اقتسام إرث صدام!

مثلما فعلها الحلفاء بتركة الامبراطورية العثمانية، حين اجهزوا عليها، وتقاسموا ما تركت، فعلها من ورثوا بلاد الرافدين، بعد ان اجتاحتها دبابات الحلفاء الذين يقودهم حلم بوش الابن الحالم بشرق أوسط جديد، سيبنى على ركام ديكاتوريات شمولية، وأخرى أصولية غنية بالموارد الطبيعية الهائلة!

لم يحدث هذا بالتأكيد، لكن الذي جرى بعد ذلك، ان بقايا العراق، صارت ملكاً تائهاً، لا أحد يعرف صاحبها، ولا أحد يجرؤ على تحديد وريثها الشرعي، في ظل تخلي الشعب عن الوطن عنه، وانشغالات الجماعات فيه، بنفسها. فشيعة محملين بأيدلوجيا المظوميات التاريخية، وأكراد نفخت فيه عنصرية الأنظمة كل عقد الأقصاء والشوفينية، فتحول الضحية الى جلاد فاق جلاده السابق بشاعة وسوءًا، اما سنة العراق، فأولئك هم المسبب الأكبر في ضياع العراق الحاضر والعراق الماضي، بتشددهم تارةً، وبتشرذمهم تارةً أخرى.

ما حدث لم يكن بدعاً، ابداً فالتاريخ يعلمنا، والمنطق يؤكد، ان العالم لا يحتمل الفراغ. فمثل العراق وموقعه، وثقله، وتاريخه، وعمقه، لن يترك ابداً، بل سيكون محطة التنافس الأبرز لرسم ملامح جديدة لمنطقة اصبحت تتفكك، ويذوب فيها القار والظاهر معاً من جبل الجليد المتراكم.

ما بقي من ارث الديكاتورية، كان كبيراً للغاية، ولما لم تكن اميركا ترغب في ابقاء كل التركة في خزائنها، فأنها بحثت عن شريك مناسب لها، قادر على دفع فواتيره لوحده، ومنغرس بشكل جيد في بيئة الفراغ المتأتية من تلك الإزاحة القسرية التي حدثت. فكانت ايران خير من قدم أوراق اعتماده! كشريك قوي وفاعل وممتد، فيما كانت الأنظمة العربية المحيطة بالعراق لا تزال تعيش مراحل ما قبل التفكير السياسي الحديث، في الرهانات الطائفية مرةً، وفي الخوف من ازعاج الأميركي مرةً أخرى، وتعيش حالة الانكفاء الى الداخل، او السلبية المفرطة تجاه الوضع بعد اسقاط صدام حسين ونظامه.

ما يعاب على الأنظمة السياسية العربية كثير، لكن ما يتصدر ذلك هو حالة اللا واقعية السياسية التي تتحكم في رسم استراتيجيات تلك البلدان، وحالة ردات الفعل، والعقد التاريخية من الأخر، الأمر الذي عنى فيما عناه، دفع العراق بقوة للعزلة عن المحيط العربي، وابقائه يتحمل دفع فواتيره الباهظة من سيادته وأمنه، في ظل ارتباط الجماعات المتصدية بمشاريع ما بعد الحدود، او حملها لبذرة ستنتج نظاماً عير قابل للحياة مع فكرة ابقاء العراق دولة قوية موحدة مستقرة!

ما وصل اليه العراق الأن لم يكن الا نتاج ما اسميه بمؤامرة التوريط العربي مرةً واللا مبالاة العربية مرة اخرى. فهذا المحيط لم يكن منسجماً مع العراق، ولا يتعامل معه كما يتعامل مع بلدان عربية أخرى كمصر مثلاً، بل كان محيطنا العربي ينظر للعراق من منطلق الخصم لا الند على الأقل، ويتعامل معه وفق معادلة الضمان الإستقرار تتمثل في اضعافه، ولذا فأن ازمات المنطقة كلها تأتي جراء الوصول بالعراق لمرحلة الوهن التي صار فيها ارثاً يتقاسمه الجميع على رؤوس الاشهاد، دون يكون للعرب كالعادة دور سوى الوقوف كشهود زور، وتمثيل دور المتعاطف مع بلد ساهمت الكثير من المدي العربية في تقطيع أوصاله بلا أي تفكير بعواقب ذلك الكارثية على المنطقة بل والعالم بأسره.