التهميش يحول الشباب التونسي إلى لقمة سائغة للجهاديين

احتجاجات الشباب لا تجد آذانا صاغية من السلطة

يلتقي جمال الساحلي وسامي البكوش وصالح الرحموني يوميا على الساعة التاسعة صباحا في "مقهى الثورة" بشارع إبن خلدون، أكثر الشوارع حركية في حي التضامن الشعبي. وبمجرد جلوسهم يسارع النادل "عم علي" بتقديم "فنجان القهوة" و"النارجيلة"، دون أن ينتظر طلبهم، فهم من زبائنه الأوفياء الذين يقضون كامل يومهم يلعبون الورق، ومع الساعة العاشرة يكون المقهى قد اكتظ بعشرات من شباب الحي الذين فتكت بهم البطالة وأنهكهم الإحباط.

ولا يغادر ثلاثتهم المقهى إلا على الساعة السابعة مساء عائدين إلى منازلهم القصديرية والطينية شأنهم شأن الآلاف من الشباب الذين جعلوا من المقاهي قبورا لدفن أحلامهم ومتنفسا للتأفف والشكوى من التهميش وانسداد الأفق.

جمال الساحلي الذي بلع من العمر 31 سنة نزحت عائلته إلى حي التضامن عام 1987 من أرياف محافظة باجة ( شمال غربي)، الفقيرة ونجا بأعجوبة من الموت غرقا في عرض البحر الأبيض المتوسط حين حاول الهجرة سرا إلى إيطاليا، ويعمل والده في سائق سيارة أجرة ليعيل عائلة تتكون من ثمانية أفراد.

سامي البكوش يبلغ من العمر 29 سنة نزحت عائلته هو الآخر إلى نفس الحي عام 1989 من إحدى قرى محافظة سليانة (شمال غربي) متحصل على شهادة عليا من المعهد الأعلى لأصول الدين مند خمس سنوات ولم يقع انتدابه للتدريس، حاول عام 2014 السفر إلى سوريا ليلتحق بابن عمه إلا أن محاولته باءت بالفشل لما اكتشف الأمن أمره وسجن ثلاثة أشهر.

أما وصالح الرحموني فهو أصيل محافظة جندوبة الفقيرة (شمال غربي) يبلغ من العمر 27 سنة حطت عائلته التي تتكون من سبعة أفراد في رحالها في حي التضامن عام 1988 انقطع عن الدراسة في سن 17 سنة بعد أن قضى ستة اشهر في السجن نتيجة تعاطيه المخدرات الخفيفة أو ما يعرف في تونس بـ"الزطلة".

وعلى الرغم من أن الصدفة هي التي جمعتهم في المقهى بحكم "انضباطهم القسري" على ارتيادها يوميا مع "احترام نظام التوقيت" فإن ثلاثتهم يختزلون مشاكل شباب مهمش وعاطل عن العمل اختزل حياته بين فكي الإرهاب وقوارب الموت والإدمان عن المخدرات بأنواعها.

ويعتبر حي التضامن الشعبي الواقع على المشارف الشمالية الغربية لتونس العاصمة أكبر الإحياء الشعبية المتناثرة حول المدينة وأكثرها كثافة سكانية، إذ يعد أكثر من 500 ألف نسمة في مساحة لا تتسع لـ 200 ألف نسمة ما جعل من الحي "مخيما ضيقا" ومن العيش فيه "اختناقا".

ولهذا الحي خصوصية اجتماعية حيث تقطنه عائلات فقيرة نزحت إليه خلال ثمانيات القرن الماضي قادمة من قرى وأرياف محافظات الشمال الغربي المحروم مثل محافظة سليانة والكاف وجندوبة وباجة طمعا في مستوى عيش أفضل.

لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد زج النازحون بأنفسهم في حي أشد فقرا وبؤسا من الأرياف. إذ يفتقد الحي لأبسط مقومات العيش الكريم وتنتشر البطالة في صفوف أكثر من 70 بالمئة من شبابه ذكورا وإناثا، بين الحاصلين على الشهائد الجامعية العليا والأميين، ويفوق عدد العاطلين ربع السكان هناك إذ يناهز 180 ألف عاطلا.

أكثر من نصف المجتمع

وفق مصطلحات علم الديمغرافيا يعتبر المجتمع التونسي "مجتمعا شابا"، حيث تبلغ نسبة الشباب 61 بالمئة أي حوالي خمسة ملايين شاب من بين 11 مليون هم عدد سكان تونس وفق نتائج آخر عملية مسح قام بها المعهد الوطني لإحصاء وهو ما يجعل من هذه الفئة ذات ثقل اجتماعي كبير.

وباتت هده الثروة البشرية الشبابية تمثل عبء لا يحتمل سواء بالنسبة للعائلات والمجتمع ككل أو بالنسبة للدولة بعد أن فاق عدد العاطلين المليون.

وخلال السنوات الخمس الماضية لم تباشر الدولة أية خطة اجتماعية لتشغيل الشباب بما في ذلك حملة الشهائد الجامعية العليا الذين اضطر الكثير منهم إلى امتهان مهن لا تناسب مستواهم العلمي مثل بيع الخضار وحراسة قصور الأثرياء والمؤسسات الصناعية الخاصة أو العمل في حظائر البناء.

