الفلوجة من التحرير الى التدمير

يخطئ من يعتقد ان معركة الفلوجة معركة هامشية لن يتوقف عندها التاريخ، بكل ثقله وارهاصاته. فهي تمثل بداية تاريخ جديد للعراق، لانها تصدت لأعتى "عدوين" في تاريخها في آن واحد، هما تنظيم الدولة داعش، وإيران وميليشياتها. وهذا هو سر عظمتها كمدينة باسلة، واجهت أشرس التنظيمات الاسلاموية المتطرفة، وتصفية الحسابات فيما بينهما على ارضها.

إن معركة الفلوجة التي تدور رحى الحرب عليها الان، ستنتهي بأيام قلائل، وسيكون النصر لها، وليس للذي "حررها ودمرها في آن واحد"، كائن من كان، لانها صمدت وهزمت الارهاب بكل اشكاله، ولم تنحني لا لداعش الذي اراد قهرها واخضاعها له، ولا لايران وميليشياتها، التي ارادت اذلالها والانتقام والثأر من اهلها، لمواقفها التاريخية، في مواجهة الفرس واذنابهم عبر التاريخ العراقي الطويل حربا مع الفرس الصفويين.

اليوم تدور معركة الفلوجة بقيادة ايران وميليشياتها على الارض، في حين يشارك طيران التحالف الدولي بقيادة اميركا بشكل كثيف جدا، بقصف همجي ووحشي لا مثيل له، بحجة طرد 900 عنصر من داعش من المدينة، وجيش وشرطة لحكومة العبادي تقدر بـ 45 الف مقاتل، يحاصرون المدينة منذ سنتين واكثر، قصفا وحصارا وتجويعا، وقطعا تاما لكافة الخدمات الطبية والغذائية والماء والكهرباء. بدأت المعركة في اطراف الفلوجة وفي نواحيها وقراها، وشاهد العالم كله، الجرائم التي يندى لها جبين الانسانية، التي قام بها الحشد الشعبي بميليشياته، من ذبح للشباب الهاربين من جحيم داعش الى جحيم الحشد، وقتل واذلال وتعذيب وهتافات طائفية حاقدة كريهة، اجبرت اميركا والامم المتحدة والمنظمات الدولية والعبادي نفسه على الاعتراف بهذه الجرائم والهتافات والشعارات وصور قادة ايران الدينية لخميني وخامنئي ونمر النمر، وادانتها، واصدار توجيهات شكلية لمحاسبة منفذيها. وتعدى الامر الى قيام ادارة اوباما بانذار العبادي لابعاد الميليشيات وقادتها عن المعركة وقالوا للعبادي بالحرف "إما نحن وإما الميليشيات". وعلى اثرها توقف الحشد والميليشيات من التقدم نحو الفلوجة وبقي في اطرافها، بعد تنفيذه جرائم ابادة جماعية طائفية، وتفجير جوامع ومساجد وبيوت مواطنين لا علاقة لهم بداعش. وهذا كله يجري بدعم وقيادة واشراف الحرس الثوري الايراني وتواجد الجنرالين قاسم سليماني ومحمد باكبور قائد القوات البرية الايرانية. وشاهدنا تصريحات علنية على لسان قادة ايران، حول مشاركة الحرس الثوري وفيلق القدس في معركة الفلوجة وذلك حسب قولهم لابعاد خطر داعش عن ايران. وهي الحجة الجاهزة لكل من يريد الانتقام من سنة العراق ولصق تهمة داعش بهم لتبرير محاربتهم وقتلهم وتهجيرهم، وحرق بيوتهم، واعتقال الابرياء منهم نساء واطفالا وشيوخا. وهذه بعينها تعد جريمة تطهير طائفي وابادة جماعية، ترتقي الى جرائم حرب واضحة لا تموت بالتقادم.

