إيران عاجزة عن الاستفادة من عوائد الاتفاق النووي

المتشددون والحرس الثوري يعمقان أزمة الاستثمار في ايران

طهران - بدأت الآمال في عودة إيران للاندماج بسرعة في الأسواق العالمية بعد اتفاقها النووي مع القوى العالمية وجلب الاستثمارات وإتاحة الفرص أمام الشباب تتحول إلى شعور بالإحباط. والسبب في ذلك هو الغموض الذي يكتنف مناخ الأعمال في إيران وعدم وضوح الصورة السياسية في الولايات المتحدة.

وتعج فنادق طهران برجال الأعمال الحريصين على اقتناص شريحة من سوق ناشئة جديدة كبيرة في إيران الأكثر تطورا من الناحية الصناعية من أغلب الدول الغنية بالنفط والغاز لكنها معزولة منذ الثورة الإسلامية التي قامت عام 1979 وحولت إيران إلى دولة منبوذة من معظم الدول الغربية وكثيرين من جيرانها في الشرق الأوسط.

ومع ذلك فقد اكتشف المستثمرون الأجانب أن رفع العقوبات الدولية مقابل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني ليس إلا جانبا واحدا من الحكاية.

ومن العوائق التي تحول دون دخول المستثمرين مقاومة من المتشددين داخل إيران ممن يخشون أن يؤدي الانفتاح على العالم إلى تقويض مصالحهم الراسخة بالإضافة إلى الخوف بين المستثمرين الأجانب من مخالفة عقوبات أميركية لا تزال سارية على إيران.

وبمقتضى الاتفاق النووي رفعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات دولية في يناير كانون/الثاني. ومن العقوبات الأميركية التي لا تزال سارية حظر على المعاملات الدولارية المتصلة بإيران والتي تمر عبر النظام المالي الأميركي وكذلك العقوبات المفروضة على أفراد ومؤسسات بعينها على أساس أنها تدعم "الإرهاب الذي ترعاه الدولة".

والهدف الرئيسي للعقوبات التي ترمي لمحاربة الإرهاب هو الحرس الثوري الإسلامي وهو القوة التي تنفذ من خلالها المؤسسة الدينية إستراتيجيتها في الداخل وتمثل قوتها الضاربة في الخارج.

كما أن الحرس الثوري يقف وراء إمبراطورية أعمال تغطي قطاعات من الإنشاءات إلى البنوك وقد اكتسب خبرات كبيرة في إخفاء دوره.

ويخشى المستثمرون والبنوك الأجنبية الكبرى من أن يؤدي تحرك أميركي إلى إخراجهم من النظام المصرفي العالمي إذا ما أجروا تعاملات حتى ولو عن طريق الخطأ مع مؤسسات خاضعة للعقوبات.

ويقول محللون إيرانيون ومديرون تنفيذيون أجانب إن مما يزيد الغموض صعود نجم دونالد ترامب الملياردير الأميركي الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من الفوز بترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة هذا العام بعد أن هدد بتمزيق الاتفاق النووي مع إيران.

صلات الحرس الثوري

ويقول تنفيذيون أجانب يسعون لإبرام اتفاقات في إيران إنهم عندما يتفحصون حقيقة ملكية الشركات التي يتواصلون معها يكتشفون في كثير من الأحيان صلات تربطها بالحرس الثوري.

ويقول كلود بيجل الرئيس التنفيذي لشركة سيمبيو سويس المتخصصة في اللوجستيات والبنية التحتية في إشارة للحرس الجمهوري "أجرينا كثيرا من الفحوص اللازمة وتوصلنا إلى أن أسماء المؤسسات التي تظهر على قائمة العقوبات الخاصة بمكتب الرقابة على الأصول الأجنبية (التابع لوزارة الخزانة الأميركية) لا تكون بعيدة في بعض الأحيان."

وأضاف "ما لم تكن هذه الشركات مستعدة لتعديل هياكل مجالس إدارتها فسيكون من الصعب جدا تدبير تمويل دولي للعمل مع مثل هذه الكيانات."

وتتمثل المشكلة الرئيسية للمستثمرين الأجانب المحتملين في الخوف من أن يسفر اتصال حتى ولو عن غير قصد بطرف إيراني تسري عليه العقوبات عن فرض عقوبات ضخمة من جانب وزارة الخزانة الأميركية تمنعها فعليا من العمل من خلال الأسواق المالية الأميركية وهو عامل قوي مثبط لأي نشاط تجاري له وجود عالمي.

ويقول الكسندر جورجينيا الذي شارك في وفد الأعمال الألماني الثاني الذي يزور إيران منذ أغسطس آب 2015 "المشكلة الكبرى هي البنوك".

ورغم أن الشركات والبنوك قد تحظى بموافقة ألمانية على العمل في إيران فإن مكتب الرقابة على الأصول الأجنبية الأميركي "يحمل الشركة الأجنبية مسؤولية التحقق مما إذا كانت الشركة (الإيرانية) نظيفة."

