الجزائر المربكة تختزل كل أمراضها في شخص لكصاسي

انهيار الايرادات النفطية يزلزل عرش بوتفليقة

الجزائر – عيّن الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الرئيس المدير العام لبنك الجزائر الخارجي محمد لوكال، محافظا للبنك المركزي الجزائري خلفا لمحمد لكصاسي الذي عزله الثلاثاء.

ويثير عزل لكصاسي أكثر من نقطة استفهام خاصة وأنه عزل من منصبه بعد ضغوط شديدة مارستها الكتلة البرلمانية لحزب التحرير الوطني الحزب الحاكم في البرلمان الجزائري والتي حملته مسؤولية الأزمة الاقتصادية مع أنه مسؤول عن السياسة النقدية وحتى هذه المهمة (السياسة النقدية) فإن ادارته لها تخضع لرؤية الحكومة وليست لرؤيته الخاصة التي تبقى مجرد رأي.

ويتساءل محللون هل أن عزل لكصاسي سينهي الأزمة المالية الحادة التي طرقت أبواب الجزائر منذ أقل من عامين بعد موجة انهيار أسعار النفط بنحو 70 بالمئة عما كانت عليه قبل يونيو/حزيران 2014.

وتعتمد الجزائر على الايرادات البترولية لتغذية الموازنة وتمويل كبرى المشاريع التي تراجعت عن معظمها في 2015 ضمن سياسة تقليص النفقات العامة مدفوعة بأزمتها المالية.

ويرى المحللون أن تشخيص السلطة الجزائرية للأزمة الاقتصادية مثير للسخرية اذ كيف تختزل كل مشاكل اقتصادها المتعثر والتراجع الحاد في ايرادات النفط وارتفاع عجز الميزان التجاري وهي الى جانب التوترات السياسية من مسببات الأزمة، في شخص محافظ البنك المركزي المعزول محمد لكصاسي.

واشاروا الى أن أزمة الجزائر ليست في الأشخاص بقدر ما هي في نظامها السياسي والاقتصادي الذي ارتفعت معه معدلات الفقر والبطالة في دولة نفطية يفترض فيها أن يتمتع مواطنوها بالرفاه.

ولكصاسي من رجال بوتفليقة الموثوقين قبل أن ينقلب عليه الحزب الحاكم، إلا أن ذلك يعكس في المقابل تخبطا في السياسة المالية وارباكا غير مسبوق.

سجّلت عائدات النفط المورد الرئيسي للجزائر انخفاضا بنحو 40 بالمئة في الربع الاول من 2016، مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2015، وفق بيانات رسمية.

وبلغت الصادرات 5.9 مليار دولار خلال الاشهر الثلاثة الاولى من 2016 مقابل 9.8 مليارات دولار خلال الفترة ذاتها من 2015 بتراجع قدره 39.65 بالمئة، وفقا لبيانات المركز الوطني لإحصاءات الجمارك.

وعزت الجمارك هذا التراجع الى الانخفاض المستمر في اسعار النفط منذ يونيو/حزيران 2014، مشيرة الى ان المحروقات تستحوذ على الحصة الكبرى من مبيعات الجزائر الى الخارج بنسبة 93.19 بالمئة من اجمالي الصادرات.

خطوط حمراء

واضطرت الجزائر لتجاوز خطوط حمراء أولها السحب المفرط من احتياطاتها النقدية وثانيها اجراءات تقشف أرهقت الجزائريين مع أنها تعد مخففة مقارنة بإجراءات تقشف في دول نفطية أخرى.

وكان وزير المالية عبدالرحمن بن خالفة قد ألمح في وقت سابق الى أن بلاده تخطط بالفعل للاستدانة الخارجية وهو ما ترفضه المعارضة وترى فيه ارتهانا للجزائر.

ويمثل النفط والغاز نحو 95 بالمئة من اجمالي الصادرات الجزائرية، كما تؤمن إيرادات الطاقة 60 بالمئة من الموازنة، وهي نسبة متضاربة تخضع للمزاج السياسي في الجزائر.

وادى انخفاض عائدات النفط الى زيادة في العجز التجاري الذي بلغ 5.6 مليارات دولار في الربع الاول من 2016، مقابل 3.4 مليارات دولار في الربع الاول من عام 2015.

