وهي تيمة العلاقة بين الإنسان والكلب، كما استخدم أيضا وحدة الانطباع المحققة من التركيز على أزمة واحدة وهي أزمة التخلص من هذا الكلب لإصابته بداء الجرب، ومحاولة إبعاده عن دائرة الواقع المعيشي بشتى الطرق والأساليب، كما حاول الكاتب الإيجاز في المعنى مع خلق مناخ شعبي نشأ من استكشات ومحكيات اجتماعية اعترض بها بنية النص وهي محكيات حاول فيها منح النص ذائقة خاصة دالة من خلال وصف العلاقات الاجتماعية داخل هذا المجتمع المحدد الهوية والسمات، كما اختار أيضا نوعية خاصة من الأبطال بطلاها الرئيسيان هما: الراوي والكلب.

أما باقي الشخصيات فهي شخصيات مساعدة تكمن في الأسرة المفككة: الأب العائش في عالمه الخاص وفي نومه الدائم المستمر، والأم دائمة الشجار مع الأب والتي تغضب لأتفه سبب وترك لهم البيت، والأخ ناصر بسماته الذاتية المحتقنة دائما، والسيد المجنون بثقله الذاتي على واقع الراوي، وأخته بملامحها الباهتة والكامنة في الشرفة المقابلة لسكن أسرة الراوي، وبعض الشخوص المساعدة الأخرى الخارجين من قسوة الحياة وتعاستها.

وقد حدد الكاتب من عنوان النص "ذهاب وعودة"، من خلال هاتين المفردتين حيث يبدو أن نسيج النص متحلق حول كل منهما، فالذهاب يبدأ منذ العتبة الأولى حين راودت الراوي فكرة التخلص من هذا الكلب الذي أصابه الجرب جراء اتصاله بكلبة أم ميسو المريضة بهذا الداء، لقد أراد له الجميع الذهاب من المكان، ويحاول الراوي التخلص منه بأي طريقة من الطرق، ولكن العلاقة بينهما كانت أقوى من هذا الهاجس.

إن الجانب المروي من هذه اللحظات يستعيد فيه الكاتب خصائص الرواية النفسية ويخضع كل شيء للكوميديا السوداء التي تضحكنا وتبكينا في نفس الوقت، وتلك النزعة الساخرة الموجهة في تجليات الرؤية المعاصرة للمهمشين المصطخب عالمهم مع عالم الدم والموت والعنف والجنون.

بينما في حكايا النص وما يدور فيه من وقائع نجد تفكيكا آخر لنوازع اجتماعية تدور على مستوى التقاطع مع مجريات التيمة الرئيسية للنص وهى التخلص من الكلب لاكي، من خلال الأم التي تسمح لابنها بإحضار بنات في منزلها على مرأى ومسمع منها ومن أولادها بل هي توظف الأولاد للمراقبة حتى تتيح لابنها ناصر الجلوس أكبر وقت ممكن مع الفتيات للاستمتاع وتزجية الوقت.

ومن خلال أيضا ما يمارسه الأولاد مع الراوي حين يحضرون البيرة وفتاة من فتيات الليل، ولكن الكلب يئد محاولتهم بالنباح الشديد وكأنه يعلم تماما أن ما يحدث هو من الممنوعات. والأم التي تتشاجر مع جيرانها لأتفه الأسباب، وتمارس معهم أحط وصلات الردح والشتائم. والسيد المجنون الذي يحبس أخته ولا يسمح لأي أحد أن ينظر إليها ويصر على أن يغلق شرفتهم وقت وجوده في البيت أو الحارة، وسيل الاتهامات التي أوردها الكاتب في نسيج النص من أن المجنون على علاقة بأخته، وعلى علاقة أيضا بأم الراوي، وأنه على علاقة أخرى بعدد من نساء الحارة، وأنهم اكتشفوا أباه في مخدع أخت المجنون.

إن هذا السيل من المسكوت عنه في نسيج النص، ربما أضعف بنية النص وكان توظيفه في غير موضع من مواضع التيمة الأساسية التي منحها الكاتب كل تركيزه وتأصيل رؤيته النصية حيال كل ما يحدث على مستوى الواقع.

• رؤية النص

تبدو رؤية النص في تيمته الأساسية، وفي واقع التجربة تجسيدا لما يدور في جوف المدينة ودهاليزها، داخل الأسرة وخارجها، في الحارة والسوق وباقي أجزاء المكان، وتقوم الرواية منذ عتبتها الأولى كما ذكرنا على محاولة الراوي التخلص من كلبه الذي أصابه مرض الجرب، وأصبح غير صالح للمعايشة، هو يحاول التخلص منه بأكثر من طريقة، وكأنه في كل مرة يحاول صنع شيء لتغير الواقع.

