البحث عن دور المجتمع المدني في تجديد الخطاب الثقافي

صلة سهلة ومعقدة بين الثقافة والإبداع الأدبي

بدأت فعاليات الجلسة الأولى لملتقى تجديد الخطاب الثقافي الذي يعقده المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، فى اليوم الثاني على التوالي وترأسها د. فرحان صالح، وأشار د. أحمد زايد في بحثه الى الحاجة لتجديد منظومة القيم الثقافية, تغير منظومات القيم في مجتمعات العالم وتعرضها للتحليل والاستبدال والإحلال.

واتخذ هذا التغير طريقين: الأول هو تحول القيم من المعنوية إلى المادية، والثاني هو تحويل القيم من الجمعية إلى الفردية، ولا ينطبق هذا التغير على المجتمعات المتقدمة، وطال هذا التغير المجتمع المصري أيضا، مؤكدا أن الدراسات والبحوث التي أجريت في المجتمع المصري قد تعرضت لموجات كبيرة من التغير، وعلى ذلك تصبح الحاجة ماسة لفهم عمق ونطاق التغير, بالإضافة إلى الحاجة لخلق إجماع حول الأطر الثقافية التي تدفع المجتمع إلى الإمام.

مشدداً إلى أهمية العمل على تحديث منظومة القيم وإعادة بنائها في إطار تجديد المنظومة الثقافية, فنحن بحاجة إلى رسم سياسات ثقافية جديدة لحل المشكلات ووضع آليات حديثة.

وتحدث د. أنور مغيث عن ضرورة التميز بين النقد والتذمر دائما، وتنطلق كلمة النقد على ظواهر متعددة وانتشرت كلمة النقد انتشارا في الثقافة المعاصرة، وهنا نتساءل ما المقصود بالمنهج النقدي؟ هو تحديد مجال اختصاصي عمل العقل فانتشرت هذه الفكرة فأصبح النقد مهما في مجالات عدة, مؤكداً أن الثقافات تتغير, وهذا التغير يحدث في الغالب بصورة باطنة تدريجية ولا شعورية، ولكن في بعض الازمات يصبح هذا التغير ضروريا، وهذا هو حالنا في مصر الآن، فالجميع أصبح يدرك عدم ملائمة ثقافتنا للعصر الذي نعيش فيه وأصبح الجميع ينادى بضرورة التجديد.

وتحدثت د. رشا ناصر العلي عن الخطاب النقدي إلى ربط الإبداع بأنساق الثقافة، بمعنى وضع الخطاب الأدبي في سياقه الثقافي الذي انتجة، وأشارت إلى ظهور بعض المصطلحات، ومنها الأدب النسوي، النقد النسوي، وذلك رد فعل لموروثات ثقافية لم تحظ فيها الأنثى بالمكانة الصحيحة بمقاربة المفهوم التراثي للثقافة.

وأشارت إلى ضرورة الاحتراس من المفهوم المغلوط للمعاصرة الذي يسقط في حباله بعض الدارسين والمبدعين وتعنى بذلك (معاصرة النقل) وهي نقل النموذج العصري من الثقافات والبيانات غير العربية وإعادة عزمها في الواقع العربي دون النظر إلى خصوصية هذا الواقع.

وتحدث د. عبدالرحيم العلام عن دور المجتمع المدني في تجديد الخطاب الثقافي حيث إنه يساهم المجتمع المدني في المغرب بقوة وبشكل مؤثر في تحريك الثقافة وتنشيط الحقل الثقافي والسياسي والحقوقي والاجتماعي في البلاد، مؤكدا تعدد هيئات المجتمع المدني وتنوع أشكال حضوره وتدخله في المجال الثقافي بشكل خاص بإبراز بعض تجليات هذا الحضور المؤثر للمجتمع الثقافي المدني خاصة على مستوى اسهامه في التأسيس لخطاب ثقافي جديد فى المغرب, وأشارت إلى إسهامات اتحاد كتاب المغرب التي تندرج في تعدد إشكال تدخلاته المصاحبة لأي إصلاح ثقافي أو نقل ثقافي أو تنوع مخاطبيه.

