هزيمة داعش في الفلوجة، بدايته أم نهايته؟

قلنا ان معركة الفلوجة ستكون معركة تاريخية بمعنى الكلمة، واستندنا بهذا على جملة معطيات استراتيجية عسكرية، تحاول اميركا ان تنفذها في العراق، للوصول الى اهدافها الكبرى، في مواجهة الارهاب بكل اشكاله وانواعه، والذي اصبح يشكل تهديدا مباشرا، للامن القومي الاميركي والعالمي. وحادثة اورلاندو مثالا على ذلك، والتي تتحمل ادارات اميركا المتعاقبة صنعه ودعمه، حتى تمرد عليه.

داعش احد هذه التنظيمات التي صنعتها اميركا وايران، لانجاح مشروعهما الاستراتيجي في المنطقة، وتطبيق شعار الفوضى الخلاقة. فداعش والميليشيات، هما احد وجوه هذه الفوضى إن لم نقل انهما الوجه الابشع لها. وهكذا نفخت اميركا بادارة اوباما داعش والميليشيات، حتى اصبحتا عبئا ثقيلا عليها، في مراحل لاحقة، وخاصة في العراق، ناهيك عن تواجدهما في لبنان واليمن وسوريا وليبيا، والتي فتحت بهما الحروب الطائفية على مصراعيها.

ما يعنينا اليوم هو مأزق اوباما في العراق، لاسيما وهو يودع الرئاسة نهاية هذا العام، وقد وعد العالم بنهاية اكيدة لتنظيم داعش في العراق وسوريا وغيرها، وإبعاد خطرها عن اميركا. وهكذا اصبحت الاستراتيجية الاميركية محط اهتمام ادارة اوباما في العراق اهتماما خاصا واستثنائيا.

اكد اوباما وادارته ان حيدر العبادي هو شريك جيد، ، وان تغيير الرئاسات خط احمر، وان التظاهرات يجب ان تكون سلمية، وان دعم حكومة العبادي وجيشه بكافة انواع الاسلحة والطائرات والصواريخ والمدافع الحديثة، امر في غاية الاهمية، لانجاح استراتيجية اميركية، وتحقيق اهداف اميركية قبل ان تكون اهدافا عراقية. بمعنى ان اميركا تدعم العبادي وحكومته ليس لسواد عيونه والبرلمان، وانما في الدرجة الاساس، حماية ودعم وانجاح المشروع الاميركي في العراق، والذي استحوذت عليه الاحزاب الايرانية، وبدعم ايراني، وجر البساط ايرانيا من تحت اميركا. لذلك سارعت ادارة اوباما، لاخذ زمام المبادرة ودخلت بقوة لدعم حكومة العبادي وبرلمانه وجيشه، وبهذا حققت اميركا ما كانت تخطط له، وهو ابعاد الميليشيات الايرانية التي تشكل الذراع العسكري الايراني في العراق، بعد جرائمها في الصقلاوية والفلوجة والمقدادية (لاسقاطه جماهيريا).

