النهضة تخذل الصيد رضوخا لإصرار القوى العلمانية على تغييره

انحناءة جديدة للعاصفة

قاد توسيع مشاورات الرئيس التونسي الباجي قائدالسبسي لتشمل مختلف القوى العلمانية بما فيها الجبهة الشعبية المعارضة إلى تضييق خناق مناورات حركة النهضة وتمسكها بالإبقاء على الحبيب الصيد، ما دفعها إلى "الانقلاب" عليه والموافقة على ترشيح سليم شاكر وزير المالية الحالي لرئاسة الحكومة المرتقبة، وسط أنباء عن "انحناء" راشد الغنوشي أمام التفاف القوى العلمانية حول قصر قرطاج بعد أن وفرت حزاما سياسيا للحكومة.

ولئن لم تجاهر النهضة برفع "يد دعمها" للصيد والتسليم باستماتة قائدالسبسي لتوفير الظروف المناسبة لإقالته فقد أكدت مصادر متطابقة مقربة من قصر قرطاج ومن الحركة أن راشد الغنوشي أبدى استعداده لقائدالسبسي بـ"التخلي عن الصيد" وموافقة نداء تونس على ترشيح أسماء وفي مقدمتها سليم شاكر رئيسا لحكومة الوحدة الوطنية، على أن تشارك بشكل جدي في تزكية تركيبتها.

وخلال اليومين الماضيين بدت تصريحات راشد الغنوشي مبطنة بنوع من "الهزيمة" النسبية لم تتمكن لهجة التعنت و"رفع صوته" في إخفائها، إذ شدد الأربعاء في تصريح لإذاعة الزيتونة على "ضرورة أن يكون رئيس حكومة الوحدة الوطنية حاملا لرؤية اقتصادية"، مشددا على ضرورة وضع المشكل الاقتصادي على رأس جدول أعمال الحكومة في ظل انزلاق حاد لقيمة الدينار.

وتقول مصادر مقربة من قصر قرطاج إن الرئيس قائدالسبسي دعا مختلف القوى السياسية والمدنية العلمانية والشخصيات السياسية التي اجتمع بها خلال الأسبوع الماضي إلى توفير حزام سياسي قوي يكون كفيلا بليّ ذراع كل من الصيد والغنوشي، محذرا إياها من نتائج بقائها على الربوة.

وحظيت دعوة قائدالسبسي بتأييد مختلف القوى والشخصيات العلمانية التي اجتمع بها فيما رأى الغنوشي في تأييد العلمانيين حشر جهوده في زاوية ضيقة وتمزيق أوصال شبكة مناوراته التفاوضية وفرض شروطه.

ولعل هذا ما دفع بالغنوشي للدعوة إلى الشعور بالمسؤولية تجاه انهيار قيمة الدينار وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية، في إقرار ضمني بأنه يساند ترؤس كفاءة اقتصادية بامتياز لحكومة سياسية.

وكشفت نفس المصادر أن حالة التشنج بين "الشيخين" قائدالسبسي والغنوشي قد "خفت" نسبيا في أعقاب اتفاق مبدئي على قائمة اسمية لرئاسة الحكومة المرتقبة يتصدرها سليم شاكر وزير المالية وعدد آخر من الأسماء.

وكان الطاهر بطيخ القيادي في نداء تونس ونائبه في البرلمان، كشف في وقت سابق أن الائتلاف الحاكم توصل إلى اتفاق مبدئي مع النهضة حول ترشيح شاكر لرئاسة الحكومة المرتقبة على أن تتقدم الحركة بمقترحات أخرى.

وشهد المشهد السياسي طيلة الأسبوع الماضي تفاعلات متسارعة لم تخل من التعقيدات ومن التصريحات المتباينة من هذه الجهة أو تلك، وسط حرب باتت مفتوحة بين قصر الحكومة وقصر قرطاج، كان من أبرزها قرار الائتلاف الحاكم رفع الغطاء السياسي عن الحبيب الصيد.