• "العرب والمسلمون... ثلاثة مشاهد فى الخطابات الأيديولوجية الغربية"

ثم اُقيمت الجلسة الثانية (أ) من فعاليات اليوم الثاني لملتقى "تجديد الخطاب الثقافي" الدولى، وأدارها د. جورج سعادة، بمشاركة كل من: زينب عفيفى، ود. سعد حسن كموني، و د. فرحان صالح، و د. محسن توفيق, عبدالجبار الضحاك.

وجه د. جورج سعادة التحية للحضور وللقائمين على الملتقى، ثم تناولت زينب عفيفي، التى شاركت بورقة بحثية عنوانها: "الفلسفة والثقافة في عالم متغير"، حيث دار حديثها في ثلاثة محاور وهي: الفلسفة عبر تحولاتها التاريخية والرؤية العصرية لها، ومفهوم الفلسفة وعلاقته بالثقافة والحضارة في عالم متغير، ونحو فلسفة عصرية تؤسس لهوية ثقافية وتؤصل للمواطنة والانتماء.

ثم تحدث د. سعد حسن كموني الذي شارك ببحث عنوانه: "الاتباعيّة بين القرآن الكريم والسنّة"، قائلًا: يشكّل الإسلام مكوّنًا أساسيًا للثقافة العربيّة، الأمر الذي يجعل العملَ التحديثيّ قاصرًا ما لم يبدأ بمعاينة النصوص الإسلامية بهدف الكشف عن علل الركود الحضاري، والعجز عن الاستفادة من منجزات العصر على كلّ المستويات، وبالتالي العجز عن الإسهام في الحضارة الإنسانية من موقع الاقتدار.

إننا نلاحظُ هيمنةَ نصوص الحديث الشريف والسنة النبويّة، وتراجع مرتبة القرآن الكريم؛ وأنّ السنّةَ النبويّة تكرّس الاتباعية، بينما القرآن الكريم يحرض العقل والفكر في كل اتجاه، وأنَّ النهوض الحضاريّ لا يمكن له أن يكون بالاتباع بل بالإبداع؛ فإنّ الإشكالية الناجمةَ عن هذا الأمر تعبّر عن نفسها بالسؤال الآتي: كيف يمكن للقرآن الكريم، أنْ يأخذَ على العرب اتّباعهم ما ألفَوا عليه آباءَهم، دون تبصّرٍ منهم، فيما لو كان هؤلاء الآباء يعقلون أو لا يعقلون، يهتدون أو لا يهتدون، وفي الوقت نفسه يؤسَّس إسلاميًا لاتّباعيّةٍ يكونُ فيها الآباءُ الرسولَ وصحبَه وآلَ بيته والتابعين وتابعى التابعين".

وأفترض أن التعامل مع هذه الإشكاليّة سيفضى إلى معانٍ أخرى للعلامة اللغوية الدالة على وجوب طاعة الرسول، بردِّ هذه العلامة اللغويّة إلى مظانّها في النص القرآنى، ومعاينتها في سياقها وبيئتها اللفظيّة والدلاليّة، معتمدًا منهج التحليل الوصفي والسيميائي، مشيرًا إلى أن البحث لا يتوخى دحض السنة أو إثباتها، بل يحاول فهمها، بهدف إعادة تشكيل مكونات العقل العربي بما يؤهلُه للتطلّع نحو حياةٍ جديدة تمكّن العربيّ من الإسهام الفعال في الحياة الإنسانيّة.

عقب هذا كلمة د. فرحان صالح، وقد شارك ببحث عنوانه: "العرب والمسلمون... ثلاثة مشاهد في الخطابات الأيديولوجية الغربية"، حيث أكد أنّ مكوّنات فكر التنوير غارقة في القدم، وإن كانت عملية تركيبها جديدة، إلا أنّها تظل خلاصة الماضي المتعدّد والمتنوّع في خياراته وتوجهاته التاريخية، وليست نتاجًا لعصر التنوير، بل إنها خلاصة أفكار مدارس فكرية ما تزال تتصارع إلى اليوم، وقد اتّسم عصر التنوير بالعقلانية والتجريدية، كما أنّ رواد التنوير هم ورثة تشريعات حمورابي، وابن رشد، كما أنهم ورثة ديكارت، ولوك.

