الشاعر الذي أحال الموت الى مُعرفات جمالية

نسق من التحولات

يمتلك وجدان جواد الحطاب تجاه بدرية نعمة بطاقة فهرسة تؤمن له جوانب الإتصال بالراقدة في ربيئة وادي السلام، وقد منحه الغيب الرقم الكوني والذي بموجبه يعيد من خلاله مراحل خلقه من أزمنة وأمكنة ومشاعر ووقائع وأدعية وخوف أمومي بعلاقات سيمانطيقية وضرب من الأنساق ضمن العمليات الإجرائية التي تتكون من الوحدات ذات الصلة بوحدات أخرى لتكوين مجموعة من الحزم.

وهذه الحزم هي مجموعة الهموم الذاتية التي تركتها بدرية نعمة الى مركز الإستقطاب والذي يسمى جواد الحطاب، وقد ساهم الخيال الشعري - والذي هو قوة الإنتاج النفسي وتواصله مع الذاكرة كما يرى غاستون بشلار - في تلاقي الذاتي والموضوعي العام في تكوين الصورة الشعرية، التي تأتي خارج التفكير بتصويرها في سلوكها وخاصيتها وطبيعة تكوينها عبر قنوات الإنتاج الإنفعالي سواء كان الجمال صفة كائنة في الأشياء أو خبرة شعورية مدامة لدى الشاعر.

وهو ما أشار اليه ريشاردز في تقسيم وظائف اللغة ضمن معطى اللغة الرمزية واللغة الإنفعالية، والتي استخدمها الحطاب ووظف منها خاصية الأغراض والمشاعر إضافة الى تخصص كل عنصر من عناصر كلمات الموت بأبنيته الصوتية ولواحقه التي شكلت لها امتدادات في العقل الباطن.

في البناء الشعري يعي الحطاب أن لا بد من تحطيم الواقع وتسمياته وقوانينه وأفتراضاته بل يعي كذلك كلما ازداد هذا التحطيم إيغالا إزداد الإيغال في تلمس الأبعاد الماورائية كنتيجة لعدم قبول أو على الأقل عدم الرِّضا من تعقيدات الموت ومرارة نكهته التي أحالها الحطاب الى مُعرفات جمالية.

معرفات جمالية في (شيلتها - في زيارتها المجهولة - في لحاء الطين والقرنفل والقصب – في الناموس- في الختم الإسطواني- في نهر الكحلاء وهجرة الوز - وفي نومك مريب يا بدرية نعمة ...).

لاشك أن هناك نسقا من التحولات وخاصة في كل دالة معمارية بتوفر نظام الأنساق الذي يؤمن المجال الشرطي الذي أتى منه الحطاب وهو مملوك أصلا لزمن ممتلئ وعميق ومتواصل والإستدلال على هذا الزمن وقياسه أن هناك وجود استمرارية وتواصل جوهري في وجود أحدهما عبر الآخر في معطيات حسية أو في تجربة أو الأهم مستودع ثوابتهما من الحياة وبذلك فإن الصدى الفلسفي له حضوره في الإنتقالات الرمزية العديدة التي أودعها الحطاب نصوصه وأحاطت هذه النصوص (بالقدسية – الثواب – الشفاعة – النور – والرضا - وأنهار العسل – وبالمُلقن ..) وكل المتاح من أي إنتقالة تأتي شبيهة بالهذيان أو شبيهة بقداس بكائي.

فــ بدرية نعمة، هي الفعل الجاذب وبؤرة العمل الشعري وهي القدرة الإبداعية التي كانت كحافز لوجود منتج يؤشر أهميته لتجاوزه المعنى الرثائي المعروف وساح في عالم الكلمة الملاك والجملة الإلهية بين قناديل قبر تضيء ربيئة وادي السلام.