وقال جورجينيا "على الشركة الأجنبية أن تتحقق من الشركة الإيرانية وما إذا كانت تربطها صلة بالحرس الثوري الإيراني أو بجزء منه."

وشكا من أن الشركات الأوروبية تشعر بأن كل هذه اللوائح جزء من خطة تنفذها الإدارة الأميركية لمنع إبرام الأعمال بين أوروبا وإيران.

ويكمن جزء من المشكلة في أن وحدات من الحرس الثوري تتدخل في عدد من الحروب في الشرق الأوسط.

ففي العراق تقف إيران في صف الولايات المتحدة في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية. لكنها تقف في سوريا موقفا مغايرا مع روسيا لدعم حكومة الرئيس بشار الأسد. وفي اليمن تؤيد طهران تمرد الحوثيين الشيعة الذي دفع السعودية حليف الولايات المتحدة في العام الماضي لشن حرب جوية عبر حدودها الجنوبية.

ولا يتوقع أحد تقريبا أن تخفف الولايات المتحدة عقوباتها على الحرس الثوري وإمبراطوريته الاقتصادية في ضوء ذلك.

خوف بين البنوك

ورغم أن رجال الأعمال الغربيين يفترضون عموما أن نظراءهم الصينيين والروس سيكونون أقل اكتراثا بالعقوبات الأميركية فقد أشار مدير تنفيذي صيني في طهران طلب عدم نشر اسمه إلى أن البنوك الدولية ترفض التعامل مع إيران حتى الآن خشية إغلاق أسواق المال الأميركية في وجهها.

وأشار المسؤول الصيني الذي يمثل شركة لمعدات النفط والغاز أنه زار إيران عدة مرات بعد الاتفاق النووي لكنه لم يوقع اتفاقا واحدا حتى الآن. وقال إن أغلب الشركات الإيرانية "ليس لديها أموال لدفعها" رغم الطلب الواضح على معدات الحفر التي يعرضها عليها.

ويقول "يطلبون من البائعين توفير التمويل لكن هذا مستحيل لأنه لا يوجد في العالم أي بنك أجنبي يجرؤ على إبرام صفقات مع بنوك إيرانية لأنه خائف."

ويشكو قادة إيرانيون من أنهم تعرضوا للخديعة فيما يتعلق بتخفيف العقوبات مقابل الاتفاق النووي.

وقال الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي في أبريل/نيسان "على الورق تسمح الولايات المتحدة للبنوك الأجنبية بالتعامل مع إيران لكنها في الواقع العملي تخلق خوفا من إيران حتى لا يبرم أحد صفقات معها."

ويقول بيجل المدير التنفيذي السويسري إن الرئيس حسن روحاني طلب من رئيس سويسرا خلال زيارة لطهران في وقت سابق من العام الحالي الضغط حتى تبدأ البنوك السويسرية تمويل عمليات أجنبية في إيران.

ويضيف "لكن بالطبع لا يمكن للحكومة السويسرية أن تأمر شركة خاصة بأن تفعل ذلك، يمكنها الإشارة إلى أنها ستعتبر ذلك خطوة إيجابية بل ويمكنها أيضا النظر في بعض الضمانات لكنه في نهاية الأمر قرار البنك نفسه."

وثمة عقبات أخرى فالحرس الثوري الإسلامي ومراكز قوى أخرى كونها المتشددون المحيطون بخامنئي يشعرون بالعداء تجاه دخول النفوذ الأجنبي إلى الاقتصاد الإيراني.

وقد قدم خامنئي الذي تفوق سلطاته صلاحيات المسؤولين المنتخبين في البرلمان والرئاسة تأييده للاتفاق النووي الذي عزز وضع الرئيس روحاني المنتمي لتيار الوسط الإصلاحي.

واستطاع روحاني بالتحالف مع الإصلاحيين والمحافظين المستقلين انتزاع السيطرة على البرلمان من المتشددين في الانتخابات التي أجريت في فبراير/شباط. ويعتقد بعض حلفائه أن هذا سيسهل على الحكومة استحداث قوانين لتحسين مناخ الأعمال.

ومع ذلك فقد أقر البرلمان قبل أربع سنوات قانونا يهدف لتقليص دور الدولة في الاقتصاد وفرض لوائح ذات مصداقية وضمانات للمستثمرين وحمل مؤسسات مثل الحرس الثوري على سداد الضرائب في نهاية المطاف. ولم ينفذ هذا القانون.

ويعتقد بعض المحللين الإيرانيين أن روحاني يجسد التوقعات الشعبية التي يبدو أن مراكز القوى المرتبطة بالحرس الثوري عازمة على إحباطها لأن العقوبات مكنتها من تحقيق السيطرة على الاقتصاد والاحتفاظ بها.