وانطلاقًا وتأسيسًا من هذه الخلاصات، أكد فرحان صالح أنه يرى أنّ الفكر التنويري كان خلاصة أفكار جاء بها المئات من المفكرين والشعراء والفنانين والفلاسفة، من مختلف الحضارات، تلك الأفكار التي أصبحت مشاعًا تنهل منها البشرية ما تشاء.

أما الذين يقولون بنهاية عصر التنوير، والتشكيك بالمفاهيم التي أتى بها مفكرو ذلك العصر، فيخلطون بين ما دعا إليه مفكرو ذلك العصر، وبين ما يدعو إليه مفكرو أوروبا والولايات المتحدة اليوم، ولقد تباينت المواقف السياسية والاجتماعية بين مصالح الشرق ومصالح الغرب، لكن أيضًا بين مصالح الدول الغربية ذاتها، وهذا ما نراه في الاهتزازات التى يشهدها الموقع الحضاري الغربي ضمن أوروبا ذاتها وبين أوروبا والولايات المتحدة، كما أنّ هذه الاهتزازات التي يعتقد البعض أنها وليدة النظام الرأسمالي، هي ذاتها ما تعرفه دول الشرق في علاقاتها مع بعضها البعض، وفي علاقاتها مع الغرب.

ثم جاءت كلمة د. محسن توفيق الذي شارك ببحث عنوانه: "حراك الفلسفة والعلم والدين – تداعيات ثقافية"، حيث بدأ حديثه مؤكدًا أن الفلسفة قد شكلت بكل مذاهبها والعلوم بكل أنواعها واﻷديان بكل مصادرها سماوية كانت أم أرضية، المنابع الرئيسة للثقافة اﻹنسانية على مدى التاريخ البشري المسجل، ولقد ارتبط الحراك الثقافي للمجتمعات المختلفة بحراك هذه المنابع الفلسفية والعلمية والدينية وتفاعلاتها الديناميكية طبقًا لواقع المجتمع المعني وأهميتها كمصادر لثقافته، بما شكل المعرفة الكلية والفكر السائد ﻷعضائه، بل وللبشرية في مجموعها، وساهم في صنع التاريخ البشرى.

ثم تابع حديثه مؤكدًا أن أثر الهزة الفكرية العنيفة التي أعقبت ظهور نظريات النسبية والكم في أوائل القرن العشرين بما شكل عهدًا جديدًا للعلم في نظرته الجديدة "الكلية"، والتي تتسق مع الصوفية الدينية، والتداعيات الثقافية لظهور المذاهب العضوية وعلوم اﻹيكولوجيا، والسيبرنطيقا، والنظرية العامة للمنظومات، ونظريات التعقيد شاملة نظريتى الفوضى وهندسة الفراكتلات.

واختتم حديثه بمحاولة تتبع تطور نمو تطبيقات نظرية المنظومات في مناحى العلوم وتطبيقاتها الحياتية وتفاعلاتها مع المصادر الفلسفية والدينية في المجتمعات المختلفة أو على المستوى اﻹنساني الكلي في محاولة لاستشراف ما قد تؤدى إليه من تحولات ثقافية جديدة، ولذا نحتاج بشدة أن نعمل بكل جهد على تجديد خطابنا الثقافي.

• تجديد الخطاب الثقافى والإدارة الثقافية

وحول تجديد الخطاب الثقافي وعلاقته بالإدارة الثقافية, عقدت الجلسة الثانية لليوم الثاني من الملتقى الدولي لتجديد الخطاب الثقافي وشارك بها كل من المخرج أحمد العطار والمسرحي عمر المعتز بالله, شمس الدين يونس، يوسف المحيميد وأدارها د. سعود قبيلات.