إن محاولاته المتكررة للتخلص من الكلب تصحبها ردود فعل من الكلب ذاته تجاه ما يحدثه الراوي المتعاطف معه ولكن ردود فعل المجتمع تجاهه هي التي تمنحه هذه القدرة على إبعاد الكلب بعيدا عن نسيج المجتمع، وتلك كانت التيمة الرئيسية للنص بكل أبعاده.

ولعل محاولة التخلص من هذا الجرب الذي ألم بالكلب بإبعاده عن المكان هو بعد مجازي لإبعاد الفساد المستشري عن المجتمع، ولعل كل المحاولات التي استثارها الكاتب في كتابته تشي بذلك ففي المرة الأولى حاول أن يضع الكمامة على فم الكلب ويربطه بحبل ثم يأخذه إلى مكان بعيد لكن محاولته فشلت، كان الكلب واعيا لما يحدث، كان يقاوم بكل قوته، في المرة الثانية اتفق مع مسعود أحد أصحاب عربات الخضار في أن يأخذه ويتركه في مكان بعيد، ربط مسعود الكلب في العربة وأثناء سيره بها كان الكلب يتشبث بالأرض والحبل يكاد يخنقه، أحس الراوي بحالة خاصة من التوحد وعاطفة ما فتئت أن سببت له تأزمات نفسية.

وينجح الراوي أخيرا في التخلص من الكلب، ولكنه يفاجئ برجوعه مرة أخرى في نهاية النص بعد أن منح نفسه فسحة من الوقت جال فيها في أنحاء المدينة يعيش الحياة بكل صخبها ومرحها.

ولا شك أن حدود العلاقة بين الإنسان والحيوان الأليف في صورتها المرضية هي المحددة لتجربة الإنسان في هذا المنحى خاصة في معايشة الواقع داخل الأسرة وخارجها وفي محيط الأصدقاء ومع الحيوانات الأليفة مثل القطط والكلاب وغيرها, ربما كان الترميز للواقع هو ما جعل العلاقة الناشئة بين الراوي والكلب علاقة توحد يفهم كل منهما الآخر، ويحاول كل منهما أن يعطي الآخر أبعاد العلاقة السوية.

الفكرة في حد ذاتها فكرة على مستوى ناضج تماما وهي تمنح نفسها في جزئيات الحدث المسرود بفعلها وجزئياتها والمعنى الشامل والمجازي الممنوح لها في مفاتيحه وشيفراته الخاصة، ولكن العمل الأول الحامل لهذه التيمة يحتاج إلى جهد ومثابرة حتى يخرج العمل الروائي في أدق صورة وأجمل نسق وأرفع صيغة.

وعلى الرغم من أن الكاتب قد استخدم اللهجة العامية في الحوار الناشئ في النص إلا أننا لم نشعر بأي خلل في السياق العام والنسق الخاص بالسرد مما يؤكد أن الكاتب قد أعطى كل ما عنده في أقصى تماما خلال هذا النص.

وعلى الرغم من ذلك فإن العمل الروائي الأول عند الكاتب لا محالة له هناته شاء أم لم يشأ وتلك سنة الكتابة الأولى في بواكيرها الأولية وبداياتها، وعلى الرغم من أن يحيى فضل سليم قد مارس هذا النص الروائي بهذه الجرأة محاولا فك الاشتباك بين القصة القصيرة وفعل الرواية الذي مارسه في هذا النص، إلا أنه قد أفاد كثيرا من فن القصة بدليل أنه قد منح عمله الروائي الأول شكل النوفيلا أي القصة الطويلة، والشكلان: القصة القصيرة والنوفيلا قد أفادتا من الجدل الشكلاني الذي خاضته القصة القصيرة طول قرن مضى.

وقد كان نص "ذهاب عودة" للكاتب يحيى فضل سليم محاولة لكتابة روائية ناجحة حاول فيها أن يكون العمل على المستوى العام متوائما مع جماليات السرد الروائي بصورته المألوفة، وأنا على ثقة وكلي قناعة بأن المحاولة الأولى طالما بذل فيها هذا الجهد وهذه الرؤية فإن الثانية ستكون متوائمة مع جماليات السرد وعلى ذائقة المتلقي بكل المعايير والتطابق.

* من أبحاث مؤتمر "إبداعات الشباب السكندري" دورة الأديب الراحل خالد السروجي، مؤتمر اليوم الواحد لفرع ثقافة الإسكندرية 2016.