إبن نوح والحجاج والخراب الإداري

يروى عن الحجاج بن يوسف الثقفي، انه قرأ في سورة هود، الآية القرآنية التي تقول "يا نوح انه ليس من اهلك، انه عمل غير صالح". وقد التبس عليه معنى كلمة "عمل"، لانها اذا ما تم تحريكها تعطي معان اخرى مختلفة، فبعث بأحد حراسه الى رجل معروف بقراءته القرآن وتفقهه فيه، ليأتي به اليه. لكن الحجاج غادر المجلس لأمر ما، فلم يجد الحرّاس سوى ان يحبسوا هذا الرجل، لأن سيدهم المعروف ببطشه قد أمر باحضاره.

نسي الحجاج حكاية الآية وانشغل عنها، ونسي الحراس ايضاً هذا الرجل المسكين، حتى مضى عليه في السجن اكثر من ستة اشهر، قبل ان يعرض على الحجاج ليقرر امره، بصفته أحد المسجونين طبعاً، وحين مثل امامه، سأله الحجاج؛ فيم حبست يا هذا؟ أو لماذا انت مسجون؟ فقال له الرجل: في ابن نوح، اصلح الله الامير!

يقال ان الحجاج اطلق سراح الرجل، ولا ندري ان كان قد سأله عن معنى كلمة "عمل" التي جلبت عليه هذه المصيبة ام لا. لكن الذي يعنينا من هذا، هو ان اخلاق الحكام تكون لها بصمة واضحة على حاشيتهم وحراسهم والمقربين منهم، لأن هؤلاء اذا كان مسؤولهم حسن الخلق وتهمّه خدمة الناس، قرّب اليه من يؤازره على ذلك وعمل على اصلاح السيئ والمتقاعس من مرؤوسيه. ومن لم ينسجم منهم مع هذا الواقع يبعد

ولم يعد من المقربين. واذا كان المسؤول او الحاكم، سيئ الخلق وفاسدا، قرّب اليه الفاسدين وافسد الذين لديهم استعداد لذلك، ومن لم ينسجم مع هذا الامر يبعد نفسه عن دائرة السوء، ما استطاع الى ذلك سبيلا. وهكذا حدثتنا سيرة الحكم في مختلف انحاء العالم، ومنذ بدء الخليقة حتى اليوم.

في واقعنا العراقي اليوم ما يشبه تلك الحادثة، ليس من جهة التفاصيل طبعا، اذ ان المسؤول في اية دائرة عندما يأتيها، يعمد الى جعل طاقم الادارة، او المقربين منه، يشبهون تفكيره، او ان يكونوا من حزبه، وهذا الامر اوجد ما يمكن تسميته بثقافة التكتلات. بذلك يصبح مصير هذه الجماعة مرتبطا بمصير مسؤولها ويغدو وجودها او نفوذها من نفوذه، بعد ان تنصبغ جميعها بصبغته، لا سيما اذا كان المسؤول فاسدا ويستعين بشلته على تنفيذ ما يريد، ليجد هؤلاء انفسهم وقد تورطوا معه.

السبب هو غياب المعيار المؤسسي، الذي كان سائداً في السابق، حيث كان المسؤول الذي يأتي الى اية وزارة او مؤسسة، لا يحق له إحداث تغيير كبير في طاقمها الاداري ولا تتجاوز تغييراته السكرتير او مدير المكتب، في اقصى الحالات. اما اليوم فالتغيير يكاد يكون شاملاً وبما يتلاءم ومزاج هذا المسؤول ويعكس خلفيته الحزبية او المناطقية.

ان واقعنا اليوم لا يتغير إلا بتغيير هذه الثقافة من خلال اصلاح الطاقم الاداري للدولة، وبما ينسجم مع رغبة الشارع المطالب بالاصلاح الحقيقي، لأن هذا الواقع يمثل اقصى درجات ممارسة العنف ضد المواطن، كونه لا يستهدف فقط لقمة عيشه، بل ضميره الذي بات مدمى فعلا، نتيجة احساسه المستمر بالحيف، وهو ما لم تنتبه اليه اغلب القوى السياسية، ولم تدرس اسباب نزوع الشارع مؤخرا الى ممارسة العنف المضاد ضد مؤسسات الدولة التي بات المواطن يشعر انها لم تعد بخدمته وانما غدت اقطاعيات للاحزاب والكتل السياسية.

ما يؤسف له ان هذه الثقافة التي استشرت في سنوات ما بعد الاحتلال، خلقت نمطين متوازيين من التفكير. الاول لدى المسؤول الذي يتسلم المسؤولية ممثلا لحزب او كتلة، اذ في الغالب يرى ان سرقة المال العام مسألة طبيعية جدا، ولم يشعر بالحرج ازاءها، لان الكبار كرسوها وباتوا قدوة له. والنمط الآخر عند المواطن الذي صار يتعامل مع هذا الواقع وكأنه امر طبيعي ايضا، فصار لا يتحرج من القول وامام الناس من انه اعطى الرشوة من اجل التعيين او قضاء امر ما في دوائر الدولة!

الاصلاحات الحقيقية التي تنهي فوران الشارع وتعيد للدولة هيبتها، يجب ان لا تقتصر على الكابينة الوزارية وكبار المسؤولين، بل يجب ان تمتد الى جميع مفاصل الدولة وحلقاتها الادارية والفنية، كونها اصبحت مفاقس للفساد، والعمل وفق السياقات الاصيلة التي تأسست عليها الدولة منذ العشرينيات، لأن الشعب هو من يدفع ثمن هذا الخراب المتواصل.