هكذا سقط، وطرد تنظيم داعش، من الانبار ومدنها وصلاح الدين ومدنها وديالى ومدنها، والان تتجه الى الموصل ومدنها، وشاهدنا ونشاهد الان، كيف تحقق اميركا بدعمها جيش العبادي وقواته انتصارات كبرى، بمساعدة الطيران الاميركي وتحالفه، في سباق محموم نحو استعادة الموصل قبل الانتخابات الرئاسية الاميركية ونهاية فترة رئاسة اوباما. ولكن مع كل هذه الانتصارات العسكرية، والتي حقيقة حجمت تقدم داعش وطردته في اكثر من مدينة عراقية، وهو في طريقه لفقدان كل المدن التي يسيطر عليها، وخاصة الرئيسية ومنها الفلوجة واقضية الانبار الاخرى، ذات الاهمية الاستراتيجية القصوى عسكريا لداعش، لقربها من صحراء الانبار والجزيرة، وسهولة الاتصال مع سوريا، مما يسهل عليها الانتقال والتمدد ونقل المقاتلين والاسلحة وغيرها، مما افقدها اهم عناصر قوتها الاستراتيجية العسكرية وهي الامدادات بكل انواعها، وهذا نجاح وتفوق اميركي كبير نحو تقزيم وتحجيم داعش وقوتها، وتسريع نهايتها في عقر دارها في الموصل، المعارك التي تقودها اميركا الان في العراق، هي معارك مصيرية بالنسبة لاميركا، فنهاية داعش هي مهمة اميركية بالدرجة الاساس، ناهيك عن خطورتها على امنها القومي والسلم العالمي، اضافة الى ان السباق بينها وبين روسيا اصبح مكشوفا، لمواجهة الارهاب، الذي ما زال مفهومه واهنا وهلاميا ومزاجيا ويعتمد على الاهواء السياسية واغراضها ومصالحها، لدى الدول العظمى. ومع هذا فقد توحد المصالح الاميركية الروسية في كل من العراق وسوريا، لمواجهة تنظيم داعش وبقية التنظيمات المتطرفة كالنصرة وغيرها. واعتقد ان اميركا قد ربحت الجولة في سوريا، واصبح النفوذ الاميركي في سوريا، اقوى من النفوذ الروسي والايراني، خاصة بعد موافقة ادارة اوباما على الاصرار على ابعاد الاسد، من السلطة كشرط لدحر داعش.

اليوم المعركة في سوريا والعراق واحدة لاميركا، والدعم والتسليح والقتال في الرقة ومدنها، والفلوجة ومدنها والموصل ومدنه، واضحا هيمنة الطيران الاميركي والقرار الاميركي السياسي، وما معركة الفلوجة إلا كسر شوكة الارهاب لان الفلوجة معقل داعشي استراتيجي نفسيا وعسكريا واعلاميا وهي ايذان بدحر داعش في العراق، وهزيمته مما يعني هزيمته في الموصل.

وهكذا تهزم اميركا داعش، عسكريا على الارض، ولكن يستحيل ان تهزمه في الفكر، لانها لا تمتلك الادوات التي تستطيع ان تهزمه فكريا وشعبيا فيها، على الاقل في الوقت الحالي، على اهميته القصوى، لان الشارع ومزاجه مؤهل لنبذ فكر تكفيري تدميري باسم الاسلام ينتهجه تنظيم متطرف هو تنظيم داعش. فالجميع نبذه واخرجه من الدين وسموه بـ"الخوارج" و"كلاب اهل النار" وكثير من المسميات القاسية الاخرى، في اشارة الى كرههم لهذا التنظيم المتطرف، الذي شوه صورة الاسلام الحنيف المتسامح المعتدل، وكان سببا في تدمير محافظات عراقية يدعي انها حاضنته، وقتل وهجر اهلها ذبحا ونحرا ورميا من اعلى البنايات والدوس بالدبابات والتفجير بالزوارق وطرق في القتل لا تخطر على بال حتى الشيطان الرجيم.

معركة الفلوجة، بكل تداعياتها والجرائم التي قامت بها عناصر الميليشسيات الايرانية في ابشع طريقة للانتقام الطائفي، والثأري، وقيام قاسم سليماني بقيادة المعركة، وحسب التصريحات الايرانية العلنية وقادة الميليشيات، ومشاركة الحرس الثوري الايراني وفيلق القدس، وكأن المعركة بين ايران والعراق، وهي في حقيقتها هكذا وجوهرها تاريخي انتقامي. الا ان هذا انعكس سلبا وانفضحت اميركا وايران وحكومة العبادي معا امام العالم.

