بن كيران يئد بقيّة ديمقراطية مزعومة داخل حزب العدالة

وهج مصطنع ينطفئ قريبا

تهدد التصرفات الفردية لقيادة حزب العدالة والتنمية المغربي الحاكم، وتنامي المصالح الفئوية الضيقة لدى الصفوف الثانية والثالثة داخل قيادات الحزب، والإجهاز على الديمقراطية الداخلية المزعومة فيه، وإغلاق المجال أمام الأصوات المعارضة للجهر برأيها والتعبير عن أفكارها، بإنهاك الحزب بشكل لن يبقي له ـ على المدى البعيد ـ ذلك الوهج المصطنع الذي بدا عليه قبل سنوات.

وتطرح نسبة المصوتين على ترحيل المؤتمر الوطني العادي للحزب الإسلامي إلى ما بعد الانتخابات التشريعية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2016، العديد من علامات الاستفهام حول ما يروج له عن ديمقراطية الحزب الداخلية.

ويقول مراقبون إن تصويت 95.26 في المئة من عدد المقترعين لصالح التأجيل، يؤشر على أن الحزب الذي يتغنى بديمقراطيته الداخلية قد عاد إلى طريقة عمل الزوايا الصوفية بتقديس الشيخ، وانتفاء كلّ أشكال المعارضة وإبداء الرأي.

وقد اختار صقور الحزب الاصطفاف وراء زعيمهم عبدالإله بن كيران ضد قوانين الحزب التي تمنع ولاية ثالثة للأمين العام. والغرض من وراء تأجيل المؤتمر العادي إلى السنة المقبلة هو إعطاء فرصة للزعيم الأوحد كي يحقق ما اعتبره معطيات تشير إلى أن "العدالة والتنمية سيتصدر الانتخابات البرلمانية المقبلة"، كما جاء في خطابه أمام المؤتمرين يوم السبت.

ويضيف المراقبون أن ما حصل "دليل مادي على أن الحزب يكرس مفهوم الزعيم الأوحد والرؤية الوحيدة والمقاربة الطاغية التي لا تقبل النقاش.. وأن يوم السبت 28 مايو/أيار هو تاريخ قتل مأجور لمفهوم الديمقراطية الداخلية لحزب العدالة والتنمية المغربي".

ويستنتج هؤلاء ان حديث بن كيران منتشيا بنتائج المؤتمر الاستثنائي، ويتساءل هل تتخيلون كيف سيحس الشعب المغربي إذا سمع نتائج غير تلك التي ينتظرها؟ يعد مؤشرا على بداية النهاية لـ"حزب شغل الدنيا ببراغماتيته"، وكأن الشعب المغربي كله "عدالة وتنمية"، وكأن الشعب المغربي طارئ على الساحة السياسية، وكأنّه يمتلك ذاكرة سياسية مثقوبة.

ويقول محللون إنه "من الآن فصاعدا يجب الحديث عن حزب بن كيران" وليس عن حزب العدالة والتنمية". إذ لا يمكن التكلم عن عدالة ولا تنمية لأن الزعيم بن كيران، ومن والاه ومن خطط له، أعدموا كلّ فرصة لجيل من الشباب في احترام القواعد المؤسسة للديمقراطية.

فعندما يجهز بن كيران على قواعد الممارسة الديمقراطية داخل حزبه، لا يمكن التعويل عليه لتعزيز السلوك الديمقراطي أو الحديث عن هذه الديمقراطية.

واستطاع بن كيران من حيث يدري أو لا يدري، تدمير ما تبقى من تجربة حزب هناك من تلمس فيه ـ مخدوعا ـ شيئا من التغيير والممارسة الديمقراطية، وقضى على كل أمل في إنتاج بذرة تقطع مع التحكم والنظرة الدوغمائية للأشياء والناس والسياسة.

وقال بن كيران إن "الأحزاب القوية هي القادرة على الدفاع عن المغرب وحفظ ثوابته وحماية مصالحه" لكنه لم يسند قوله بدليل عملي. إذ لم يستطع أن يجيب عن سؤال "ماذا عن الديمقراطية الداخلية والتداول على كرسي المسؤولية والكفاءة في اختيار المسؤولين؟"، وماذا عن عامل "الاستناد إلى مشروع مجتمعي واضح وواقعي؟"، باعتبار أن كل هذه العناصر تعتبر قواعد لا بد منها لتأسيس أحزاب قوية تقوم على خدمة الشعب.

