أصول الإسلاموفوبيا في الغرب.. عوامل متشابكة

البحث عن عدو بعد الشيوعية

تعود ظاهرة الإسلامفوبيا إلى بداية القرن العشرين في سائر أنحاء أوروبا وفي أميركا الشمالية، أما صعودها فيعود إلى العقود الثلاثة الأخيرة من القرن نفسه. وهي ظاهرة تفسر بعدة عوامل عززت أشكالاً أخرى من كراهية الأجانب في أنحاء العالم.

- الأزمة المالية والاقتصادية المستمرة منذ بداية السبعينيات، مع ما تحمل من معدل بطالة، وإقصاء، وتدني شروط الحياة عند شرائح واسعة من المجتمع، وحرمان وفقد أمل، ومخاوف وغيظ في صفوف ضحايا هذه الأزمة.

- تسارع سيرورة العولمة الفائقة – الليبرالية، مما أحال الكائن البشري إلى وضعية المساعد الطوعي لإكراهات اقتصاد السوق، والسعي الجامح لأكبر كسب ممكن، بأقصر الأوقات وبأقل كلفة، مما يستوجب إعادة النظر في دور الدولة للإبقاء على الخدمات العامة الضرورية لتأمين التضامن والحقوق الأولية.

- أزمة نماذج الحداثة التي ظهرت بعد عصر الأنوار، واعدة بمزيد من التقدم والرفاهية ومزيد من الحرية والمساواة لكل الإنسانية.

- الانطواءات في الهوية على التضامنات الحصرية القائمة على رابطة الدم والانتماءات القومية، والإثنية والطائفية.

عززت هذه العوامل كل أنواع الخوف والبحث عن كبش فداء لاتهامه بتحمل مسؤولية كل الشقاء الذي لم يصر إلى تحديد أسبابه الحقيقية، ولا إلى تحديد المسؤولين عنه. الإسلاموفوبيا هي أحد أشكال كره الأجانب الملازم لهذا النوع من المخاوف.

مع نمو الإسلام السياسي وقيام جمهورية إيران الإسلامية، من جهة، وسقوط جدار برلين وانتهاء الإمبراطورية السوفيتية، من جهة أخرى، بدأ "العدو الإسلامي" يشغل المكان الفارغ بعد اختفاء "العدو الشيوعي" وذلك في الخطاب الإعلامي والسياسي، الذي شكل بنية الرأي العام في فرنسا وأوروبا وأميركا الشمالية.

ففي أوروبا ترافقت كثافة أمواج المهاجرين القادمين من المستعمرات القديمة ذات الثقافة الإسلامية، وتحولوا إلى سكان مقيمين، ومتطلبات الجيل الشاب المتحدر منهم ورفض ما تعرض له الأهل من تمييز وإقصاء، وبروز مطالب ثقافية ودينية لم يسبق أن تم التعبير عنها... إلخ، كل ذلك ترافق مع احتدام الأزمة وما لها من آثار اجتماعية ومخاوف تولدت عنها، وانطواء على الهوية، وهذا ما عززته الأزمة لدى كل السكان أياً كانت أصولهم أو انتماءاتهم الثقافية. ميَّز توماس دلتومب (Thomas Deltombe) مراحل ثلاث ربطها ببناء موضوع "إسلام فرنسا":