ان المعركة ليست بين داعش والجيش العراقي وانما بين العراق وايران بكل معنى الكلمة، وهناك عشرات الحقائق على الارض اثبتت هذا وتؤكد هذا بما لا يقبل الشك ابدا، وهذا ما تنبهت له ادارة اوباما، واسرعت فورا لتغيير قواعد اللعبة هناك، فسحبت الحشد الشعبي ومنعته من الدخول الى عمق الفلوجة، وابلغت العبادي بضرورة مغادرة سليماني العراق فورا، وقالت له بالحرف الواحد "اما نحن او سليماني في الفلوجة". وهكذا تم حسم معركة الفلوجة بعد ابعاد الميليشيات وسليماني بدون مشاكل، واليوم تتجه نحو استعادة الموصل بنفس سيناريو الفلوجة، اي بلا حشد. وهذا يؤكد حقيقة لاميركا، ان مشاركة الحشد بالرغم من انه "بوخة" اعلامية، وسلعة بائرة في المعارك. الا ان حقيقة خطر الميليشيات على انجاح معارك اميركا على داعش، اصبح واضحا، انه كان سببا في فشل دحر داعش وهزيمته، لسببين رئيسين وهما، ان الشارع العراق لا يتقبل ويعرف جرائم الميليشيات اذا شاركت، والسبب الاخر ان الميليشيات لا تمتلك اسباب النصر العسكري، لانها تقاتل بأسم المذهب والعقيدة، ولم تقاتل باسم الولاء للعراق، ناهيك ضعف ادائها العسكري، وقلة خبرتها العسكرية، كونها ميليشيات غير مدربة، وتفتقر لعنصر المباغتة والهجوم والتنظيم العسكري، وقراراته مرتجلة بعيدة عن الخبرة العسكرية، اي بلا خطة واضحة، وهكذا كل معركة يشارك فيها الحشد مصيرها الهزيمة.

وهنا ادركت ادارة اوباما هذا وابعدته، لاسباب عسكرية وطائفية ينتهجها الحشد بميليشياته، التي تحمل الاجندة والاوامر الايرانية وليست العراقية، اذن حتى تربح اميركا معركتها ضد الارهاب، وهزيمة تنظيم داعش، عليها ان تدرك، ان اعتمادها على الحشد الشعبي والميليشيات لا يحقق لها هذا، وان احتضان ودعم المناطق التي يتواجد فيها داعش، هو مفتاح نصرها على داعش، باستخدام جيش منظم بعيد عن الطائفية، ويخضع لاوامر عراقية لا ايرانية، وهو ما تعمل عليه الان، وايقنت انها ارتكبت خطأ جسيما في دعمها للميليشيات الايرانية، التي تعمل لصالح الاجندة والمشروع الايراني فقط، بعيدا عن المصالح الاميركية.

اذن تحول البوصلة الى السنة تحديدا، هو ما تعمل عليه اميركا وتعتمده في استراتيجيتها الجديدة، في القضاء نهائيا على داعش ومشتقاته الميليشيات الايرانية الان، وما نتائج معركة الفلوجة، الا دليل على تحول استراتيجي في السياسة الاميركية في العراق، وهو ما يسهل لها استعادة معركة الموصل باقل الخسائر، واسرع الاوقات.

اما بالنسبة لداعش، الذي يحتضر عسكريا ويهزم، ويفقد الارض والمعنويات، فهو زائل على الارض لا محالة، لان من كان يعول عليهم، قد نحرهم بافعاله وجرائمه، مما افقده رصيده، الذي كان يعول عليه، واصبح مكشوفا الان، مما سهل اختراقه وهزيمته، ولكن سيبقى فكرا في عقول من لاعقل له، حتى يصحو ذات يوم، ويكتشف كم كان مخدوعا بفكر متطرف، قتل مئات الالاف من ابناء جلدته نحرا وقتلا وتهجيرا واعتقالا، وعندها لا ينفع الندم. داعش يهزم فكريا وعسكريا، ومعركة الفلوجة شاهد على هزيمته عسكريا وفكريا، واسقطت هالته التي يعتقد البعض انها لاتقهر ولا تهزم. الفلوجة تنتصر بأهلها ومواقفها الوطنية، رغم انها تعرضت للابادة والحصار لمدة عامين، وهاهي تعود لتنتصر على اعدائها، ومن اراد اذلالها من الظلامين الدواعش أو ايران وميليشياتها.