بدأ الحديث المخرج أحمد العطار بنبذه سريعة عن تعريف الإدارة الثقافية، وأوضح أن البلاد العربية تعاني من غياب تلك الإدارة، وأن المنتج الثقافي في تركيبته المتحركة يحتاج لها, وأضاف أننا بحاجة لبرنامج دراسة الإدارة الثقافية، وأن وزراة الثقافة يجب ان تأخذ به كمنهج لأن ذلك سيعظم من دورها وأثرها.

وأكد أنه يوجد الكثير من التحديات الثقافية التي تواجه مصر وباقي الدول العربية يمكن أن تتم معالجتها من خلال الاهتمام بالإدارة الثقافية، ولكن للأسف فإن العالم العربي يعاني من تأخر خطير في هذا المجال مما يهدد باستمرار القصور الموجود حاليًا في العمل الثقافي, وأنهى حديثه بأن أكبر التحديات التي تواجه إدارة تطور العمل الثقافي ووضح إشكاليات تطير العمل الثقافى في ثلاثة محاور وهي التعليمي، العملي، التشريعي.

ثم تحدث د. خالد عزب عن الثقافة وكيقية ثرائها وعن الحراك الثقافى وضرورته, مشيرا لنقاط عدة منها مركزية الثقافة في القاهرة، والمراكز الثقافية والمتاحف، والمكتبات، ومؤسسات المجتمع المدني.

وأكد على ضرورة إعادة هيكلة وزراة الثقافة والجدية في التطوير ونقل تبعية المجمع اللغوي لوزراة الثقافة، مع ضرورة إرغام الإعلام العام والخاص على بث البرامج الثقافية في أوقات الذروة, وأضاف أن توثيق ونشر التراث الشعبي من الضرورات الملحة الآن, مؤكداً أن الإبداع في مصر والمبدعين بدءًا من الحرف التقليدية إلى الفن التشكيلي والموسيقى والغناء يعانون من سوء تسويق إبداعهم في وقت يمثل هذا الإبداع في دول كثيرة قيمة مضافة للاقتصاد.

أما عن مشاكل الثقافة في السودان وغياب الرؤية الثقافية فقد تحدث شمس الدين يونس وأوضح أن السودان يعاني من غياب الإدارة الثقافية ومن كثرة تغيير الوزارة حيث كل فترة تستقل وفترات أخرى تتبع وزارات أخرى، وأن المشاكل الكبرى هناك تكمن في غياب الأنماط الثقافية المنفتحة بجانب غياب التشريعات الثقافية.

المسرحي عمر المعتز بالله ربط حديثه عن تجديد الخطاب الثقافي بالخطاب الديني وما حدث في الصعيد بقرية أبو الكرم وتعرض أيضا لغياب الفكر بوجه عام، وأكد أن الثقافة منعزلة، وأن العمل الإبداعي جزء لا يتجزأ من المنظومة الثقافية الإقتصادية لأي بلد كان.

أما د. يوسف المحميد فقد تناول بورقته البحثية "إدارة العمل الثقافي واشكالياته في المملكة العربية السعودية" الوضع الثقافى السعودي قائلا: لا شك أن العمل الثقافي في كثير من دول العالم يحقق نجاحه، عبر عاملين رئيسين، هما اهتمام حكومات هذه الدول بالثقافة ومنحها مكانتها التي تستحقها، وإدارة العمل الثقافي من خلال مثقفين أكفاء، مؤهلين علميًّا وعمليًا، لتحقيق إنجازات مهمة تستطيع تشكيل الوعي والوجدان المجتمعي، من هنا يمكن القول إن نجاح العمل الثقافي في السعودية تعترضه ثلاثة إشكاليات، أو صعوبات رئيسة.

