روسيا تريد حصّتها من كل شيء

كان كل شيء طبيعيا في ذلك النهار المشمس اواخر شهر نيسان ابريل الماضي. الاستعدادات وصلت اقصاها بانتظار وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى قاعدة فوستوتيشني التي تم تدشينها في شرق الجزء الاسيوي من البلاد وكانت علامة النجاح والتحدي هي اطلاق صاروخ عملاق حامل للأقمار الصناعية. لكن عملية الاطلاق لم تنجح مما اثار حنق الرئيس فصب جام غضبه على رئيس وكالة الفضاء الروسية بسبب العطل الفني الذي أخر عملية الاطلاق لمدة 24 ساعة. يومها خاطب الرئيس المحيطين به، انها روسيا التي يجب ان تأخذ حصتها من كل شيء وبما فيها المنافسة والتفوق في الفضاء الخارجي ولا تنازل عن ذلك.

يبدو انها بالفعل استراتيجية لا رجوع عنها كشفت عنها مناسبة اطلاق الصاروخ الاستراتيجي الروسي. حضور قلب الموازين كلها تقريبا على الارض السورية. قتلت القاصفات الروسية الوف المسلحين على الارض السورية، تملكت زمام المبادرة بلا ادنى تردد، قصفت ومسكت قطعاتها اراض وتملكت قواعد وارست اساطيل ونشرت صواريخ بالغة التطور ولم يرتفع طير في السماء السورية الا ولروسيا علم ومعرفة من اين والى اين وما هي هوية الطير.

وفيما الخلاف الايراني السعودي وصل الى ذروته والاستقطاب في العالم الإسلامي وصل الى اقصاه، سيكون لروسيا حصتها كاملة من الصراع من دون ادنى تردد، تغازل ايران، تبيعها صواريخ استراتيجية من طراز اس 300 وربما 400 حتى تتعاون معها في مجال الطاقة الذرية وتعزز الشراكة الاستراتيجية على الاصعدة التجارية والاقتصادية ثم ختامها مسك، تقترح ان تلعب دور الوسيط بين الخصمين الايراني والسعودي.

تريد روسيا حصتها من علاقتها مع السعودية لكن الاخيرة تشعر بالامتعاض الشديد ولكن بصمت ازاء الدور الروسي على الأرض السورية وكيف قلب الموازين ضد المعارضة المسلحة ومنها تلك التي تدعمها المملكة بشكل شبه علني وفي الوقت نفسه تشعر روسيا بعدم الرضا من الادعاءات التي تضع مسؤولية على المملكة في التسبب في تدهور اسعار النفط.

على الساحة العراقية لن تتخلى روسيا عن حصتها. نافست الولايات المتحدة في واحدة من اهم معاقلها في الشرق الاوسط وغازلت بغداد وباعتها طائرات السوخوي والمروحيات القتالية كا 52 فضلا عن بيع بغداد مدرعات ودبابات وتزويدها بذخائر واعتدة.

روسيا تقف مع المغرب في قضية الصحراء المغربية في نزاعها سواء داخل مجلس الامن او ضد البوليساريو، وتنصرف بعيدا باتجاه مصر متحالفة وداعمة اقتصاديا وعسكريا مع تنسيق على اعلى المستويات مع الجانب الاسرائيلي.

هكذا تتسع الحصة الروسية على جميع الساحات، تتمدد بجرأة، تقيم علاقات وثيقة وسط حقول الغام سياسية وشراسة في المنافسة والاستقطاب مع الولايات المتحدة، روسيا تلعبها بشكل واضح ان لها قضمة وحصة في كل الكعكات التي يتنازع عليها الكبار. ارادت اميركا تقزيمها، حاصرتها بلا هوادة وانزلت فيها شتى العقوبات، حشدت ضدها الحلفاء وشهرت بروسيا وقيصرها وشنت حملات اعلامية يومية شرسة لكن ذلك كله لم يفت بعضد بوتين متحملا بروح رياضية المرات التي تم طرحه فيها ارضا ولكن من دون ان يعلن الاستسلام والرضا.

العناد الروسي ليس انفعاليا ولا ضربا من الانتحار السياسي، وانما يأتي الوصول الي "الحصة المقررة" بالتراضي وضمان المصالح المتبادلة.

في اشد مراحل الخصام والاختلاف مع الجانب الاميركي يحل وزير الخارجية الاميركي في الارض الروسية حاملا قيثارا مولع بالعزف عليه وحقيبة يشاكسه بوتين حولها متسائلا: هل تحمل فيها حصتنا من المال وتنطلق ضحكات الخصمين اللدودين.

حصة بوتين روسيا وكأنها صارت عرفا ثابتا يتعامل معها العالم بتراض ورضا غريب، ابتدأها في القرم والصراع مع اوكرانيا، لم تكن حصة وانتزعها بوتين بل صفعة وجهها الى وجه العالم ونقطة بداية لأنطلاق استرتيجية انتزاع الحصة الروسية في كل الساحات.