مشروع الفيدرالية اليمنية بين الواقع والخيال

المجتمع اليمني مجتمع تقليدي قبلي مُحافظ، وبالتالي أي طرف قوي يمكن أنّ يستخدم لغة القوة في فرض أجندته على الآخرين كما حصل مؤخراً في عام 2014-2015. بعد الوحدة اليمنية، ظهرت جماعات مؤدلجة وحركات عنف مسلحة وكل جماعة كانت ترى أنّ لها الأحقية في الحكم وتصدر فتاوي تشرعن لأتباعها القيام بأي عمل تراه يخدم سياساتها وتوجهاتها. ولذلك، وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.

كلنا يعلم أنّ الفيدرالية نجحت في المجتمعات المتحضرة كأميركا وغيرها من الدول الغربية. وفي المقابل، هناك بعض الدول العربية كدولة الإمارات نجحت في تثبيت نظام الفيدرالية. أيضاً، الهند نجحت في ترسيخ نظام الولايات وهي الآن جمهورية إتحادية. الهند التي تاتي في المرتبة الثانية بعد الصين من حيث تعداد السكان وتشكل 17% من سكان العالم وتضم طوائف وديانات مختلفة نجحت في بناء دولة مدنية ورسخت نظام الولايات والحكم الذاتي، ولا يوجد حروب ومشاكل عرقية وطائفية في المجتمع الهندي. لكن، هل الجمهورية اليمنية مؤهلة لتكون دولة ذات أقاليم متعددة أو إقليمين شمالي وجنوبي؟

أولا، مشروع الفيدرالية في الجمهورية اليمنية الذي طرح في مؤتمر الحوار الوطني في عام 2014 لم يُبنَ على أسس علمية وبحثية سليمة، وإنما طُرحت خطة الفيدرالية في مؤتمر الحوار الوطني في فندق الموفنبيك بالعاصمة اليمنية صنعاء من أجل إسكات صوت الجنوبيين المطالبين بالإنفصال. ثانياً، كان إتخاذ نظام الفيدرالية في مؤتمر الموفنبيك على عجل ووضعت خطة الفيدرالية بطريقة إرتجالية وكان أغلب المتحاورين في مؤتمر الموفنبيك من الشخصيات السياسية والقبلية والعسكرية والدينية وهم من وضع خطة الفيدرالية وقسموا الجمهورية اليمنية إلى ستة أقاليم وإن كانوا أستعانوا ببعض الخبراء من بعض الدول الغربية والأسيوية. لكن، تلك الإستعانة، لم تفِ بالغرض.

ثالثا، اليمن بحاجة إلى نظام مؤسسي قوي أولا وقبل كل شي، كي يفرض سلطته وسيطرته على الأرض، ومن ثم يستطيع فرض الأقاليم من أجل أنّ ينعم الشعب بخيرات أرضه وليس تحويل مشروع الفيدرالية إلى ميدان للصراع من أجل النفوذ والسيطرة.

المهم بعد إنتهاء مؤتمر الحوار الوطني في عام2014، تم وضع التقسيم الفيدرالي الجديد في الدستور اليمني الذي أعد بِموجب مخرجات الحوار الوطني، والذي كان يهدف إلى تقسيم اليمن إدارياً إلى ستة أقاليم، ولكل أقليم حكومة وبرلمان، حيث كان من المفترض أن يتمتع كل إقليم بحكومة وبرلمان مصغر خاص به لإدارة شؤونه، بحيث تتولى الحكومة الإتحادية إدارة الشؤون الخارجية والدفاع. الا أنّ إنقلاب الحوثي وصالح على الشرعية اليمنية حال دون تحقيق ذلك.

هذه الأقاليم كانت كالتالي: إقليم آزال، عدن، تهامة، سباء، الجند وحضرموت. في الحقيقة التقسيم الجغرافي لم يكن مبنيا على أسس علمية وإنما على أسس طائفية وقبلية ومناطقية من حيث المبدأ. على سبيل المثال، إقليم آزال والذي يضم محافظات عمران وصعدة وصنعاء وذمار، كان محسوما أنّه ذو خلفية زيدية وقبلية تقليدية ولذلك سيتخلص صناع القرار من أبناء هذه المناطق من خلال إذكاء الصراع بين الطبقة التقليدية أي القبائل والهاشميين، مما أثار حنق الحوثيين وصالح وجعلهم ينقلبوا على مخرجات الحوار الوطني. وكان أقليم سبأ محسوما لقبائل المناطق الشرقية ذات الثروة النفطية. بينما، إقليم عدن كان محسوما لقبائل يافع وأبين ولحج والضالع.

لكن لا ننسى أنّ الأقاليم الأخرى ستكون ضحية لأقليم عدن وإقليم آزال ومن يقول غير ذلك فهو ينكر الحقائق. نوضح أكثر: إقليم تهامة والجند سيكون لقمة سائغة لأقليم آزال وأقليم حضرموت سيكون فريسة لقبائل لحج والضالع وأبين أي أصحاب إقليم عدن. وهكذا سنظل في صراع ولن نخرج من دوامة العنف لإن التقسيم لم يُبنَ على أسس صحيحة. على سبيل المثال أبناء ازال لا يملكون ميناء ولا ثروة نفطية وبالتالي سيكونوا مجبرين على إستخدام القوة من أجل السيطرة على اقليم تهامة. وأصحاب يافع والضالع ولحج وأبين بلادهم قاحلة وجبلية وتاريخها مليئ بالصراعات المسلحة وبالتالي سيجدون أنفسهم مجبرين للسيطرة على إقليم حضرموت الذي يتمتع بخط ساحلي على بحر العرب وأيضا بثروة معدنية وسمكية ونفطية.

نحن بحاجة إلى نظام فيدرالي مبني على أسس علمية حقيقية وليس مبنيا على قرارات إرتجالية. الفيدرالية سيفهمها بعض القبائل خاصة في إقليم ازال وعدن وسباء بأنّ كل واحد بلاده له ولا يحق لأبناء المناطق الأخرى الحصول على وظائف وما شابه ذلك حتى وإن كان لديهم خبرات ومؤهلات. وفي المقابل أصحاب الحركات المؤدلجة سيفهمون أنّ إقليم آزال روافض شيعة وإقليم الجند شوافع وبعض أجزاء إقليم حضرموت وتهامة صوفية وإقليم عدن سلفي. ومن هنا ستتقسم البلاد إلى دويلات ومناطق متناحرة.

نقولها وبدون تلعثم، نعم لقيام دولة يمنية مركزية قوية ذات حكم محلي ذاتي. لا لنظام الفيدرالية الذي يقسم اليمن إلى دويلات ذات بعد طائفي ومناطقي وقبلي. وإذا وجدت دولة يمنية مركزية قوية بعد ذلك، لسنا ضد الفيدرالية المبنية على أسس سليمة.