• الحقوق الثقاقية والإعلامية في ضوء متغيرات العصر

بدأت فعاليات الجلسة الثالثة (ا) لليوم الثاني على التوالي من الملتقى الدولي لتجديد الخطاب الثقافي في دورته الأولى بالمجلس الأعلى للثقافة بمشاركة د. فتحي أبو العينين ود. قدري حفني، د. منى سعيد الحديدي، د.نبيل سليمان، د. يحي خلف وترأست الجلسة د. وفاء صندي التي بدأت حديثها معربة عن سعادتها للانضمام لأحدى فعاليات ملتقى الخطاب الثقافي, متمنية أن تكون هذه الجلسة نموذجا مشرفا للوصول إلى إجابات العديد من الأسئلة المطروحة حول الثقافة وعلاقتها بالمثقف وأن نقيم ونحلل ونرصد الأوضاع الثقافية العربية بالمجتمع العربي وطرح مجموعة من الأسئلة حول الثقافة والتعليم والثقافة والتشريع وغيرها.

وناقشت د. منى سعيد الحديدي موضوع الحقوق الثقافية والإعلامية في ضوء متغيرات العصر, مؤكدة أن النظم السياسية اجمعت على مختلف أشكالها وأيديولوجياتها في عصرنا الحديث على اعتبار أن توفير التعليم هو حق أساسي للمواطنين، وأن المسئولية الأساسية في توفير فرص التعليم تقع على عاتق الحكومات، إلا أنه في ضوء متغيرات العصر، أصبحت الثقافة والإعلام من مكونات الحقوق الأساسية للحياة الكريمة العصرية، وانطلاقًا من هذا نهدف إلى إبراز أهمية "الحقوق الثقافية والإعلامية ودورها المحوري في توفير الخطاب الثقافي المنشود بما يلائم المجتمع، متناولا العديد من النقاط الهامة، وهي ماهية الحقوق الثقافية والإعلامية وأهميتها، وأيضا الانتقادات الموجهة للحالة المصرية فيما يخص تمكين كل قطاعات المجتمع من الحقوق الثقافية والإعلامية.

كما أشارت الحديدي إلى العديد من المصطلحات حول الثقافة والهوية الثقافية والحقوق الاتصالية والإعلامية، واختتمت كلماتها بالدعوة إلى التأكيد على أهمية النظرة التكاملية لحقوق الإنسان وإعطاء مزيد من الاهتمام للحقوق الثقافية والإعلامية في كل الأنشطة والمجالات. واعتبار حقوق الإنسان الثقافية والإعلامية أحد محاور خطط عمل الحكومة ككل للدولة وليس مجرد قضية أو ملف منفرد لوزارة أو مسئول بعينه أو موضوعًا موسميًا. وضرورة تفعيل مبدأ حق المشاركة الثقافية والإعلامية في اتخاذ القرار وفي تصميم البرامج وتنفيذها وتقييمها.

وأشار د. نبيل سليمان إلى ضرورة التمعن حول لوحة الفسيفساء بالمجتمع الثقافي السوري عبر التاريخ الحديث والمعاصر فى أواخر القرن الماضي، فقد عُرفتْ سوريا في القرن العشرين بغلبة الثقافة القومية العربية، الموحدة للمجتمع والمتفاعلة مع الثقافات العالمية, ولكن بدأت ثقافات المكونات التحتية تخرّب الفسيفساء المجتمعية لسوريا في السنوات الأخيرة، محاولا رصد مواقف بعض المثقفين خلال الخمس سنوات الماضية خاصة الموالية للنظام، مستعرضا للعديد من الثقافات المستحدثة منها عملية الطفح الغنائي الموالي والمعارض خلال السنوات الماضية وازدهار فن المقال بأصوات كاتبات وكتّاب جدد مقابل ضمور الأبحاث والمؤلفات، أيضا رصد لقضية الثقافة الطائفية وتجارب التهجير للشعب السوري بالإضافة إلى اتساع النشاط الثقافي التكنولوجي الغالب على العصر.

