الفلوجة لم تتحرر بعد!

على عكس ما تشيعهُ وسائل الإعلام الحكومية، وتلك القريبة من مشروعها السياسي، بأن معركة تحرير الفلوجة قد شارفت على نهايتها، بإندحار قوات تنظيم الدولة (داعش)، فأن المعركة لم تنته بعد، على الأقل فيما يتعلق بمعالجة أسباب اندلاعها، لضمان عدم تكرار هذه المعركة لاحقاً.

قد يبدو أن ما قامت بهِ قوات الجيش العراقي ومن معها من المتطوعين وابناء عشائر الانبار، امر يستحق الثناء، نظراً لشراسة المواجهة مع عناصر التنظيم الارهابي، وحجم ما اعدهُ تنظيم الدولة (داعش) لهذه المعركة من استعدادات عسكرية وميدانية كبيرة. ولا بد من الاشارة هنا الى ان ثمة نقلة نوعية يمكن ان يسجلها العسكريون في اداء القوات المسلحة العراقية في المواجهة المباشرة، وسرعة الحسم والمباغتة، والتقليل من الاخطاء التي ترافق مثل هذهِ العمليات الواسعة، فأن هذا الثناء والإعجاب يجب ان يبقى في اطاره العسكري وحسب، ويجب ان ُيلتفت الى إن نجاح المقاربة العسكرية، مؤشر جيد لنجاح استراتيجية بناء القوات المسلحة التي تفككت في 2014 بسبب الفشل والإرهاق واستشراء الفساد في صفوفها، والتداخل الواضح انذاك بين ما هو سياسي وما هو عسكري بحت، بمعنى قيام حكومة المالكي بتوريط المؤسسة العسكرية بالعمل السياسي مما جعلها تفقد قدرتها بل ورأسمالها الرمزي كقوة وطنية جامعة، تدافع عن الجميع بذات القدر والمستوى.

بل إن خطيئة حكومة المالكي الكبرى هي تسييس ملف القوات المسلحة، مما افقد تحركها لضبط الشارع انذاك زخمه بل ومشروعيته، كونه (الجيش) ظهر بمظهر المدافع عن سلطة الفرد، في سيناريو مشابه لما واجهه الجيش العراقي بعد احتلاله للكويت عام 1991، حين اصر صدام على توريط الجيش في معركة كان يمكن للمقاربة السياسية ان تجنبه اياها بلا خسائر موجعة كالتي تلقاها انذاك، وقادت لإنهياره المخزي حينها.

ما حدث في الفلوجة على مدى الأسابيع الماضية من فعل عسكري، امر جيد، ويمنح العراقيين الثقة، بقدرة قواتهم المسلحة على المواجهة، وخوض معارك صعبة ومعقدة كالتي جرت وتجري الأن، بل ان النصر العسكري سيكون دافعاً اضافياً للقوات المسلحة من اجل تبني عقيدة قتالية تقوم على اساس حماية الارض وحفظ الإنسان العراقي، وهي عقيدة ان نجحت الحكومة العراقية الحالية بتأكيدها، وابعاد من يحاول شرخها بتصرفات طائفية، سيكون هذا التأكيد هو الانتصار الأهم من استعادة بلدة كالفلوجة مع اهميتها الاستراتيجية، من النواحي العسكرية والاجتماعية وغيرها.

مع احتفائنا الأكيد بهذا النصر، ينبغي التأكيد ان هذا لا يكفي، وإن ما حققهُ المقاتلون على الأرض بحاجة ماسة لتأكيده والحفاظ عليه عبر تبني مقاربة سياسية، تأخذ بالحسبان المجتمع المحلي السني الذي جرت على ارضه هذه المعركة، ومعالجة السياسات السابقة التي قادت لهذا التمرد، واندكاك بعض ابناء ذلك المجتمع، في مشروع يعرفون هم قبل غيرهم انهُ مشروع غير قابل للحياة، لا لقدرة الحكومة على هزيمته فحسب، بل لرفض العالم اجمع ان تنمو دويلة اقصائية اجرامية في بقعة مهمة كالعراق.

ما دفع المجتمعات السنية في العراق لتبني خيارات انتحارية بوجه تغيير 2003، لا يزال بعضه قائماً للأسف، ولم تجرِ عملية مكاشفة حقيقية لمعالجتهِ واستئصاله للأبد، ومع اعترافنا بأن بعض اسباب التمرد السني تعود لأيادٍ خارجية، فأننا لا ينبغي ان ننسى بأي حال ان الحاضنة السنية للإرهاب في العراق كانت في جزئها الكبير هي، ردات فعل تجاه ما تتصوره تهميشاً واستئثاراً بالسلطة من الشيعة والأكراد.

المطلوب تبنيه الآن وعلى عجالة هو مصالحة مجتمعية مع الشارع السني، وتفكيك الاحلاف السياسية (الشيعية الكردية)، ومن ثم اعادة ادماج ابناء المحافظات المستعادة من داعش في الفضاء الوطني، عبر استيعاب هذا الشارع في منظومة الحكم، وتوزيع منصف للمال والنفوذ، حين ذاك يمكننا ان نكافئ قواتنا المسلحة الباسلة بتجنيبها معارك أخرى في الفلوجة او أي فلوجة أخرى قد يقود الفشل السياسي لظهورها كبؤرة لإرهاب عولمي يعتاش على ازمات داخلية.