الغنوشي قبل بأربعة مقاعد برلمانية في 89 باقتراح من بن علي

كانت 'تستهدف شخصه بالذات'

على الرغم من مرور خمس سنوات على سقوط نظامه مازال الجدل في تونس متواصلا بشأن طبيعة تعاطي الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين علي مع النهضة و"مساعيه لترويضها" على النشاط السياسي المدني، حيث كشف سياسي سابق بارز أن زعيم الحركة راشد الغنوشي كان قد وافق على مقترح بن علي يقضي بتخصيص 4 مقاعد برلمانية للحركة خلال انتخابات 1989 ضمن قائمات مستقلة.

وقال حمودة بن سلامة الذي تولى القيام بـ"وساطة" بين بن علي والغنوشي العام 1989 إن الرئيس التونسي كلفه بمهمة التفاوض مع الإسلاميين في مسعى إلى إشراكهم في الانتخابات البرلمانية التي جرت في نفس العام ضمن قائمات مستقلة، نظرا لأنهم ليسوا حزبا مرخصا له قانونيا.

وكشف بن سلامة وهو طبيب وسياسي كان مقربا من الإسلاميين الثلاثاء في تصريحات صحفية أن "مفاوضاته مع راشد الغنوشي بشأن مقترح بن علي حظيت بموافقته خلال جلسات عقدها معه في مكتبه وفي منزله"، مشيرا إلى أن "الفكرة انطلقت بتخصيص حوالي 20 بالمائة من تركيبة البرلمان لغير المنتمين لحزب التجمع الدستوري الذي كان يرأسه بن علي.

وكان سياسيون واكبوا المفاوضات آنذاك قالوا في وقت سابق إن مقترح الرئيس بن علي جاء في إطار محاولة الانفتاح على الأحزاب السياسية المعارضة بصفة عامة وعلى حركة النهضة بصفة خاصة في مسعى إلى "ترويضها" على النشاط السياسي المدني، وتنفيس حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي التي شهدتها تونس في أواخر ثمانينات القرن العشرين.

وأكد السياسيون أن بن علي قاد جهودا في أعقاب توليه الحكم العام 1987 باتجاه "الانفتاح أكثر ما يمكن على القوى السياسية والمدنية والشخصيات السياسية والفكرية العلمانية من أجل تهدئة توتر الأوضاع العامة التي تفجرت آنذاك نتيجة عجز الرئيس الحبيب بورقيبة على إدارة شؤون البلاد".

غير أن جهود بن علي واجهتها العديد من "التعقيدات" السياسية في ظل "رفض القوى السياسية العلمانية الراديكالية لأي شكل من أشكال التفاعل مع نظامه الناشئ إضافة إلى العداء الشرس الذي يستبطنه الإسلاميون له".

وقال بن سلامة إن راشد الغنوشي وافق على مقترح بن علي يقضي بتخصيص 4 أو 5 مقاعد برلمانية لصالح حركة النهضة، مشددا على أن رده كان إيجابيا ولم يجادل في المقترح على خلاف عدد من الأحزاب المعارضة الأخرى.

وأضاف أن الغنوشي وافق على فكرة المشاركة في الانتخابات البرلمانية، قائلا "إللي يعطينا بن علي مبروك"، أي ما يقترحه علينا نحن نباركه.

غير أن بن سلامة لاحظ أن الإسلاميين ترشحوا للانتخابات ضمن قائمات خاصة بنفسجية على الرغم من أنهم ليسوا حزبا قانونيا ما أثار "توجسا" لدى بن علي من جموحهم السياسي من خلال انتهاج أكثر ما يمكن من "التعبئة والحشد"، خلافا للمقترح الذي وافق عليه الغنوشي بنفسه، واتضح أنهم يسعون إلى "اكتساح البرلمان وقد لا يلتزمون بعدد المقاعد التي اقترحها بن علي.

وكانت النهضة تقدمت إلى الانتخابات البرلمانية العام 1989 منتهجة "حملة استعراضية" أثارت الكثير من الجدل الممزوج بالمخاوف من إصرارها على الهيمنة على المشهد السياسي حتى أنها عمدت إلى حياكة "عملية استفزازية" لشخص الرئيس بن علي من خلال اختيار اللون البنفسجي لقائماتها الانتخابية وهو اللون المفضل لبن علي، ما بدا أن الحركة "تستهدف شخصه بالذات".

وشدد بن سلامة على أن نزعة التعبئة والحشد التي انتهجتها النهضة آنذاك أثارت "خوف" بن علي من طبيعة أهداف الحركة سياسيا ودينيا، الأمر الذي دفعه إلى التراجع عن الاتفاق حول مقترح عدد مقاعد البرلمان بعد أن تبين له أنها لن تلتزم به على الرغم من موافقة الغنوشي عليه ومباركته علنيا.

وفي أعقاب نتائج الانتخابات التي فاز فيها حزب التجمع آنذاك "استعدى" الإسلاميون بن علي وقدموا أنفسهم على أنهم ضحايا، الأمر الذي دفع به إلى اعتماد قاعدة بيانات قائمات الإسلاميين المترشحين، للدخول في مواجهة واسعة معهم، مما أوحى لهم أن بن علي تعمد استدراجهم للمشاركة في الانتخابات لكشف أعضاء التنظيم الذي كان ينشط في إطار السرية.