في حين أشار د. يحي يخلف الى حقوق المواطن الثقافية في العالم العربي إذ انه طرح مجموعة من الإشكاليات تستوجب برنامجا تنفيذيا وجهدا إبداعيا خّلاقا، مستعرضاً بحث سبل كيفية تمكين المواطن من التمتع بالثقافة والمشاركة فيها، فلا بد أن يستند إلى مبدأ تعميق مجرى الثقافة العربية، وتجديد محتواها. حق الإنسان بالقدرة على المشاركة في الحياة الثقافية في الحدود التي يفرضها احترام حقوق الإنسان والحريات العامة. مؤكدا على أهمية وضرورة وجود التنوع الثقافي الذي يحترم ثقافة الأقليات، ويدافع عن الثقافات المهددة، ويدعم التفاعل والتعايش بين الأفراد والمجموعات ذات الهويات الثقافية المتعددة المتنوعة في إطار التلاحم الاجتماعي وحيوية المجتمعات المدنية.

بالإضافة إلى إتاحة الفرصة لكل الثقافات في أن تكون حاضرة، وكل إبداع يغتني ويتطور بالاتصال مع الثقافات الأخرى، وضرورة رعاية الدولة للمنتج الثقافي، والممتلكات الثقافية، وتشجيع ودعم المجتمع المدني للقيام بدوره في نشر وتعميم المعرفة وحماية الحقوق الثقافية من خلال تشريعات وقوانين.

وأشار د. فتحى أبو العينين إلى الصلة السهلة والمعقدة بين الثقافة والإبداع الأدبي، فالثقافة موضوع قديم ومتجدد فمنذ منتصف القرن الـ 19 وجدت الثقافة نفسها ساكنة للعقل العربي وطرحت نفسها على المفكرين المصريين طالبا الإجابة على تساؤلات مهمة تتصل بطبيعة الأنا والأخر والهوية، والحقيقة أن الأدب العربي كان ولا يزال يتضافر ويتداخل مع الثقافة العربية باعتبارها ترفض الأدب وتمده بالعناصر الضرورية للحياة، مشيرا إلى ما تواجهه الثقافة المصرية والعربية من تحديات بعضها خارجي وداخلي كالفقر والجهل، ما قام بتسليط الضوء حول مصطلح كلمة الثقافة ومشتقاتها فهي كلمة ملغمة تحمل تأويلات وأقاويل عدة وأيضا العلاقة بين الثقافة والمثقف المبدع.

وتناول د. قدري حفني ضرورة الحصول على المعلومات فهي حق للمواطن وشرط للتقدم العلمي والثقافي, مؤكدا إن قدرات المتخصصين في العلوم الإنسانية على التنبؤ بمستقبل بلادنا يكاد يكون مستحيلاً في ظل استمرار سياسة حجب المعلومات، فلا يمكن أن نتصور عالمًا اجتماعيًا أو نفسيًا أو سياسيًا مهما كانت براعته يستطيع أن يتنبأ بمستقبل مشكلاتنا الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية دون أن يتوافر لديه القدر الضروري من المعلومات.

• تعلم الإبداع وتعليمه: ضرورة ثقافية

بدأت فعاليات الندوة الثالثة بالملتقى الدولي لتجديد الخطاب الثقافي بكلمة الدكتور أيمن عامر من بحثه والذي يحمل عنوان "تعلم الإبداع وتعليمه .. ضرورة ثقافية" والذي طرح سؤالا عن أنواع الإبداع المختلفة والذي قسمه على أنه نوعان: الإبداع بالإنتاجية والإبداع بالإمكانية. وقال إن الإنتاجي هو كل ما أنتجه المبدع وما تقاس معه قدرته علي الإبداع, أما الامكاني فهو سمات الإبداع الموجودة في كل فرد وغالبا ما تكون فطرية, مضيفاً أن أي منتج إبداعي يجب ان يخرج من المجتمع ويصب في المجتمع وبأن الابداع لا يفنى ولا يستحدث من عدم, لذا فإننا نراه في كثير من الحالات يتحول من صورة إلى صورة أخري.

وأكد على ضرورة التعرف على السياق النفسي الاجتماعي للابداع، ومن ثم خلق السمات المهيئه له وصقلها مع ضرورة احتضان المبدع وتوفير نماذج القدوة والاقتداء له.

