مقتدى.. العدو المفيد

الوصول إلى القمة بسرعة خاطفة

مع بداية ظهوره الإعلامي في بداية الاحتلال الأميركي للعراق، شعر مقتدى أنه وصل الى القمة بسرعة خاطفة، ولم يكن يتوقع أن تأتيه هذه الجماهير تنادي باسمه وتهتف له بالطاعة. فهو لم يمتلك من مواصفات القيادة شروطها ألأساسية، فليس لديه تحصيل دراسي، إذ لم يتجاوز الصف الخامس الإبتدائي، كما أن لباسه الديني جاء كتقليد أسري وليس نتيجة مستوى علمي في الحوزة. أما من حيث التاريخ فلم يكن له أي دور نضالي معارض ضد نظام صدام حسين قاتل أبيه الشهيد محمد الصدر.

برز اسم مقتدى الصدر على الساحة مقترناً بحادثة إغتيال عبد المجيد الخوئي، الرجل الذي كانت تعده الولايات المتحدة ليمارسه دوره في التأثير على الوسط الشيعي، وصار مقتدى في دائرة الاتهام المباشر وراء مقتل الخوئي. وحتى هذه اللحظة لم تحسم الحادثة قضائياً، وقد أرادت إدارة الاحتلال جعلها معلقة للضغط على مقتدى، وتحريكها عند الحاجة، ومن جانبه ظل يعيش الخوف من هذه القضية.

أعربت القيادة الأميركية في العراق عن خسارتها الكبيرة لمقتل عبد المجيد الخوئي، وقد حددت سبب ذلك بأن الخوئي كان يمتلك ثلاث ميزات أساسية: ابن مرجع، وشاب وثري. واذا كان المال يمكن توفيره لأي شخص آخر، فان الشاب الذي ينتسب لعائلة دينية مشهورة يصبح هو محل البحث ليكون البديل الذي يسد فراغ المغدور الخوئي، حتى تضمن أميركا عدم إرباك مخططها المسبق في العراق.

كانت القيادة الأميركية تبحث عن شخصيات دينية في الوسط الشيعي، تُضعف القوة التاريخية للشيعة والمتمثلة بالمرجعية، مستفيدة من تجربة الاحتلال البريطاني للعراق خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها. فأرادت الادارة الاميركية بهذه السياسة تجنب الوقوع في المشاكل الكبيرة التي واجهها بريطانيا سابقاً امام قوة المرجعية وقيادتها للأمة. وكان ذلك يعني صنع منافسين وقوى جديدة داخل الوسط الديني الشيعي.

وهذا ما يفسر لنا ظاهرة بروز عدد من الأشخاص الذين ادعوا المرجعية الدينية خلافاً للضوابط المعتمدة في الوسط العلمي الشيعي. فقد إدعى المرجعية اشخاص لم يحصلوا على درجة الاجتهاد في سابقة خطيرة على الكيان الشيعي وثوابته التاريخية. وسرعان ما جمع هؤلاء المراجع المصطنعون الاتباع والمقلدين والأموال والمكاتب.

لكن ذلك لم يكن كافياً بالنسبة للولايات المتحدة، لقد كانت تبحث عن شخصية لها جماهيريتها، بحيث يمكن أن تؤثر على القاعدة الشيعية للمرجعية العليا. وهذا ما جعلها تفكر في مقتدى الصدر، الشاب الذي يبحث عن الشهرة وفي نفس الوقت لا يمتلك دراية في عالم السياسية لإفتقاره التجربة الميدانية. كما أن عداءه المكشوف للمرجعية العليا كان واضحاً منذ الأيام الأولى للاحتلال، وهذا ما جعل القيادة الأميركية تجد فيه نموذجاً ممتازاً لاستخدامه داخل الوسط الشيعي.

إزدادت قناعة القيادة الأميركية بمقتدى عندما اكتشفت أنه يسعى الى الزعامة، وأنه يريد أن يتولى موقعاً قيادياً في العملية السياسية، فقد أراد ان يكون رئيس مجلس الحكم، كما أعرب للأميركان عن رغبته لأن يكون حاكم العراق الأول، وحين رفضوا رغباته غير الواقعية، انقلب عليهم من جانب، لكنه من الجانب الثاني انخرط في العملية السياسية منذ بدايتها في الجمعية الوطنية وكتابة الدستور.

وبذلك وجدت القيادة الأميركية أنه النموذج الجاهز الذي تبحث عنه في حالات مماثلة، أي (العدو المفيد). ففي مناطق التوسع والسيطرة، تبحث امريكا عن عدو يمكن أن تستغله عند الحاجة فتوجهه بوسائلها الخاصة عن طريق الاستفزاز والإثارة والخديعة والتسهيلات والضغوط وغيرها، بحيث تأتي ردود فعله كما تريد، ولذلك تطلق عليه صفة (العدو المفيد).

سليم الحسني

كاتب عراقي