هدية.. «داعش» لترامب

تبادل المصالح بين المتطرفين

أنعشت العملية الإرهابية التي قام بها مسلم أميركي من أصل أفغاني، متعاطف مع تنظيم «داعش»، في أورلاندو بولاية فلوريدا الأميركية، وتسببت في مقتل أكثر من 50 شخصاً، أنعشت حظوظ المرشح الجمهوري للبيت الأبيض دونالد ترامب. وهناك من يعتقد أن ترامب الآن قد يكون أسعد شخص بهذه العملية، حيث استدعت معه كل الأفكار المتطرفة التي كان قد أطلقها ضد المسلمين والعرب المهاجرين، وكأن العملية جاءت لتؤكد صحة قلقه وخوفه منهم!

ورغم أن ما حدث أمر يدينه كل المسلمين في العالم، لأنه غير مقبول دينياً ولا أخلاقياً، ويتحمل مسؤوليته الشخص نفسه، فثمة قلق من أن يستغل ترامب هذا الحدث في الانتخابات الرئاسية، حيث جاءت العملية لتمثّل «هدية» له في الوقت المناسب، وبالتالي فالفرصة مواتية له للنفخ فيها وتحويلها إلى قضية انتخابية، وبالتالي تعبئة الجماهير بأساليب التحريض ضد المسلمين.

لا شك أن منسوب تسميم الأجواء ضد المسلمين في أميركا سيكون مرتفعاً للغاية خلال الفترة المقبلة، من قبل ترامب، ومع أن المزاج العام الأميركي لم يعد بتلك الحالة من السلبية ضد المسلمين التي أوجدتها أحداث 11 سبتمبر، فإنه يجب ألا ننكر بأن هذا المزاج ما زال يحتفظ ببعض القلق، وأن في النفوس مشاعر تحتاج فقط إلى من يوقظها، لاسيما أن الخطاب السياسي الحالي في الغرب عموماً يتجه نحو التصعيد والتسخين.

قد تكون هذه الحادثة مفتاحاً لقراءة المشهد الانتخابي الأميركي في الجانب الذي يخص ترامب، الذي تلقف العملية وكتب تغريدة يخاطب فيها مؤيديه بأنه لا يحتاج إلى شكر أو تقدير، في إشارة واضحة إلى تهيئة الأجواء الانتخابية للتحريض كوسيلة لكسب معركة الانتخابات في مواجهة منافسته هيلاري كلينتون. بعبارة أخرى فإن ترامب استجاب بسرعة للحادث ووضعه في أجندة المواجهة السياسية، وبدأ يوظفه لغسل أدمغة الرأي العام الأميركي، الأمر الذي يجعل المسلمين في وضع قلق وغير مريح.

ويتوقع أن تعمل هذه العملية على تشويه الإدراك العام حول الجهود التي تقوم بها بعض الدول العربية، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة التي أدانت العملية بشدة، كما يتوقع أن يكون لها تأثير سلبي على المسلمين وكل القادمين من منطقة الشرق الأوسط، لأنها ستكون قضية رأي عام، سواء في الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية التي بدأت منذ فترة تشديد إجراءات الدخول إليها في وجه القادمين من هذه المنطقة.

توقيت العملية يفتح الباب إلى الشك في أنه تم اختياره من «داعش»، ليس فقط من أجل التعبير عن حالة الانكفاء التي يواجهها التنظيم في العالم، ولكن أيضاً من أجل «رفع وتيرة التوتر في المنطقة، وبالتالي زيادة انتباه الجميع نحوه وتوسيع حالة الفوضى. وتأكيداً لذلك فقد سارعت بعض وسائل الإعلام التابعة للمحافظين الجدد، مثل قناة «فوكس نيوز»، إلى استثمار ما جرى سياسياً، فضمّت ما جرى إلى حملة تعميق الكراهية ضد المسلمين. ولاشك في أن الأشخاص الذين يحملون أفكاراً متطرفة، مثل ترامب، لن يضيعوا مثل هذه الفرصة التي يقدمها لهم «داعش» ومؤيدوه لممارسة عنصريتهم وغرورهم.

الأهم من تكرار أن المجرم أو الفاعل ينتمي إلى «داعش» هو بروز الحاجة في أكثر من مكان في الغرب إلى محاربة التيارات الإسلامية المتطرفة المنتجة لهذا الفكر، والتي لا تزال تجد في المجتمعات الغربية أرضية مناسبة لنموها، وكذلك بروز الحاجة إلى إدراك سياسي في الغرب نحو المشاركة في محاربة «داعش» في الرقة، وعدم اعتبار ذلك مسؤولية عربية أو إسلامية فقط، والاكتفاء بإلقاء اللوم على العرب، لاسيما أن ما يحدث في الفلوجة يؤكد أن المراهنة على نجاح سياسات مكافحة الإرهاب لا تزال محل شك ونقاش.

هذه العملية خير مشجع لترامب وكل الأحزاب اليمينية في أوروبا على أن تتشبث بمواقفها المتطرفة ضد المسلمين، بل وأن ترفع من سقف هذه المواقف المتطرفة، وهم جميعاً مطمئنون إلى أن هناك من يساعدهم في ذلك ممن يدّعون الإسلام وهو منهم براء.

ويبقى القلق الأكبر متمثلاً في أن كل الدلائل تشير إلى أن مستقبل العالم، وليس المنطقة فقط، سيكون في قبضة التطرف إذا ما استمر التشدد يسير نحو التصاعد!

محمد خلفان الصَّوافي

كاتب إماراتي