أحمد سويلم يؤكد أن ألف ليلة وليلة هي ثمرة لالتقاء الأدبين الرسمي والشعبي

مدن لا تنام بالرغم من أن عدد سكانها قليل

في كتابه "استلهامات ألف ليلة وليلة في الشرق والغرب"، يعرض المؤلف الشاعر أحمد سويلم لما يصفه بـ "ألف ليلة وليلة وعالمها العجيب"، ويحاول أن يجيب عن السؤال التالي: لماذا حظيت ألف ليلة وليلة باهتمام المبدعين والفنانين والقراء في الشرق والغرب عن أي أثر شعبي آخر؟

يقول المؤلف: إنه للإجابة عن هذا السؤال علينا أن ندخل إلى هذا العالم للتعرف عليه، باعتباره عالما ثريا وعجيبا يحمل الخيال والسحر والتشويق والرمز، وكل ما يساعد المبدع على أن يدخل إلى هذا العالم الغريب.

ويؤكد المؤلف على أن ألف ليلة وليلة هي ثمرة لالتقاء الأدبين الرسمي والشعبي، كما يعتبر المؤلف أن ألف ليلة وليلة هي في نفس الوقت ثمرة التقاء اللغة العربية الفصحى باللغة العامية، وفي هذا الصدد، يشير المؤلف إلى أن الباحثين استندوا إلى هذه الحقيقة من خلال أدلة نصية تؤكد انتماءها إلى لغة القرن السادس عشر في مصر، والتي تتشابه مع مؤلفات ذلك الزمان مثل بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس، ومثل كتاب الشيخ أحمد الرمال بن زنبل الذي يحكي فيه واقعة السلطان الغوري مع سليم العثماني وصدر ذلك بعنوان: "آخر المماليك".

ويعتبر المؤلف أن ما حققته ألف ليلة وليلة من شهرة يعود بالدرجة الأولى إلى أن هذا الكتاب بالرغم مما لحق به من اضطهاد وتشويه، لكنه عالج بكل مهارة أقدم موضوع شغل الأدب الشفهي منذ أن أبدعت البشرية أدبا، وهو ما يتعلق بعلاقة الرجل والمرأة.

• الغواية والخداع

ويشير المؤلف في نفس الصدد إلى أن ألف ليلة وليلة يعالج موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة من خلال معالجة تغلب عليها الأسطورة، حيث يتناول ألف ليلة وليلة قصصا قائمة على أساطير الإغواء والإغراء والخداع والخيانة والغيرة والانتقام، وهي قصص لا تكاد تخلو منها صفحة من صفحات ألف ليلة وليلة.

وحيث تتضمن قصص ألف ليلة وليلة قصة لامرأة تعشق دبا، وقصة أخرى لبنت ملك تعشق عبدا أسود، وحيث تحفل قصص ألف ليلة وليلة بالكثير من هذه القصص التي تظهر ما يحفل به الجنس البشري من غرائز.

كما تجمع قصص ألف ليلة وليلة لصور مختلفة من النساء اللائي يعبرن عن طبقات مختلفة وعن بيئات مختلفة، ففي قصص ألف ليلة وليلة تظهر نساء ينتمين بالأساس إلى حياة الطبقة الوسطى، وهن نساء يندمجن مع المجتمع ويشاركن فيه بل ويمارسن الغواية في كثير من الأحيان، وبهذا فإن نساء ألف ليلة وليلة لسن مثل النساء اللائي ورد ذكرهن في كتب علماء الدين وكتب الفقه الإسلامي، وهن النساء المحجوبات عن الأعين والقابعات في المنازل.

وعلى مستوى المكان أيضا، تظهر مدن ألف ليلة وليلة بأنها مدن لا تنام بالرغم من أن عدد سكانها قليل، ولكن مع ذلك تربط بين سكان مدن ألف ليلة وليلة ألفة ومؤاخاة، ويعرف كل فرد فيهم الآخر، كما تمتاز مدن ألف ليلة وليلة بالأسوار العالية التي تغلق بوابتها عند غروب الشمس، هذا ما كان يشجع ملوك وسلاطين هذه المدن على أن يتفقدوا أحوال الناس ليلا فيخرجون متنكرين في أزياء مختلفة ويختلطون بالعامة.

• شحاذون وأمراء

وتظهر في مدن ألف ليلة وليلة الحمامات التي تمثل مظاهر الترف والبذخ، والموانئ التي تزدحم بالتجار، كما تظهر في قصص ألف ليلة وليلة شخصيات تتباين أوضاعها الاجتماعية، فيظهر من بينهم الصعاليك والشحاذون والأمراء وبنات الملوك والجواري والعبيد واللصوص وقطاع الطرق، بالإضافة للسحر والخوارق والكنوز.

ويشير المؤلف بشكل خاص إلى ما يعتبره تأثر الأدب الغربي والأدباء الغرب بألف ليلة وليلة، وحتى من قبل ظهور سلسلة هاري بوتر، فقد ظهر في كثير من كتابات الأدباء الغربيين تأثرا واضحا بقصص ألف ليلة وليلة، وحيث تعتبر ألف ليلة وليلة من أكثر الآداب الشرقية التي أثرت في الأدب الغربي والأدباء الغربيين، وظهر لها تأثير متعدد في الآداب والثقافة الغربية، مع الأخذ في الاعتبار أن ألف ليلة وليلة تعتبر من أكثر النصوص السردية التي عبرت عن ثقافة المجتمع الشرقي بشكل كبير، بالنظر إلى أن هذا الكتاب جمع بين الزمان والمكان والأسطورة والسحر والأفعال الخارقة للعادة والشعر والرقص والغناء، وغيرها من سمات المجتمع الشرقي والعربي الذي كان يسحر لب الغربيين، بل وتركت هذه الملامح تأثيرها بوضوح في قصص غربية شهيرة مثل رحلات جلفر ورحلات روبنسون كروز.

ومن أبرز كتاب الغرب الذين تأثروا بألف ليلة وليلة، أشار مؤلف الكتاب إلى الأديب الإنجليزي ليسنج الذي ألف مسرحية علاء الدين، والكاتب الفرنسي بيورمارشا الذي ألف قصة حلاق إشبيلية، والكاتب د. اتش ويلز، الذي استلهم طائر الرخ في إحدى قصصه.

إن الكتاب الغربيين تلقفوا ألف ليلة وليلة وغيرها من صور الأدب الشرقي من خلال ثلاث جهات، الأولى من خلال القوافل التجارية التي كانت تتحرك بين آسيا وأوروبا، وهي القوافل التي وصلت من خلالها أخبار البلدان الإسلامية وآدابها إلى بلاد شمال أوروبا، والجهة الثانية التي تأثرت من خلالها البلدان الغربية بالآداب الشرقية، ومنها ألف ليلة وليلة هي جهة الموطن، حيث احتل الصليبيون مدنا عربية في الشرق وعاشوا فيها وتأثروا بها، والجهة الثالثة هي ما تبقى من آثار وآداب عربية في الأندلس وصقلية، وبلاد أوروبية أخرى انتشر فيها المسلمون وعاشت فيها جاليات عربية، أو باقي الجاليات الإسلامية التي عاشت في المجتمعات الغربية، وتأثرت بها وأثرت فيها ونقلت لها ثقافتها.

يذكر أن كتاب "استلهامات ألف ليلة وليلة في الشرق والغرب" تأليف الشاعر أحمد سويلم، صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة ويقع في نحو135 صفحة من القطع المتوسط.