الرواية السكندرية .. نماذج مختارة (1 / 3)

مدينة متوسطية لا تشبه إلا نفسها

حول الحديث عن الرواية فى الإسكندرية، السؤال الذى يفرض نفسه في هذا المجال هو، هل للإسكندرية رواية خاصة بها؟ هل الإسكندرية مدينة روائية؟ تنطلق منها مسارب الحكي، وانعكاسات الواقع في نصوص كتابها من الروائيين الذين يعيشونها، ويعايشونها في سردهم زمنا وأرضا وشخوصا وأحداثا، ويعيدون صياغة أحداث روائية من مشهدها الواقعي؟

لقد شهدت الإسكندرية طفرة روائية كبيرة خلال الخمسة والعشرين عاما الأخيرة من القرن الماضي، استحوذت فيها الرواية على سحر الكلمة الكامنة في هذه المفردة الساحرة "الإسكندرية".

هي كلمة مؤنثة لكنها تحوي داخلها أزمنة قديمة تواترت وتجمعت فيها الأحوال والتاريخ والناس والأحداث، وتشكلّت على أرضها أبعاد حياة لها خصوصية خاصة بها هي وحدها لا يشاركها فيها أي مكان آخر يتشابه معها في النسق والصيغة.

هي مدينة متوسطية، لا تشبه إلا نفسها، وكان للسرد الروائي فيها دور في بلورة واقع الحياة وإعادة صياغته روائيا من خلال العديد من الأعمال الروائية التي صدرت عن المكان السكندري، وتشكلّت في مشهدها الأدبي حركة روائية ثرية، عقب صدور "رباعية الإسكندرية" الشهيرة للكاتب الإنجليزى لورانس داريل، وبعد أن صدرت عدة أعمال لكتّاب أجانب عاشوا فيها وتأثرت حياتهم بالمكان وطبيعته ومناخه الخاص، مثل الكاتب اليونانى ميشيل بيرذيس وروايته "غالانوس"، أو "أدويسا العصر الحديث"، وذيميتريس س. ستيفاناكيس ورواية "أيام الإسكندرية"، وجيورجوس فيليبوس وروايته "المشتغلون بالقطن"، وستيف بيرى ورواية "لغز الإسكندرية"، وكتابات فلوبير وكزنتزاكيس أثناء زيارتهما لها، وكتاب أ. م. فورستر عن تاريخها ودليل المكان، وعشق كفافيس للمكان، وشعره الحامل لعبق المدينة وصوفية أحوالها، وغير ذلك من الأعمال الروائية والسردية المشعة التي كتبها الأجانب الذين عاشوا على ظهرانيها.

لو نظرنا إلى الرواية المعاصرة التي اتخذت من الإسكندرية أرضية لأحداثها نجد أن بعض هذه الروايات كان خزينا من الحياة المتجددة النشطة المعبرة عن المجتمع والواقع السكندري بكل ما يحمل من سمات وملامح خاصة، بحيث جمعت هذه الأعمال في طياتها شخصيات روائية من جنسيات مختلفة ممن كانوا يفدون إليها، ويتفاعلون مع واقعها، ويشكلون بنيتها الأساسية خلال سنين طويلة، وكان تشابك العلاقات بين هذه الشخصيات وتداخلها، طبقا لمعايير واقعها اليومي في زمن تخللته أحداث درامية متواترة، وتحولات جوهرية، تعكس رؤية الكاتب، ووجهة نظره الخاصة تجاه هذا الواقع المروي والمسرود والمرتبط فيه بالمكان والزمان.

وليس أدل على ذلك من أن الإحساس بالزمن، وتشكيل المكان في رحلة واحدة من خلال السرد الروائي إنما يمثل منظومة تجسد عالما من المحسوسات قد تطابق الواقع، وقد تخالفه، وهي في المقام الأول تحدد ماهية العلاقات الاجتماعية التي تربط بين شخصيات العمل الروائي، والصراعات الدائرة فيه، نجد ذلك واضحا في "رباعية الإسكندرية " لداريل، وفي رواية الكاتب اليوناني ميشيل بيريذيس "غالانوس"، وفي بعض أعمال نجيب محفوظ "ميرامار"، و"السمان والخريف"، و"الطريق"، كذلك في أعمال غيرهم من الكتّاب الذين تناولوا المدينة في سردهم الروائي المتماهى مع واقع المكان.

ولعل خطوط التماس التي جمعت بين فن الرواية وفن السيرة قد وجد في الرواية المكتوبة عن الإسكندرية، حيث حضر كتّاب الرواية السكندريين بأنفسهم في رواياتهم بصورة أو بأخرى، كل منهم وضع جزءا من ذاته داخل نسيج الرواية ربما جاء ذلك بطريقة قصدية أو بطريقة عفوية، وهذا أمر طبيعي في تجسيد ظاهرة المكان والذاكرة معا في النص الروائى، فوجود المناطق السكندرية داخل النص يستتبعه وجود السارد أو الراوي داخل نفس المكان كما يستتبعه أيضا وجود الرؤية الكامنة في الذات والمعبّرة عن الواقع المكاني والنفسي والذاتي داخل النسيج العام للنص.

من هنا كانت رؤية الكاتب حول ذاته وتوظيف ذاكرته في ذاكرة المكان شيئا لا بد أن يحدث، ومن هنا نجد أن هناك في الروايات التي كتبها مبدعو الإسكندرية وتناولها في المدينة بعدا سيّريا يمتح في النص بصورة أو بأخرى.

* من أبحاث مؤتمر "إبداعات الشباب السكندري" دورة الأديب الراحل خالد السروجي، مؤتمر اليوم الواحد لفرع ثقافة الإسكندرية 2016.