مفاعلنا النووي العراقي وتعويضاتهم!

ذكرت صحيفة يسرائيل هايوم الاسرائيلية مؤخرا، ان اسرائيل ستحيي ذكرى ضرب المفاعل النووي العراقي في العام 1981. فهل كانت اسرائيل معتدية على العراق، حين اقدمت على خطوتها تلك، ام انها قامت بما تمليه عليها مصالحها العليا؟ اعتقد ان هذا السؤال، يستدعي اجابة شاملة لا تسعها هذه السطور، وهي في كل الاحوال، ما زالت قيد الجدل الثقافي والسياسي، ليس في العراق والبلاد العربية وحدها وانما على مستوى العالم، لاسيما مؤسسات القرار السياسي والدبلوماسي، التي ماانفكت تتعثر في رحلتها الطويلة وهي تبحث عن الاجابة الناجعة لهذه المسالة الشائكة.

في 29-11-1947 صدر قرار الجمعية العامة للامم المتحدة ذي الرقم 181 والذي نص على تقسيم فلسطين، وقد ذكر وزير الدفاع الاميركي وقتذاك جيمس فورستال، في مذكراته، بان الطرق المستخدمة للضغط ولإكراه الأمم الأخرى في نطاق الأمم المتحدة من اجل تمرير هذا المشروع كانت فضيحة! لكن المشروع اقر، واصبح العرب امام حقيقة جديدة، تتمثل بدولة قادمة اسمها اسرائيل، وستندلع الحرب الاولى بينهم وبينها في العام 1948 بعد اعلانها من قبل بن غوريون الذي قامت عصاباته بتهجير العرب وارتكاب الفظائع بحق المدنيين، بغية اخلائها لاستقدام اليهود من الشتات واسكانهم محلهم. وهذا ما حصل فعلا ليثمر هذا الزرع المر حربا اخرى في العام 1967 ويتعمق الجرح ويتعمق معه الخلاف والعداء، بالرغم من ان اليهود في البلاد العربية قبل ان يهجّروا في خطة اتت في هذا السياق، كانوا يعيشون بين اخوانهم من المسلمين والاديان الاخرى بامان وسلام، ويتفاعلون في اطار الدول التي هم فيها بصفتهم مواطنين اصلاء.

اذن، فالمدخلات الكبرى للصراع كانت اكبر من ان ينظر اليها في سياق اجرائي، تفصيلي وانما في اطار النظرة الشاملة للمشكلة التي تحولت الى صراع وجود ينذر بالاسوأ القادم، وستكون له تبعات استراتيجية وضعت العرب كلهم في عين العاصفة الدولية التي جاءت محمولة على اذرع التقنية الحديثة الهائلة، التي طبعت صورة القرن العشرين، وصبغت الارض فيه ايضا بالدماء ومنها ارض العرب وتحديدا البقعة التي كانت لوقت قريب تسمى كلها بفلسطين قبل تقسيمها.

لم يتوقف العالم امام الفظائع التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في ما اسموه بـ"حرب الاستقلال" في العام 1948 لانها في سياق صراع لم يعترف به أي من الطرفين برؤية الاخر، ولم يتم تعويض النازحين الفلسطينيين في ذلك العام ولا في حرب العام 1967 ولم يتوقف العالم عند مباغتة العرب لإسرائيل في حرب العام 1973 وما حصل لها من خسائر اثناءها، والسبب هو ان العرب كلهم (دول الجامعة العربية) والملتزمين بميثاقها، يعدّون اسرائيل كيانا غاصبا ومعتديا، ويصفونها بـ"العدو" وانهم في حالة حرب معها، من الممكن ان تندلع في اية لحظة، ومن هنا فان اسرائيل ترى في ايقاف تقدم أي دولة عربية او سعيها الى التفوق العسكري والتقني في أي مجال، مسالة مبدا وعقيدة سياسية انتهجتها ومازالت تنتهجها.

في العام 1981 اقدمت اسرائيل على توجيه ضربتها القاتلة للمفاعل النووي العراقي (مفاعل تموز) بعد ان كانت قد وجهت ضربة لمعداته في السبعينيات وهي في البحر المتوسط في طريقها الى العراق، وقد عوضتها فرنسا الدولة الراعية لهذا المشروع الاستراتيجي، وكاد المفاعل الاخير ينضج لولا انها عاجلته بضربتها تلك والتي نظرت اليها الدول الكبرى المتنفذة في مجلس الامن على انها في سياق الحرب المستمرة بين العرب واسرائيل، ولم يعوّض العراق بسنت واحد مقابل المليارات التي احرقتها طائرات الـ اف 16 واف 15 التي نفذت ضربتها يوم الجمعة 7 حزيران 1981 وحطمت حلم العراقيين بامتلاك ناصية التقنية النووية، التي كانت في حينه مخصصة للاغراض السلمية.

كان العراق المنهمك بحرب الثمانينيات قد اعلن حقه في الرد، لكنه لم يمتلك الامكانية اللازمة قبل العام 1991 حيث واجه في ذلك العام حلفا دوليا، لم تكن اسرائيل بعيدة عنه ابدا، بل انها اعلنت صراحة، ان العراق يجب ان يضرب سواء انسحب من الكويت او لم ينسحب، وهي محقة في ذلك! وكان لا بد والامر هكذا ان تكون طرفا في تلك الحرب مع انها من حيث المبدأ في حالة حرب معه ومع جميع الدول العربية. وقعت الحرب وضرب العراق اسرائيل بالصواريخ في القصة المعروفة، لكن الذي تفاجأ به العراقيون والمنصفون في العالم، ان اسرائيل كانت ضمن قائمة الدول المشمولة بالتعويضات، بعد الحرب، ووصل الامر حد تعويض الذين اصيبوا فقط بالهلع من الصواريخ العراقية! وهكذا دفع العراقيون الثمن الباهظ مرتين، مرة في تدمير مفاعلهم الذي بنوه باموالهم وليس باموال هذا النظام السياسي او ذاك، ومرة اخرى بدفعهم تعويضات خرافية عن ردهم على عدوان وقع عليهم قبل نحو عشر سنوات ولم تقف الدول الكبرى معهم ولو بكلمة انصاف واحدة.

نعم، هم يرون ان دماءهم دماء ودماءنا ماء، واموالنا وثرواتنا ملكا لهم طالما انهم قادرون على الوصول اليها، نهبا او تدميرا، في غياب العدالة الدولية وغلبة الاقوى.

الدبلوماسية العراقية مطالبة الان بفتح هذا الملف من اجل تعويض العراق ماديا ومعنويا عن مفاعله النووي، الذي كان احد اسباب ما مر به من ويلات لعقود مضت!