كان البنك المركزي الجزائري أعلن عن تراجع احتياطات البلاد من النقد الأجنبي بنحو 19.02 مليار دولار خلال الربع الأول من 2015، لتهوي إلى 159.9 مليار دولار، بسبب تهاوي أسعار النفط.

واستمرار استنزاف الاحتياطات المالية يضع الجزائر على حافة انهيار مالي خاصة في ظل غياب مصادر دخل أخرى من خارج القطاع النفطي.

وتحمل المعارضة الجزائرية السلطة الحاكمة مسؤولية الأزمة الراهنة، مشيرة الى أن اعتمدت سياسات فاشلة على مدى عقود دون البحث عن بدائل مالية أخرى غير الايرادات النفطية.

والمشاريع الصناعية المعلنة والقائمة في الجزائر تعد مردوديتها ضعيفة جدا، حيث تعتمد على توريد قطع الغيار والآلات من الخارج مقابل انتاج ضعيف لا يغطي احتياجات السوق المحلية.

ووظف النظام الجزائري فائض الايرادات النفطية في فترة طفرة الاسعار (نحو 100 دولار للبرميل) في شراء الولاءات لاحتواء التوترات الاجتماعية، لكن الأزمة المالية دفعته لتقليص ما يخصصه لصناديق كان أنشأها خصيصا لشراء السلم الاجتماعي.

ويرى المحللون أن علّة الجزائر في نظامها وسياساتها التي أفضت في النهاية الى توترات سياسية واجتماعية آخذة في التفاقم منذرة بانفجار يصعب السيطرة عليه.

ويؤكد هؤلاء ان من علل الجزائر ايضا الفساد الذي ضرب معظم القطاعات الحيوية ومؤسسات الدولة.

ومن المفارقات أن هناك تغطية سياسية للفاسدين، حيث يرى المحللون أن من يقدمون للقضاء هم في الاصل كباش فداء وأن كبار المسؤولين يفلتون من العقاب.

ويجادل هؤلاء بأن الحكومة الجزائرية هي الحكومة الوحيدة التي دافعت عن وزير الصناعة عبدالسلام بوشوارب الذي ورد اسمه في وثائق بنما للمسؤولين في العالم الذين هربوا أموالا لجنات ضريبية.

والأمر لا يقتصر على بوشوارب، فابنة رئيس الوزراء عبدالملك سلال ورد اسمها أيضا ضمن من هربوا أموالا وأقاموا شركات اوف شور في الخارج.

ويخلص هؤلاء الى أن السلطة الجزائرية غارقة من أخمس قدمها حتى رأسها في الفساد وهو ما يضع الجزائر على حافة انهيار مالي.

لكن الحكومة تقلل من تلك التقارير والتحليلات وتعتقد أن كل ما يكتب حول الفساد والأزمة المالية الخانقة مؤامرة خارجية وهي مبررات تكررها السلطة منذ عقود.

ويعد محمد لوكال محافظ البنك المركزي الجديد خبيرا ماليا ومصرفيا، حيث كان عضو مجلس إدارة عدد من البنوك منها بنك ما بين القارات العربية الجزائري الليبي في باريس. ونقلت صحيفة الخبر المحلية الاربعاء عن رئيس اللجنة المالية في البرلمان الجزائري محجوب بدة قوله، إن التغيير على رأس بنك البنوك (البنك المركزي) حتمي وأن البنك المركزي ينتظره عدة رهانات وتحديات يتعين مواجهتها.

واشار الى أن من بين هذه التحديات تطوير ودعم فعالية البنوك التجارية والتحكم في سياسات الصرف وإعادة النظر في التركيبة البشرية لبنك الجزائر وتدعيم الرأسمال البشري.

واكد حتمية "ضبط السياسة النقدية بما يكفل تجاوز مرحلة الأزمة التي يواجهها الاقتصاد الجزائري، التي أدت إلى بروز اختلالات في ميزان المدفوعات ونضوب شبه كلي لصندوق ضبط الموارد ومراجعة منحة السفر، وهي ملفات ينتظر أن توضع على طاولة المحافظ الجديد لبنك الجزائر"، بحسب الصحيفة المحلية.

لكن خبراء اقتصاد قللوا من أهمية هذا التعيين، موضحين أن أزمة الجزائر المالية والاقتصادية لن تحل باستبدال أشخاص بأشخاص بل في نظام سياسي مهترئ لم يواكب التغيرات العالمية النقدية والسياسية واكتفى بالمراهنة المفرطة على ايرادات الطاقة.