القتل باسم الدين.. الجرائم المقدسة

ماذا عن العوامل الأخرى؟

كما هي العادة في السنوات الأخيرة، تجدد النقاش حول علاقة الإسلام بالعنف بعد حادثة الهجوم المسلح الفردي على النادي الليلي في «أورلاندو» واغتيال شرطي وقرينته في باريس. النقاش هذه المرة تجاوز الحقل الإعلامي إلى ميدان الاصطفاف السياسي، ببروز أصوات عالية من الطبقة السياسية (من دونالد ترامب إلى ساركوزي في فرنسا) لم تتردد في مطالبة المسلمين بمراجعة دينهم ونصوصهم المقدسة للتخلص من «التصورات العنيفة العدوانية» التي حركت بعض أفراد الجاليات المسلمة من الإرهابيين المتطرفين. هناك من طالب المسلمين باعتماد نفس المسلك الذي مرت به المسيحية الغربية من إصلاح ديني وتنوير وعلمنة حديثة، للتخلص من النزوع «الوثوقي» الذي هو أصل المواقف العنيفة الراديكالية.

وفي هذه الأجواء المشحونة نادراً ما يتم التذكير بأن المعتدي في الحالتين مواطن محلي وليس «الغازي المسلم» حسب الصورة السائدة، كما يتم إغفال المسار الشخصي للمجرم الذي هو في الحالتين أيضاً من خريجي السجون وأصحاب السوابق وبدون ثقافة دينية حقيقية. صحيح أن التنظيمات المتطرفة مثل «القاعدة» و«داعش»، تحرص على استمالة مثل هؤلاء الأفراد الذين ينتقلون من منطق الجريمة العدمية المبتذلة إلى منطق الجريمة «المقدسة» ذات الغطاء الديني، لكن التحليل الاجتماعي يثبت أن هذه النقلة هي مجرد عملية تصعيد رمزي لا تغير شيئاً من معطيات الظاهرة ودوافعها. ومن هنا خطورة الموقف السياسي الذي عبر عنه بعض القادة السياسيين الغربيين (مثل رئيس وزراء فرنسا مانويل فالس) في رفض تفسير أسباب الإرهاب الإجرامي بذريعة أن كل تفسير يحتوي شحنة تبرير مدان، في الوقت الذي لا يترددون في ربطه مباشرة بمرجعية الانتماء الديني للمتطرف الإرهابي.

ما نريد بيانه هو أن الأحداث الفظيعة التي عرفتها مؤخراً الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما من البلدان الغربية ليست أحداثاً معزولة ولا يمكن فصلها عن سياق عالمي أوسع يشكل العالم الإسلامي بأزماته الحادة العميقة محدداً أساسياً من محدداته لكنه محدد غير منفصل عن باقي مكونات الساحة العالمية المترابطة.

فإذا كان من البديهي أن موجة الإرهاب الراديكالي الحالية وثيقة الصِّلة بالحروب والفتن الأهلية التي عرفتها المنطقة، فمن الصعب إزاحة جانب من مسؤوليتها عن الدول الكبرى التي حولت منطقة الشرق الأوسط بدلالتها الواسعة إلى حقل اختبار لأنماط ارتجالية من الهندسة السياسية والاجتماعية بأدوات التدخل العسكري، بينما أخفقت في إدارة ما عرفته هذه البلدان من مسارات انتقالية متأزمة أفضت في بعض الحالات (العراق، سوريا، ليبيا) إلى مستوى حروب التفكك والتطهير العرقي والإبادة الجماعية.

ومع الوعي بإخفاق خيار حروب تصدير الديموقراطية إلى الشرق الأوسط التي تبناها «المحافظون الجدد» في الولايات المتحدة أيام «بوش الابن» وفشل خيار دعم «ثورات الربيع العربي» في عهد الرئيس الحالي أوباما، برز اتجاه واسع في البلدان الغربية الرئيسية إلى نمط جديد من الانعزالية الاستراتيجية يقوم على مبادئ أربعة: النأي عن التدخل العسكري المباشر في أزمات المنطقة، كبح حركيّة اللجوء والهجرة من مناطق النزاعات المسلحة، وضع قيود صارمة لحماية الأمن الداخلي تصل حد تغليب مقتضيات الأمن على مقتضيات الحرية، الاعتماد إقليمياً على نموذج الدولة التسلطية لضمان المسافة العازلة عن مناطق الاحتقان.

الثغرة الكبرى في هذه الاستراتيجية هي عدم الانتباه إلى الارتباط القوي بين أزمات الشرق العربي والأزمات الاجتماعية الحادة في منطقة الجوار الأوربي على الضفة الغربية من المتوسط، بما يفسر أن جانباً كبيراً من جوانب الإرهاب الراديكالي له أسبابه الداخلية في أوروبا وليس مجرد تصدير خارجي (ثلث مقاتلي «داعش» من الأوروبيين الأصليين الذين وإن اعتنقوا الإسلام إلا أن صلتهم بالدِّين محدودة ثقافياً وسلوكياً).

لقد بين الباحث الاجتماعي الفرنسي «فرهاد خوسروخافار» في دراسة جديدة مهمة أن موجة العنف الراديكالي الأخيرة لا يمكن فهمها إلا بإدراك التناغم القائم بين العنف الأصولي واتجاهات التطرّف المتنامية في أوساط الشباب الأوروبي الباحث عن مغامرات عدمية تصنع له المستقبل «الضائع» ولو في جحيم الإرهاب الأعمى.

عبد الله ولد أباه

كاتب وأكاديمي موريتاني