هذا ما يجري الان في الفلوجة لاهلها، اذ شاهدنا كيف يموت الناس غرقا وقتلا في نهر دجلة، هربا من داعش واجرامه، تاركا خلفه بيوتا تفجر واملاكا تسرق، ومدينة تحترق، فما هو طعم التحرير على شاكلة تحرير الفلوجة الان، وغدا الموصل، اذا كانت المدن تنتهك اعراض مواطنيها وتدمر بناها التحتية وتفجر دوائرها وجوامعها ومساجدها وبيوت اهلها ويقتل ويهجر ابناؤها، ولا يسمح بعودة نازحيها كما حصل في جرف الصخر وقرى وبلدات ديالى وصلاح الدين، واليوم في الفلوجة، وغدا في الموصل. اهكذا يكون تحرير المدن، يا اميركا يا راعية الديمقراطية وحقوق الانسان؟ ولكن لان معركة الفلوجة معركة طائفية قذرة، تنفذها ايران وميليشياتها، بكل وقاحة واجرام وحقد طائفي معلن بهتافات قميئة جبانة، يطلقها الحشد وميليشياتها، ويسميها العبادي ورهط حكومته، ورجال الاحزاب الايرانية عمار الحكيم والصغير وهمام حمودي وغيرهم، ممن أكلت قلوبهم الطائفية واحقادها، "بالمندسين"، ولا يمثلون الا انفسهم، وهم يقصدون الطائفي اوس الخفاجي قائد سرايا الخراساني وغيره، من قادة الميليشيات ككريم النوري وامثاله، ممن ملأت قلوبهم حقدا اسودا على الفلوجة والمدن العراقية الباسلة، التي ترفض بشدة تواجد ايران ومرتزقتها واحزابها ومعمميها على ارض الرافدين، وتدنسها بوساختها الطائفية.

لذلك نقول وبثقة، ان معركة الفلوجة ليست معركة ايران واميركا ضد داعش وللقضاء عليها رغم ما نراه في ظاهر المعركة، ولكن ما يجري على الارض غير ذلك تماما، انه انتقام حقيقي وحرب ليست على داعش وانما على اهل الفلوجة رمز المقاومة العراقية وتاج رأسها وشرارة انطلاقتها ضد اميركا وايران منذ ايام الاحتلال الاولى ولحد الان. هذه هي حقيقة الحرب على الفلوجة.

اذن معركة الفلوجة، ليست معركة عابرة، لدحر داعش، وهو مدحور بلا ادنى شك، ومرفوض من قبل اهل الفلوجة جملة وتفصيلا، وقوافل هروب المواطنين منهم دليل اكيد على رفض اهلها لتنظيم يسومهم العذاب والقتل يوميا (شاهدوا تصريحات الناس البسطاء الهاربين منه من النساء والاطفال والشيوخ وبشكل عفوي وصريح). وهكذا نحن امام معركة متعددة الرؤوس، ومتعددة الاهداف والاغراض المبيتة، والمشاريع الاقليمية، لتغيير خارطة المنطقة، وترى اميركا (ونحن ايضا نرى كذلك) ان نهاية داعش ستكون بتحرير الفلوجة وتخليص اهلها من داعش.