ويرى المحللون أنه نتيجة لكل ذلك فقد "تم قطع رأس الديمقراطية الداخلية لحزب العدالة والتنمية، من أجل التمكين لبن كيران ومجموعته عبر العمل على تمرير أجنداتهم، لما بعد انتخابات السابع من أكتوبر/تشرين الاول التشريعية.

ويضيف هؤلاء أن نجاح حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2011 كان نتيجة ظروف إقليمية معقدة ولا علاقة له بما قاله بن كيران في خطاب السبت، عن أن هذا النجاح هو نتيجة "مرتبطة بمصداقية الحزب".

ويتساءل مراقبون عن المغزى من قول بن كيران إن "حزب العدالة والتنمية لمّا احتاجه الوطن لبى نداءه؟"، وكأن هذا الحزب كان مرابطا في ثكنة وتم استدعاؤه لمواجهة العدو المتربص باستقرار وأمن البلد.

ويقول المراقبون إن "بن كيران يجهل أن الحزب الديمقراطي ليس ميليشيا أو فرقة عسكرية تخضع لأوامر القيادة، بل مهمته الأساسية تقوم على تدبير السياسة وتطويع المشاكل واقتراح الحلول وخلق المشاريع المجتمعية والدفاع عن مستوى عيش الطبقة والفئة اللتين يدافع عنهما".

ويقول هؤلاء أن نتائج المؤتمر الاستثنائي للعدالة والتنمية المغربي ستؤثر على ما ستفرزه الانتخابات المقبلة، متسائلين "هل هو استباق للنتائج بالتمديد لمن يشغل المواقع القيادية الحالية وإعطائهم سلاح شرعية الأصوات حتى يتسنى لهم تدبير التوافقات والتحالفات ولو ضد رغبة القواعد وقيادة الصف الثاني وهتك الخطوط الحمراء في ما يتعلق بالتحالفات المقبلة؟"

وبالنسبة للملاحظ العادي فإنه لن يكون من الهين بعد انتخابات اكتبور 2016، إعادة تشكيل حكومة مغربية مشابهة لتلك التي تم اعتمادها بعد انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2011 لأن ظروف تشكيلها تغيرت، وبالتالي فإن حزب العدالة والتنمية يحاول الصمود في وجه التحولات الجيوسياسية التي تمرّ بها المنطقة والمغرب، خوفا من هزيمة منتظرة.

ويظهر هذا من خلال مخاطبة بن كيران لملك المغرب قائلا "أنت تقود معارك مع جهات خارج الوطن لها إمكانيات هائلة، نحن معك وخلفك ومستعدون للتضحية في سبيل المسار الذي تسير فيه لرفع رأس بلدنا عاليا".

ويبدو أن التصويت على تأجيل المؤتمر العادي لحزب العدالة والتنمية إلى ما بعد الانتخابات التشريعية في أكتوبر/تشرين الأول القادم، خاضع في المقام الاول لحسابات ربح المقاعد داخل البرلمان بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، ولم لا قيادة الحكومة المقبلة.

فهل أن حزب العدالة والتنمية يقوم بالتحضير للاحتفال بالعرس الانتخابي المقبل؟

قد ينجح هذا الحزب في الفوز بمقاعد في البرلمان نتيجة عوامل منها الكتلة الانتخابية التي لازالت تحتفظ بولائها للحزب، أو لضعف المعارضة التي ما تزال تتلمس طريقها لاكتساب قاعدة انتخابية تستطيع مجابهة بن كيران وخطابه الشعبوي.

ويقول المراقبون إن تمديد الولاية لهياكل حزب العدالة والتنمية وعلى رأسها الأمانة العامة بقيادة بن كيران ولمدة سنةً كاملة، "هو ابتزاز للأصوات التي تنادي بتكريس دمقرطة الحزب وعدم الزج به في تحالفات تضعف مكانته". لكن على المدى البعيد فإن هذه الحيل لن تسمح للحزب بالاحتفاظ بشعبيته وستفقده كل قدرة على المناورة بما سيضعف من حظوظه في البقاء متصدرا للمشهد السياسي والحكم في المغرب.