العالم يودع 'النبي' محمد علي كلاي بالورود

'جعلنا أقوياء'

واشنطن - تتوجه انظار العالم باسره الى لويفيل مسقط رأس محمد علي كلاي الذي يدفن الجمعة في هذه المدينة الصغيرة بعد مراسم تأبين وموكب جنائزي لتكريم بطل الملاكمة الاسطوري وصاحب القناعات الثابتة.

أمام المنزل المتواضع الذي عاش فيه اسطورة الملاكمة العالمي محمد علي كلاي، يؤكد عدد من سكان لويفيل انهم فقدوا "أبا"، ولا يتردد آخرون في وصفه "بالنبي"، قبل ان يضعوا ورودا او صورة او رسالة الى الرجل الذي لن ينسوه ابدا.

وفي هذه المدينة الصغيرة في ولاية كنتاكي الواقعة على الحدود بين الغرب الاوسط والجنوب، بدأ محمد علي كلاي ممارسة الملاكمة.

لكن الجميع فيها يتفقون على القول ان انتصاراته في الحلبة ليست سوى وجه آخر لرجل عملاق.

وقال سوني فيشباك رفيق الدراسة لمحمد علي كلاي "يركزون على الملاكمة لكنه اكبر من ذلك بكثير. كان يؤدي مهمة وكان لديه رسالة لينقلها الينا".

وفي تلك الفترة كان بطل الملاكمة في الوزن الثقيل نحيلا ويدعى كاسيوس مارسيلوس كلاي. وقد تربى على تعاليم الكنيسة المعمدانية التي تحتل فيها قراءة الكتاب المقدس حيزا كبيرا. وكان يعود من المدرسة مع سوني مشيا.

ويقول هذا الرجل الاسود البالغ من العمر 75 عاما وعمل في مجال الموسيقى "كان يقول لنا انه سيصبح بطلا في الوزن الثقيل لكن لم يكن احد يصدقه".

ويضيف "في تلك الفترة لم يكن السود يثقون بانفسهم. قال لنا +انتم تتمتعون بالجمال وجعلنا اقوياء".

ومحمد علي الذي يشيد به ملايين في العالم، يلقى تقديرا اكبر بالتأكيد في هذا الحي الذي لم ينس بعد الاوقات العصيبة للتمييز العنصري.

والمنزل العائلي لاسرة كلاي صغير وتم تجديده مؤخرا ليصبح متحفا. وليس في واجهته الوردية التي اعيد طلاؤها مؤخرا سوى باب واحد ونافذة واحدة.

وسبب اعلان وفاة اسطورة الملاكمة في هذا المكان الذي زاره كل واحد من السكان مرة على الاقل، صدمة. وقال ايفان بوكيتو المكلف الاشراف على المتحف ان "الناس بدأوا يصلون منذ الساعة الثانية فجرا".

وروى توني ويكوير الذي وصل مع ابنه الى المكان "عندما علمت بالنبأ صدمت اولا ثم بكيت طوال الليل. انه امر مؤلم. كان بمكانة ابي".

وبالقرب منهما تمر اسر يشكل السود القسم الاكبر منها، ليضع اطفالها بالونات او رسوما او قفازات ملاكمة. ثم يرحلون بعد التقاط صورة تخلد هذا اليوم التاريخي.

في واحد من الشوارع المحيطة، اقسم الفتى كاسيوس في سن الثانية عشرة على ان "يضرب" هذا الشخص المجهول الذي سرق دراجته الهوائية.

ورد عليه الشرطي حينذاك "من الافضل ان تتعلم الملاكمة اولا"، بدون ان يعرف ان هذه النصيحة ستوصل الفتى الى بطولة العالم للملاكمة في الوزن الثقيل ثلاث مرات.

تبادل كاسيوس اولى اللكمات مع اخيه الاصغر رحمن كلاي الذي يبلغ من العمر اليوم 72 عاما وحضر السبت الى الشارع الذي امضى فيه طفولته. وكان يتحدث بصوت متهدج وهو يرتجف مثل شقيقه الاكبر قبل وفاته.

وقال "كم كنا نلهو. كنا نلعب الملاكمة والهوكي والورق (...) كل هذه الالعاب التي يلهو بها الصغار". ورحمن كان وفيا لشقيقه وشريكا له في رحلته وان لم يبلغ القمم التي وصل اليها محمد علي.

ولويفيل التي يعبرها نهر اوهايو، تحمل اسم ملك فرنسا لويس السادس عشر. وقد اختارت القابا اخرى لمحمد علي من بينها "لسان لويفيل"، بسبب خطبه الحادة.

وقال اليكس ديفيس (25 عاما) الذي يعمل في عيادة لطب الاسنان وجاء لتكريم كلاي "في كل مرة اراه على الحلبة او يخطب، اجد مصدر الهام فيه". واضاف انه "وضع الحب والسلام اولا واعتقد ان هذه الرسالة ستستمر لفترة طويلة بعده".

ومحمد علي كلاي الذي كان من ابرز شخصيات القرن العشرين في عالم الرياضة وخارجه، توفي مساء الجمعة عن 74 عاما بعد معركة طويلة ضد داء باركنسون. وكان محاطا باقربائه بمن فيهم ابناؤه التسعة.

وستنظم مراسم دينية متعددة الديانات برئاسة امام كما طلب محمد علي نفسه، بحضور الرئيس الاميركي الاسبق بيل كلينتون الذي سيلقي خطاب وداع الرجل الذي كان يعتبره صديقه.

وقال الرئيس باراك اوباما ان "محمد علي كلاي كان الاعظم".

وتدفق عدد كبير من هواة رياضة الملاكمة والمعجبين بمحمد علي كلاي السبت على سكتسديل في ولاية اريزونا، امام المستشفى الذي امضى فيه ساعاته الاخيرة، ليتركوا بطاقات خطوا عليها بضع كلمات وورودا وبالونات.

وبعد ان اصبح بطل العالم بلا منازع في الوزن الثقيل، صدم الرجل "الاعظم"، كما كان يصف نفسه، الولايات المتحدة في 1967 برفضه اداء الخدمة العسكرية والتوجه للقتال في حرب فيتنام. وقد صرح في 17 شباط/فبراير 1966 "ليست لدي مشكلة مع الفيتكونغ" الذين كانوا يقاتلون الاميركيين.

سجن محمد علي وجرد من الالقاب التي حصل عليها ومنع من ممارسة الملاكمة لثلاث سنوات ونصف السنة بعدما اغضب غالبية الرأي العام الاميركي. لكن آخرين رأوا فيه احد اعمدة الثقافة المضادة وبطل قضية السود الذين كانوا يناضلون من اجل المساواة في الحقوق.

وقد اصبح ظهوره بشكل علني نادرا تدريجيا. وكان آخر تجمع عام شارك فيه في فينيكس عشاء لجمع تبرعات لابحاث مكافحة داء باركينسون. وقال في 1987 "الله اصابني بمرض باركينسون لارى انني لست سوى مجرد رجل مثل الآخرين ولدي نقاط ضعف مثل الجميع".

واشاد اوباما بدوره في النضال من اجل الحقوق المدنية وحقوق السود. وقال "كان الى جانب "مارتن لوثر" كينغ و"نلسون" مانديلا. ترفع عندما كان ذلك صعبا وتحدث عندما لم يفعل الآخرون ذلك".