ودفعت جهود الرئيس التونسي إلى حشد جهود القوى العلمانية الفاعلة سياسيا ومدنيا بما فيها كبار رجال نظام بن علي والجبهة الشعبية المعارضة بالصيد، إلى التعهد للائتلاف الحاكم باستقالته فور انتهاء المشاورات، في خطوة فاجأت السياسيين بعد أن كان متمسكا بعدم الاستقالة إلا من قبل سحب ثقة البرلمان.

وخلافات لبعض التقارير الإعلامية التي ذهبت إلى أن قائدالسبسي بات يواجه مأزقا دستوريا بشأن سحب الثقة من الحكومة الحالية كمخرج لإقالة الصيد، تشدد القوى العلمانية على أن نجاح الرئيس التونسي في حشد الحزام السياسي أجهض مراهنة الغنوشي على المخرج الدستوري.

وتشدد مصادر الائتلاف الحاكم على أن اتفاقا بين الأحزاب العلمانية الثلاث للائتلاف، النداء وآفاق تونس والوطني الحر من جهة، وبين الجبهة الشعبية من جهة أخرى، على ترؤس الحكومة من قبل شخصية تجمع بين الأداء السياسي والكفاءة الاقتصادية، أثار مخاوف جدية لدى قيادات النهضة.

والجمعة استقبل قائدالسبسي بقصر قرطاج وفدا عن الجبهة الشعبية في خطوة لقيت ترحيبا كبيرا إذ أعرب حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة في أعقاب الاجتماع عن استعداد الشعبية للمساهمة في تحديد البرنامج الكفيل بتجاوز الأوضاع الصعبة بتكاتف جهود الجميع ومواصلة الحوار فيما ذهب زياد لخضر القيادي بالجبهة إلى حد التصريح الجمعة بأن الجبهة الشعبية ستشارك في الحكومة في حال كانت موجهة لإنقاذ تونس لا لإنقاذ أطراف وأحزاب معينة.

وهذه هي المرة الأولى التي تعبر فيها الجبهة عن استعدادها للمشاركة في حكومة يقودها التحالف المنفعي بين النداء والنهضة، في رسالة واضحة بأن الائتلاف الحزبي اليساري مصر على قطع الطريق أمام النهضة لفرض تركيبة الحكومة بناء على وزن الكتل الانتخابية التي تتصدر رأس قائمتها.

وبقدر ما قادت مشاورات قائدالسبسي بالقوى العلمانية إلى توسيع الحزام السياسي لمبادرته بعد أن حشر النهضة في الزاوية، بقدر ما شدد الخناق على سقف مناورات الغنوشي وأدائه التفاوضي.

ومما زاد في تضييق الخناق على النهضة أن الرئيس قائدالسبسي بدا عازما على إدارة مختلف التعقيدات بنفسه غير عابئ بضغوط رئيسها إذ وجه مساء الجمعة إلى مختلف الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية وثيقة وحدة وطنية للمشاركة في الحوار حول تشكيل الحكومة.

وشدد السبسي في الوثيقة على أن مبادرة حكومة الوحدة الوطنية ترتكز على أهداف مشتركة قادرة على الإسراع في الاستجابة لانتظارات التونسيين وضمان انخراط واسع لكل الفئات الاجتماعية والشعبية في البرامج مؤكدا ضرورة أن تتركز تركيبتها بناء على عناصر الكفاءة والنزاهة والتناغم.

وأرجع سياسيون "انقلاب" النهضة الصامت الملفوف بالغموض على الصيد إلى أنها باتت غير مستعدة للدخول في معركة دستورية بين قصر الحكومة وقصر قرطاج بشأن سحب الثقة من حكومة الصيد وإقالته مشددين على أن الحركة تدرك جيدا أنها ستدفع "فاتورة خطيرة" لم تكن تتوقعها.

ويضيف السياسيون إن راشد الغنوشي بات مجبرا على الانحناء لقصر قرطاج على حساب قصر الحكومة بعدما تأكد من أن حكومة الوحدة الوطنية باتت تتمتع بحسام سياسي علماني قوي قد يهدد تموقع النهضة ضمن تركيبتها.

وتوقع نورالدين بن تيشة المستشار الأول للرئيس التونسي انتهاء مشاورات الرئيس مع جميع الأحزاب والمنظمات الوطنية والاتفاق حول رئيس الحكومة، قبل نهاية شهر رمضان.