الفتاوى الدينية.. فعلها في دساتير الدول

أضطراب الفتاوى والمفتين في شأن ولاية الأمر

يفترض في مفهوم «ولي الأمر»، وهو مصطلح ديني، ويعني مَن بيده السُّلطة، أنه يلعب دوراً في تقوية واجب احترام مؤسسات الدولة، فالدين يمثل مكوناً من مكونات شعوب المنطقة، وهذا المفهوم في أي بلد لم يتبنَّ العلمانية، يظلّ يسبح في فضائه، باعتباره من مفردات الخطاب الديني فيه.

وإلى جانب البُعد الديني للالتزام بذلك الواجب بالنسبة لشعوب هذه المنطقة، هناك المصدر القانوني الذي يتمثل في الدستور الذي يحدد الواجبات والحقوق، وهناك مصدر آخر يتجلى في التقاليد القبلية، لكن هذا المصدر يتآكل كلما زاد عدد السكان، وانتشرت المفاهيم المدنية، وترسخت المؤسسات.

تعدد عناصر الالتزام بواجب ما يعظّمه في النفوس، كالأمانة التي هي قيمة دينية وأخلاقية وقانونية، إذ يظل المرء نظيف اليد حتى لو رسم له محامٍ مزيف خطة احتيال لا تترك عليه أي أثر.. وفي المقابل، قد يلبّس رجل دين على رجل أمين، ويفتي له أن فعلاً ما (مجرّماً في نظر القانون) لا ينطوي على خيانة.

ويتعرّض واجب احترام مؤسسات الدولة في كثير من المجتمعات العربية للتحدي نفسه الذي تواجهه قيمة كالأمانة، خصوصاً أن مفهوم ولي الأمر ملتبسٌ، باعتباره كان الأساس الشرعي لدولة لم يعد لها وجود، أعني الخلافة الإسلامية، كما أن طاعة ولي الأمر لها شروط شرعية، بينما الأمر ليس كذلك في الخضوع لمؤسسات الدولة وقوانينها بحسب الدساتير الحديثة، ناهيكم عن أن الخلاف حول سُلطات الدولة وقوانينها يُرفع للمحاكم الدستورية في أي بلد، بينما قد يلجأ المسلم لحساب ديني في «تويتر» ليبتّ له في أمور تتعلق بولي أمره أو بسُلطة دولته عملياً.

والإشكالية الأهم أن تلك الأسس ليست على درجة واحدة من قوة الإلزام لدى الكافة، فمفهوم ولي الأمر لدى أي تيار ديني مقدم على التقاليد القبلية مثلاً، وهو الأساس الوحيد لالتزام كل التيارات الدينية بالدستور وبالقوانين المنبثقة منه، لذلك تجد أن بعضهم يخالف قانون دولته بضمير مرتاح، إذا كان رجل دين قد أفتى له بأن القانون غير شرعي. ولو كنا قد سألنا الظواهري، قبل أن يرفع السلاح في وجه الدولة، عن مصدر شرعية الحكم في بلده، لقال بعد برهة من التفكير: الرئيس يجسّد فكرة ولي الأمر، وشرعية حكمه قائمة على هذا المفهوم.

ومن التحقوا بـ«داعش»، من أبناء الدول الإسلامية، فعلوا ذلك بعد أن لم يعد ولي أمرهم شرعياً في نظرهم، وهكذا مع «الدواعش» الغربيين، كانوا يتوقون لولي أمر «شرعي» يخضعون لطاعته. وهذه الفوضى، والدماء، والفتن، والعمليات الإرهابية، والجماعات المؤدلجة الخارجة على القانون، وإلغاء حدود الدول، والإعلان عن دول وهمية.. هي إحدى نتائج إعلاء المفهوم الديني للدولة على حساب المفهوم القانوني لها.

لابد من ترسيخ المفاهيم القانونية التي تصون الدول، وألا يكون المفهوم الديني للدولة هو الأساس، لئلا تتخلخل الأمور بفتاوى من مجانين، فهذا يفتي بطاعة ولي الأمر، وهذا يفتي بالخروج عليه، وهذا ينصب نفسه ولياً للأمر، وذاك يعزله، وهذا يسأل جهاز الكمبيوتر أمامه عن شرعية الحكم في بلده، وعلى الطرف المقابل، ومن أقاصي العالم، رجل دين يفتي بأن عليه واجب الخروج على ولي الأمر، ‏أي الدولة في الحقيقة والواقع.

أحمد أميري

كاتب إماراتي