وعن التربية ودورها في الإصلاح والتجديد تحدث الدكتور زاهي ناضر عن بحثه " إشكاليات التغيير التربوي في العالم العربي" والذي وصف فيه التربية بأنها البداية الصحيحة اذ أردنا بحق التغيير, واضاف ان المدرسة ليست فقط المكان المنوط به التعليم فهناك التربية الدينية والتي لها التأثير الكبير في بناء الشخصية، كذلك وسائل الإعلام وما ترسخه من مفاهيم، ولكنه كما اشار إلى انه اهتم في بحثه بالتربية المدرسية والمعوقات التي تعيق التطور التربوي من مسايرة المعاصرة.

ومن أهم تلك المعوقات انعكاس ايدلوجيات كثيرة في مسيرتها التربوية منها ما هو ديني وما هو سياسي واحيانا انعكاسات حزبية، وأكد بأن المعوق الأخطر هو محاولات التجهيز على دورها التطلعي واعادتها للوراء وخاصة في البلدان التي لها طابع إسلامي متشدد والتي ترى دائما كما وصفها بأنها تمتلك اليقين والحقيقة.

كذلك انتشار المنهج البطرياركي والذي يقوم على مبدأ الاب لكل شيء للبيت والعمل والحياة السياسية والتي لا بد من مواجهته بمناخ ديمقراطي شامل يسود مجتمعاتنا والا لا سبيل لتحقيق تجديد في اي شيء نريده.

وعن محو الإمية وخطورتها على التجديد والتنمية تحدث الدكتور شريف الجيار في بحثه "الثقافة ومحو الإمية في المجتمع المصري ... خطة خمسية" وقال إننا بحاجة الان لبناء إنسان عربي قوي، وهذا لن يأتي في وجود مشكلة بحجم الأمية وعن مشروعه أكد انه نتاج ادراكه لخطورة الامية التي تعد المشكلة الرئيسية في مصر وانه لا فائدة في الحديث عن تنمية دون الاهتمام بتنمية البشر.

وعن بيان جهاز التعبئة والاحصاء لسنة ٢٠١٥ الذي أكد على ان معدل الإمية بين الشباب انخفض بالمقارنة بمعدل أمية الكبار، وهذا كما وصفه يعد مؤشرا ايجابيا. وعن مشروعه تحدث الجيار أن شباب الجماعات قوة لا يستهان بها، فلماذا لا تضع وزارة التعليم العالي مادة في السنة الثالثة تسمي (محو الإمية) وتكون مادة ملزمة يقوم اساتذة من كليات الاداب والتربية بتدريسها، وفي السنة الرابعة يقوم الطلاب بتطبيقها, واضاف ان تلك الفكرة ستضمن ان كل طالب سوف يمحو امية عشرين او ثلاثين فرد في القرى والمحافظات، ويجب ان يسبق هذا تقديم احصائيات فعلية عن عدد الاميين لتوزيع الاعداد على الكليات واعداد برنامج زمني لتفيذ الفكرة.

كما اشار الجيار إلى أهمية الهيئة العامة لقصور الثقافة وضرورة الاستفادة من قصور الثقافة المنتشرة في ربوع مصر في تبني هذا المشروع.

وعن عزلة الجماعات والمدارس عن الجماهير تحدث سعيد مضية الى ما تخرجه المؤسسات التعليمية من أناس ليس لديهم انتماء حقيقي لأوطانهم ووصف التربية بأنها اداة اجتماعية لا بد ان تخرج لنا ما نصبو إليه واوضح مضية بأن مشكلة المقاومة الفلسطنية هي العشوائية وعدم استخدام القيم العلمية ومنهجية العلم في تلك المقاومة.

وعن الثقافة والتعليم تحدث الدكتور عبدالرحمن حجازي في بحثه "الثقافة والتعليم في العالم العربي" والذي أكد فيه على أن تجديد الخطاب الثقافي لن يتم الا بربطه بالتعليم، فالبداية لا بد أن تكون من المؤسسة التعليمية والذي من خلاله كما قال سيتم الفهم الصحيح لمصطلح "الذات والآخر".