وما يعمق مأساة الشباب التونسي هو حالة التهميش الاجتماعي والسياسي التي تزايدت حدتها إثر انتفاضة يناير/كانون الثاني 2010 وبدت هذه الفئة الخاسرة الأولى من انتفاضة قادها الشباب مطالبا بالشغل والعيش الكريم.

وأظهرت دراسة أن 93 بالمئة من الشباب التونسي يشعر بأن "الثورة عمقت تهميشه اجتماعيا وسياسيا" فيما قال 87 بالمائة إن "الثورة خيبت آماله" لأنها لم تنجح في تشغيل العاطلين ولا في تحسين أوضاع العاملين.

ووفق دراسات حديثة لا تستقطب الجمعيات ذات الأهداف الاجتماعية سوى سبعة بالمئة من الشباب رغم أنها الأقرب إلى مشاغله، وأن منظمات المجتمع المدني لا تستقطب سوى تسعة بالمائة، أما الأحزاب السياسية فهي لا تستقطب سوى خمسة بالمئة ما يؤكد أن الشباب التونسي يعيش على هامش الحراك الاجتماعي والسياسي الذي تشهده البلاد.

ويشدد منتصر بن عامر أستاذ علم النفس الاجتماعي بالجامعة التونسية على أن "غياب دور الهياكل الاجتماعية والمدنية والسياسية في تأطير الشباب وفق برامج تتحسس مشاغله عمق إحساس الشباب بالإحباط والشعور بالحرمان ودفع بآلاف التونسيين إلى الالتحاق بالمجموعات المتطرفة.

الإرهاب هو البديل

وتجاوز الإحباط الاجتماعي والشعور باليأس المقاهي والشوارع ليخترق أسوار الجامعات والمدارس الثانوية ويضرب في عمق قطاع التعليم الذي يعد المنفذ الوحيد لأبناء الأحياء الشعبية والجهات المحرومة للارتقاء الاجتماعي وضمان مستوى عيش أفضل من مستوى عيش الآباء.

فقد أحصت السلطات التونسية خلال عام 2015 انقطاع 100 ألف تلميذ وطالب عن مقاعد الدراسة ليلتحقوا بآلاف المهمشين وهو رقم مفزع تسجله تونس لأول مرة في تاريخها رغم من المكانة الاعتبارية التي يحظى بها التعليم لا فقط في سياسة الدولة وإنما أيضا في وعي التونسيين. هذا إلى جانب ما تم تسجيله من أرقام مفزعة حول التحق الشباب بالمجموعات الإرهابي

وشكلت هجرة الشباب التونسي، الذي ينتمي إلى مجتمع متسامح ينبذ العنف ويحتكم إلى قيم الاعتدال، إلى التنظيمات الجهادية تحولا نوعيا مند خمس سنوات لتتحول إلى اخطر الظواهر التي تفتك بالآلاف وتهدد استقرار المجتمع.

ومنذ سقوط نظام الرئيس بن علي ومع صعود حركة النهضة الإسلامية للحكم وجدت الجماعات المتشددة في الانفلات الأمني وفي تسامح الحركة الحاكمة حرية شبه كاملة للتسلل إلى أعماق النسيج الاجتماعي في الأحياء الشعبية وفي بلدات وقرى الجهات المحرومة وتنشر صناعة الموت في أوساط شباب عاطل ومحروم ومحبط.

وساعدت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الهشة الجماعات الجهادية كثيرا على عمليات غسل الأدمغة وتجنيد الشباب في مجموعات إرهابية تتولى تسفيره إلى تركيا ومنها إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف "جبهة النصرة" و"تنظيم الدولة الإسلامية".

وفي ظل أزمة اقتصادية خانقة تعصف بالبلاد ألقت بتداعياتها على المجتمع لتقوض ما كان يسميه الزعيم الحبيب بورقيبة بـ"فرحة الحياة" وتنشر البؤس واليأس، ووجد الآلاف من الشباب في "يافطة الجهاد" التي ترفعها الجماعات المتشددة ملاذا لتحقيق الذات وتسفيرها من حياة بلا معنى إلى معنى صناعة الموت.

وتتخذ الجماعات المتشددة من الأحياء الشعبية والجهات المحرومة أعشاشا للتفريخ إذ تناسلت تلك الجماعات في حي التضامن مثلا ليتحول إلى معقل من معاقلها الآمنة.

ويقدر عدد الشباب التونسي الذي يتبنى الفكر المتشدد بأكثر من 100000 عنصر أغلبهم ينتمي لجماعة أنصار الشريعة التي يتزعمها سيف الله بن حسين الملقب بأبو عياض والمصنفة تنظيما إرهابيا.

ويقدر الخبراء عدد الخلايا الإرهابية بأكثر من 180 خلية منتشرة في كامل أنحاء البلاد تضم كل خلية ما بين ثلاثة وسبعة أشخاص وتكونت بعد أن استقطبت شباب ينحدر من فئات اجتماعية مهمشة وهشة وأمية.

وتقول السلطات الأمنية التونسية أنها منعت خلال عام 2015 أكثر من 20000 شاب من السفر إلى سوريا والالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية الذي يضم أكثر من 5000 جهادي تونسي يتقلد العشرات منهم مواقع قيادية خطيرة.

وخلال العام 2015 والأشهر الماضية من العام 2016 فككت الأجهزة الأمنية حوالي 75 خلية جهادية موالية لتنظيم الدولة الإسلامية.