حجاب النساء في إيران.. على قلق!

الشرطة الدينية تحذر من السفور

عبّر رجل الدين الإيراني وإمام جمعة مدينة بابل (شمال إيران): مجتبى روحاني، عن خشية المحافظين من تساهل الحكومة الإصلاحية مع ارتداء النساء الحجاب قائلاً: إن الحكومة لا تبدو قلقة من انقراض الحجاب في إيران. وانتقد مجتبى روحاني سياسات الرئيس الإيراني في مجال إلزام الأجهزة الحكومية بفرض الحجاب على النساء، وقال: إن "هذه الحكومة قلقة على جفاف بحيرة أرومية وانقراض بعض الحيوانات، لكنها ليست قلقة على انقراض الحجاب.

وتشعل قضية الحجاب صراعاً حاداً بين الإصلاحيين والمحافظين، حيث طالب (216) نائباً الحكومة في جلسة لمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، بتطبيق قانون "الحجاب والعفة" السالف الذكر، والذي يعزز صلاحيات الشرطة الدينية والباسيج، وأجهزة تابعة للأمن والحرس الثوري، التي تفضي إلى فرض ارتداء الحجاب الكامل على النساء في إيران. وكان الرئيس روحاني قد وعد خلال حملته الانتخابية عام 2013 بالعمل على منح المزيد من الحريات الثقافية والاجتماعية، وأعلن مخالفته لقانون "تعزيز الحجاب" الذي منح صلاحيات كبيرة لدعاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغالبيتهم من منتسبي الباسيج (التعبئة الشعبية) التابعة للحرس الثوري، أي المحافظين، للتدخل من أجل فرض الحجاب بالقوة.

وفي آخر دراسة حكومية صدرت في إيران حول الحجاب، في شهر مايو (أيار) 2015، أعلن محمد آغاسي (مدير مركز "إيسبا" لاستطلاع الرأي في إيران) أن (25%) من الشعب الإيراني فقط يرغبون بالحجاب وارتداء النساء للعباءة (التشادور). وأكد آغاسي أن نسبة النساء اللواتي يرتدين العباءة (التشادور) خلال السنوات الثماني الأخيرة، أي ما بين عامي 2007 و2015 انخفضت بنسبة (10%).

التهرب بغطاء خفيف

يفرض القانون الإيراني الحجاب على جميع النساء الإيرانيات، لكن أغلبهن يلتزمن فقط بارتداء غطاء رأس قصير يظهر الوجه والرقبة ويغطي الشعر جزئيا، بينما ترتدي الفتيات والمراهقات ملابس ضيقة وأكثر تحررا من التشادور أو المعطف الطويل الفضفاض، الأمر الذي يثير غضب المتشددين الذين يعتبرون هذا الأمر غزوا ثقافيا غربيا ينتهك التقاليد والأعراف.

بحسب آغاسي، فإنه وفقا لإحصائية أجريت عام 1975 في عهد الشاه (نظام ملكي علماني)، كان (75%) من الرجال يرغبون في الزواج من نساء، لكن في إحصاء أجري في 1995 في عهد الجمهورية الإسلامية (نظام ولاية الفقيه) انخفضت هذه النسبة إلى (36%). وبحسب مقارنة هذا المسؤول الإيراني حول الحجاب قبل وبعد الثورة، فإن "رغبة الناس في الحجاب واستعمال العباءة (التشادور) كغطاء للجسم، انخفضت بنسبة (50%) بين عامي 1975 (عهد الشاه) و2015 (عهد الجمهورية الإسلامية)، وفق ما نقله الموقع الرسمي لمركز "إيسبا". وعزا آغاسي هذه الأرقام إلى "التفكك الاجتماعي المطرد الذي يشهده المجتمع الإيراني".

تراجع التدين

وفي مؤشر على تراجع التديّن في الجمهورية الإسلامية في إيران بعد قيام النظام الإسلامي، ما أعلنه قائد "فيلق أنصار الحسين" التابع للحرس الثوري ورئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في محافظة همدان غربي إيران: غلام علي أبو حمزة، من أن ما يقارب (70%) من المساجد أغلقت في محافظة همدان بسبب عدم وجود المصلين. وأشار إلى أنه تتم إقامة الصلاة في (30%) إلى (35%) من مساجد المحافظة، ولصلاة المغرب والعشاء أو صلاة الظهر والعصر فقط.

هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وقد دأب التلفزيون الرسمي على لفت الانتباه إلى الحجاب، وانتشرت ملصقات تشبه النساء المحجبات بقطع الحلوى المُغطاة، في حين شبهت السافرات بقطع الحلوى المكشوفة التي يحوم حولها وفوقها الذباب. وقد أدت الحملة إلى نتائج عكسية، حيث قامت بعض الإيرانيات بنشر صورهن من دون حجاب على صفحات الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث اشتهرت صفحة على موقع فيسبوك لصحافية إيرانية مقيمة في الخارج، تنشر فيها صور إيرانيات ينزعن حجابهن أثناء وجودهن في إيران، وهو ما أدى إلى غضب عارم في قطاعات المحافظين. ففي مايو (أيار) 2014، أسست مسيح علي نجاد حركة اجتماعية عبر الإنترنت، وأسمتها "حُريتي المسلوبة"، كي تواجه ما أسمته "القمع الديني للسلطة الإيرانية"، فكانت تهدف إلى تغيير المفهوم الاجتماعي، ومنح المرأة الحق في اختيار ارتداء الحجاب من عدمه، حيث خصصت مساحة للنساء الإيرانيات كي يشاركن بصورهن من دون حجاب، مع سرد قصصٍ عن مواجهاتهن لفرضه عليهن. تقول مسيح: "ليس بإمكان أي أحد إخفاء أحد وجوه إيران مع إبراز الوجه الآخر على أنه الوجه الوحيد لها، هذا كذب. لإيران وجهان، أنا وأمي، فبينما ترغب هي في أن ترتدي الحجاب، أنا لا أريد أن أرتديه، ويجب أن تتسع إيران لكلينا". وعلى عكس المتوقع، لم تتلقَ الصفحة التي أنشأتها مسيح على موقع فيسبوك صورًا لرافضات الحجاب فقط، بل جاءت صورٌ لهن مع آبائهن أو أزواجهن الذين يساندوهن، وصورٌ أخرى لنساء مُحجبات، يدعمن حرية ارتداء الحجاب ويرفضن إجبار الأخريات على ارتدائه.

وفي إشارة على مدى انتشار ظاهرة السفور وعدم التقيّد بالحجاب، يقول إسماعيل أحمدي مُقدم (قائد قوات الأمن الوطني الإيرانية): إنه "خلال العام الماضي (2014) فقط، قامت الشرطة الإيرانية بتحذير، وتغريم، بل في بعض الحالات اعتقال، (3.6) ملايين سيدة إيرانية، بسبب أزيائهن غير المُحتشمة".

الضغوط على روحاني

في بداية عام 2014، وقع (195) نائبًا في البرلمان رسالة أرسلت إلى الرئيس حسن روحاني تحذر من تغيّر زي النساء في إيران، ومن "عواقب وخيمة يواجهها المجتمع الإيراني بسبب الهجمة الثقافية الغربية التي تسعى إلى تغيير أسلوب حياة الإيرانيين، لا سيّما من ناحية العفة والحجاب." لكن روحاني طلب من بعض "المتشددين" التوقف عن التدخل في حياة الناس، وانتقد معارضيه الذين وصفهم بأنهم "يعتقدون أننا ما زلنا نعيش في العصر الحجري".

وكان روحاني قد أطلق تصريحات سابقة خلال حملته الانتخابية عام 2013 قال فيها: "إن هؤلاء اللواتي لا يرتدين الحجاب ليسوا سيدات سيئات بالضرورة، وإن المجتمع الإيراني قبل الثورة كان عديد من النساء فيه لا يرتدين الحجاب". وتعهد روحاني حينها بكبح جماح الشرطة الدينية وضمها تحت سلطة وزارة الداخلية، لكن هذا لم يتم بسبب رفض القوى الأكثر محافظة في المؤسسة السياسية الإيرانية. ومع ذلك، لا يمكن القول: إن روحاني لم يفعل شيئًا، فعلى الرغم من قوة المتشددين في إيران، فإن وجود شرطة الآداب الإيرانية لا يقترب من مستويات وجودها إبان حكم أحمدي نجاد، سلف روحاني الأكثر تشددًا.

يقول بعض الشهود: إن "وجود شرطة الأخلاق لم يعد ملاحظًا كما كان الأمر سابقاً"، فوجودهم أقل من السابق، لكن "تكتيكهم الجديد هو القيام بدوريات في الشوارع، بدلاً من البقاء في الميادين العامة بشكل مستفز". ويقول الشهود: إن وجود الشرطة الدينية تقلص بشكل ملحوظ، عما كان في عهد أحمدي نجاد. ويرى بعض الإيرانيين أنه مع نمو الشرطة الدينية ازدادت المعاطف القصيرة في العدد وانكمشت الأكمام، وظهرت تقنيات تتفنن في إبراز أكبر مساحة ممكنة من شعر المرأة الإيرانية. وقد تجد حجاباً ملقى داخل السيارة، وربما تتجاهل المرأة ارتداءه أثناء خروجها من سيارتها للمجال العام.

يشار إلى أن القوانين التي تم إقرارها في إيران منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، فرضت على النساء ارتداء الثياب الفضفاضة، وحجاب يغطي الشعر والرقبة، وتضطلع إحدى وحدات الشرطة بتطبيق ارتداء هذا الزي، وتفرض غرامات على المخالفات، وقد يصل الأمر إلى اعتقالهن، ولكن بعض السيدات الإيرانيات لا يلتزمن بهذا الزي، ويرتدين حجاباً خفيفاً يغطي جزءاً من شعرهن، مما دفع بعض النواب المتشددين للشكوى من عدم التقيد بقانون الزي الإسلامي، فقدموا مشروع القانون المذكور.