ولكن هذا لا يتم بالطريقة الاميركية –الايرانية، وانما بكسب اهل الفلوجة واحترام ارادتهم وانسانيتهم والحفاظ على البنى التحتية لمدينتهم، وابعاد الميليشيات عن جرائمهم الطائفية، والتعامل معهم بانسانية عالية، واعادة حقوقهم المسلوبة. نعم هزيمة داعش في الفلوجة ستكون هزيمتهم مؤكد وسريعة في الموصل، وانهيارهم سكون اقرب الى الخيال هناك، اذا ما تعاملت القوات (المحررة) بعيدا عن الطائفية وعدم اشراك الميليشيات الايرانية وتكرار سيناريو الفلوجة الكارثي ضد اهلها. اجزم ان الفلوجة هي المعقل الرئيسي لداعش وانهياره يعني انتهاء وهزيمة تنظيم داعش الى الابد، وما نراه من خسائر لداعش على الارض وانسحابه السريع دون مقاومة من مدن وأقضية كبيرة هو تأكيد لما نقول. واذا ما عدنا قبل اشهر قليلة، نجد ان هزيمة داعش في العراق اصبحت قاب قوسين وادنى، فقد خسرت اكثر من نصف الاراضي التي كانت تسيطر عليها، ولم يبق لديها سوى الموصل، وسيندحر فيها قريبا وتنهزم منها شر هزيمة، لان معركة الموصل، هي ثمرة من ثمار معركة الفلوجة، ونتيجة من نتائجها العسكرية، التي تعول عليها ادارة اوباما في استعادة الموصل. واعلان النصر من هناك بخطاب لاوباما لاغراض انتخابية اميركية، يودع فيها رئاستها بـ"نصر تاريخي"، على تنظيم داعش في العراق وسوريا، وهذا حسب السيناريو الاميركي المؤكد والمسرب منذ اشهر في الصحف الاميركية، وقد تحقق منه الكثير.

هنا نرى ان معركة الفلوجة بصفحتها الاخيرة، ارسلت رسائل واضحة للعالم، انها جرت بتواجد ايراني معلن، وبقيادة اخطر الارهابيين وهو قاسم سليماني، وهذا يثبت مرة اخرى ازدواجية المعايير الاميركية بالتعامل مع الارهاب وانواعه واشكاله والتخادم العسكري، مع ايران وميليشياتها، ويؤكد حقيقة اخرى، ان من يدعي تحرير العراق من داعش، هو نفسه من يدمر العراق ويشعل فيها الحرب الطائفية بيديه، وينشر الفوضى به. والدليل ان لا وجود لبرلمان ولا لحكومة ولا استقرار ولا لسلطة وامن، بل سيادة ميليشيات ايران على الملفات السياسية والعسكرية والامنية، ولا وجود لحكومة ولا لاحزاب تدير العملية السياسية من خلف الستائر الطائفية.

معركة الفلوجة بكل صفحاتها المؤسية الكارثية، تثبت ان المدن لا تموت، تمرض وتتعافى، وهكذا الفلوجة، اليوم تشهد معركتها التاريخية ضد تنظيم داعش وضد ايران وميليشياتها واميركا وطائراتها. فهل عرفتم كيف تنتصر المدن والشعوب، أنظروا الى الفلوجة كيف تقاوم الطغاة وتنتصر عليهم وتعلموا منها، فموقفها ومعركتها مع الارهاب الداعشي والميليشياوي، ستدرس في اكبر المعاهد والكليات العسكرية العالمية، وسيسجل لها التاريخ انها بصمودها هزمت الارهاب وراعيه وداعميه.

نعم الفلوجة تكتب لنا التاريخ، من جديد، انه تاريج المجد والصمود لمدينة صغيرة قاومت الارهاب وهزمته، فهل ممن يقول ان الفلوجة تتحرر الان، لا الفلوجة تدمر الان، ومعركتها التي تخوضها الان، هي معركة كل العراقيين الشرفاء، ممن لم تتلوث عقولهم بالطائفية، والانحياز للمذاهب الذي دمر العراق وصراعات هذه المذاهب، تماما كما يريده اعداء العراق. الفلوجة باقية بقاء العراق، والارهاب الى زوال اكيد، ولا مكان للطائفية ومروجيها، مهما كانت اشكالهم ومن ورائهم أيا كان، لان الارهاب لا يمكن ان ينتمي لدين ومذهب ودولة وحزب، الارهاب يمثله اهله فقط، حما الله العراق وفلوجة العز ودحر أعداءها، ومن يريد الشر لها ولاهلها. الفلوجة تتحرر نعم وتغسل عارها من رجس داعش والميليشيات.