'الجودليون والدوشكيون' الجدد وضياع الأمة

مما يؤسف عليه حقا ان الثورة المصرية سوقت مصطلح "حزب الكنبة" خطأ على انه حزب الأغلبية الصامتة من عامة الشعب التي ألفت الجلوس على "الكنبة" مصريا او "القنفة" عراقيا وهم يراقبون شاشات التلفزة عن كثب وتقليب القنوات من خلال الريموت كونترول من دون ان يحركوا ساكنا على ارض الواقع ومن دون ان يلقوا في البحيرة الراكدة والآسنة الى حد العفن ولو حجرا صغيرا بغية تحريكها لدقائق معدودة على اقل تقدير.

اما في قاموسي فان حزب القنفة او الكنبة او الأغلبية الصامتة الإنبطاحية هم ليسوا عوام الناس، لالالالا وإنما خواصهم وقياداتهم! تلك القيادات "البيروقراطية" التي تأنف الخروج الى الهواء الطلق الى درجة التشكيك في وجودها داخل العراق اصلا بمثل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد. القيادات التي تستهجن النزول الى الشارع لأن عوام الجماهير دون مستواها علما وفهما ووعيا وإدراكا ونسبا وقدسية على وفق مفهومها وووووثراء. القيادات التي تعشق الى حد الوله ولا اريد ان اقول التأليه جهاز التكييف السبلت يونت وتعشق الكهرباء بشقيها الوطنية واللاوطنية الى درجة الإدمان عليها وعدم القدرة على التحرك ولو لأمتار بعيدا عن نسائمها العذبة. القيادات التي تعشق التنظير والتفلسف والفتيا من خلال الجلوس على الكنبة طويلا الى حد التهاب البواسير والناسور والإصابة بالروماتزم الذي ضمنوا علاجه بأموال الشعب في حال اصابتهم بأحدها في ارقى مستشفيات اربيل وعمان ودبي ولندن وبرلين وطهران، لأن مدينة الطب ومستشفى الكاظمية والكندي والنعمان وإبن البيطار وابن الهيثم وبقية المؤسسات الصحية – التعبانة - التي يساق اليها اولاد الخايبة للعلاج ومن ثم تسليم جثث ثلثهم خلال أيام بأربعين الف دينار الى ذويهم، هي مستشفيات دون مستواها. القيادات التي لا تراها الا من خلال الصور الفوتوغرافية التي تلتقطها عدسات المصورين الشخصيين لهم وليس الإعلاميين. القيادات التي لم تشاهد يوما ولو مع "كنبتها"، ولو مع "جودليتها"، ولو مع "دواشكها" في خيام النازحين لا صيفا ولا شتاء..لا في عشوائيات المهجرين والمشردين لا ربيعا ولا خريفا... لا في مستشفيات المسحوقين ولا في دور الأيتام والمسنين.. لا في زنزانات الأبرياء من المعتقلين ممن ألقي القبض عليهم بدعاوى المخبرين السريين ومكائد شهود الزور الكيديين ولا في مراكز تأهيل الجرحى والمعاقين.. لا في أحياء الفقراء والمحرومين ولا في مساطر العمال والعاطلين.... لا في مدارس الأميين ولا في كامبات اللاجئين...لا في المساجد مع المصلين ولا في المولات مع اللاهين...لا في مجالس عزاء المعزين ولا في افراح المحتفلين.. لا في معسكرات التدريب ولا في ميادين القتال مع المقاتلين.

انهم البيروقراطيون الكنبيون الذين يؤلفون كتبا لبيعها بأعلى اسعار متاحة لجني أكبر أرباح ممكنة في تنمية طاقات الأمة، نهضة الأمة، صلاح الأمة، توجيه الأمة، نصح الأمة، نصرة الأمة، توحيد الأمة، رفعة الأمة، طهارة الأمة، غسل جنابة الأمة، نكاح الأمة. مؤلفات ومصنفات عبارة عن إعداد لا أكثر ولا أقل وإجترار لما صنف فيه الأقدمون آلاف المجلدات، مع ان قراءهم واتباعهم ومريديهم وكما قال احد البغادة "إشتعلت أم..أمه".

لقد فات هؤلاء ان "التخمة أشد فتكاً من الجوع" كما يقول الألمان "، و"كان الله في عون الغنم مادام الذئب قاضياً لها" كما يقول الدنماركيون، يصدق فيهم ما قاله الأديب الروسي الشهير ليو تولستوي مع بعض التغيير "انهم يفكرون في تغيير العالم إلا أن أحدا منهم لا يفكر في تغيير نفسه". والحديث يطول عن الكنبييين والقنفيين والسكمليين والكرويتيين والمصطبيين والكراسيين والجودليين والدوشكيين وبقية مقاعد الجلوس والإنبطاح البيروقراطية العلوية منها والسفلية، المعروفة وغير المعروفة، ممن أضاعوا الأمة وشتتوها الى فرق وطوائف متناحرة فيما بينها يقتل بعضها بعضا، ويظلم بعضها بعضا، وينقلب بعضها على بعض، بمساندة وتمويل ذات الأعداء ومن ولاهم، ممن يحتضنون معارضة سياسية كانت في سدة السلطة بعد الإنقلاب عليها ليودعوا أخرى بدلا منها الى نعيم السلطة في ذات الفنادق والصالات والقاعات والنوادي الليلية التي مخر فيها من كان قبلهم، لا تذهبوا بعيدا "نص طخم" من أقرب مزاد علني تباع فيه الوطنية والمواطنة وتشترى بأبخس الأثمان تحت يافطة "هذا من فضل ربي" وراجعين. اودعناكم اغاتي.