الهروب من المواجهة

ابرز ما يلاحظه المراقبون للإحداث في العراق هو حالة الهروب من مواجهة الحقائق التي تكاد ان تكون مشتركة بين كافة المسؤوليين الحكوميين كذلك بقية الطاقم السياسي المتنفذ والمهيمن على المشهد السياسي.

هذا الهروب ليس تعبيرا عن العجز في رؤية المشكلة، او الفشل ايجاد حلول لها، انما يعكس سياسة ثابتة قائمة على منهج واضح يهدف الى تسويف الزمن والابقاء على المشكلات قائمة لكي تبقى الناس في دوامة لا تملك بسببها القدرة على الشعور بالتفاؤل للخروج من محنتها.

ليس صدفة ان يكون جميع الساسة على هذا النهج، انما هو اتفاق مبرم من قبل الجميع على ان يكونوا على هذه الصورة من الفعل ورد الفعل ازاء الازمات التي تحيق بالوطن والمواطن، الى ان تراكمت واحدة فوق الاخرى، حتى وصل الحال بالعراقي الى ان يتملكه اليأس، ولم يعد يملك خيار الامل في الخروج من عنق الزجاجة.

السؤال الذي يفرض نفسه انطلاقا من تشخيص هذا الحال: لماذا يلجأ الساسة الى هذا الاسلوب مع انهم يملكون مفاتيح السلطة والمال بأيديهم؟

لماذا يضعون انفسهم في مساحة من الكراهية مع ابناء شعبهم مع انهم يدركون جيدا بأن الاستمرار على هذا المنوال من التعامل مع الازمات سيضعهم في يوم ما في اصعب واحرج المواقف التي لا يحسدهم عليها صديق؟

لم يسبق ان مر العراق بنظام سياسي كان على هذه الصورة من التهاون والاستهتار بحياة ومستقبل الناس.

نعم شهد العراق انظمة قمعية لم تكن تتسامح مع من يتهامسون فيما بينهم بحديث ضدها، وشهدنا انظمة ادخلتنا في حروب مهلكة مع دول الجوار، وشهدنا على عهد تلك الانظمة منعا للتظاهرات وحرية القول والتعبير، لكننا لم نشهد حالا مؤسفا ومخزيا يعيشه المواطن والوطن مثل الذي نراه منذ ثلاثة عشر عاما.

كل شيء في العراق اصبح مباحا، الكذب والعنف والخطف والانتهاكات والى غير ذلك من صورٍ تعكس غياب الدولة والنظام، وبدلا عنهما شاعت مظاهر الميليشيا والفوضى.

ولعل ما شهدته الايام الاخيرة من حالات هجوم على مقرات الاحزاب المتنفذة ــ خاصة الدينية ــ سواء في بغداد او عدد من المدن ذات الصبغة الشيعية في وسط وجنوب العراق من قبل متظاهرين غاضبين لم يترددوا في اقتحامها واغلاقها بعد ان مزقوا جميع صور الزعماء ــ الدينيين والحزبيين ــ المعلقة على بواباتها.

لعل ماعبرت عنه صورة الغضب هذه ليست إلاّ مقدمة لما ستكون عليه ردود افعال الناس في الايام القادمة فيما لو بقي الساسة على ماهم عليه من تجاهل للحال الذي وصلت اليه احوال البلاد والعباد.