1- بين أواسط السبعينيات ونهاية الثمانينيات: طيلة هذه المرحلة تم النظر إلى الإسلام في تورطه بالأزمة النفطية، التي تم اعتبارها أصل الأزمة، وكذلك إلى الثورة الإيرانية عام 1978/79 إذ تم تحليلها باعتبارها "عودة الإسلام"، الذي يهدد الغرب: أضيفت صور هذه الثورة وصور العالم الإسلامي المسؤول عن الأزمة، إلى صور الهجرة التي أحيلت إلى المكون المسلم الذي اعتبر "متعارضاً" مع المجتمع الفرنسي. ثم بدأت بالظهور نزعة جديدة توازي بين "العمال الأجانب" و"الخمينيين" وقد ترافق ذلك مع خطاب قومي معاد للأجانب، رابطاً هوية فرنسا بالكثلكة. إنه خطاب أعلنته حركات اليمين المتطرف في فرنسا مثل الحركة الملكية (Action Française)، وبشكل خاص من جانب الجبهة الوطنية التي كان زعيمها ولمدة طويلة مؤسسها جان – ماري لبين. تم إنشاء هذا الحزب عام 1972 تحت اسم "الجبهة الوطنية لوحدة فرنسا"، متذرعاً بما سببته الأزمة، شكلت العداوة للهجرة وللإسلام مكانة بارزة في خطاباته في الحملات الانتخابية وفي دعايته القوموية المعادية للأجانب. ارتفعت أرقامه الانتخابية من أقل من (0.43%) في الانتخابات التشريعية عام 1973، لتتجاوز (25%) إبان الدورة الانتخابية الإقليمية الأولى في ديسمبر (كانون الأول) 2015، وبحسب أعداد المقترعين بات هذا الحزب هو الأول في فرنسا.

تعزيز الكراهية

2- المرحلة الثانية وتمتد من الثمانينيات إلى 2001: بسبب الإجراءات التي اتخذتها حكومات اليسار، والآيلة إلى شرعنة وجود المهاجرين دون أوراق ثبوتية، وتحسين شروط استقبال وإقامة الأجانب، ودمج السكان من أصول أجنبية، بتنا نشهد تطور حركة كره الأجانب، وقد حمل لواءها اليمين المتطرف والجبهة الوطنية التي حققت عام 1986 أول انتصاراتها الانتخابية. تمثل ذلك بكسب (35) مقعداً في الانتخابات التشريعية. وطيلة هذه الفترة أخذ رهاب الإسلام بالنمو. عام 1987 نشرت الجبهة الوطنية أول ملصقاتها المعادية للإسلام، وكان ذلك بمبادرة أحد قادتها: جان – بيير ستيربوا (Jean – Pierre Stirbois). ومنذ عام 1983 حذر الصحافي الكبير جون دانيال (Jean Daniel) الحكومة الاشتراكية من "تغذية هذا العداء للإسلام، الذي لا يميز والمهين الذي بتنا نشهد ازدهاره -ويا للأسف!- في أوساط الشرائح الاجتماعية الشعبية في فرنسا وفي أوروبا".

جاءت الاعتداءات التي حصلت في باريس عام 1986، وقضية لبس الحجاب من جانب فتيات باسم الإسلام في ليسيه كريل (Creil) عام 1989، وردود الفعل الموالية والمعارضة لنشر كتاب سلمان رشدي، "آيات شيطانية"، والأحداث التي نسبت عام 1990 في فرنسا إلى مجموعات إسلامية جزائرية مسلحة، والدعاية التي بررت التدخل الأول في العراق على قاعدة احتدام الأزمة الاقتصادية. بما لها من آثار اجتماعية، جاء ذلك كله ليسمح لرهاب الإسلام أن يلوث العقول بما يتجاوز حدود اليمين المتطرف. ينسب جان بوبيرو (Jean Bauberot) الظاهرة إلى الخلط بين المؤمنين والأصوليين، استناداً إلى تأويلات مثيرة للقرآن، إن من جانب الإسلاميين أو القائلين بالإسلاموفوبيا.

3- تبدأ المرحلة الثالثة بعد الاعتداءات التي أعلنت عنها القاعدة في الولايات المتحدة، والتي تتابعت بعد ذلك جراء التدخل الثاني في العراق، وتكرار الاعتداءات التي نسبت إلى مختلف الجماعات الإسلاموية أو التي أعلنت هي عنها (منذ المجموعات الأولى المنتسبة إلى القاعدة، وصولاً إلى ما يعلن اليوم باسم "داعش")، تتابع ذلك كله على أساس احتدام الأزمة الاقتصادية، والبطالة والمخاوف على الهويات المرتبطة بالعولمة غير الخاضعة للسيطرة.