سايكس - بيكو.. وظلمنا المزدوج

مرت الاسبوع الماضي الذكرى المئوية الاولى لاتفاقية سايكس - بيكو التي تختزن ذاكرتنا المدرسية عنها، وبشيء من المبالغة، بأنها هي من قسّمت الوطن العربي الى دويلات صغيرة ليسهل السيطرة عليها والتحكم بمستقبلها، انطلاقا من فكرة مجاورة لتلك الاتفاقية ايضا، هي سياسة "فرّق تسد" التي تبناها البريطانيون اثناء حملتهم الكولونيالية مطلع القرن الماضي.

استثمر البعض المناسبة للحديث عن خارطة المنطقة ومستقبلها، حيث تتعرض اليوم الى حملة عسكرية بالوكالة، تقف خلفها القوى الرأسمالية الكبرى في العالم وفي مقدمتها اميركا، مستثمرة مجاميع المتطرفين ممن رفعوا شعار التكفير وقتل المختلف واشاعة قيم الظلام، لتفكيك عرى دول منطقتنا وبالتدريج، وصولا الى خارطة جديدة تنتهي الى بناء كانتونات طائفية وعرقية، وفقا لمبدأ الفوضى الخلاّقة، الذي تجسد بإطلاق الخزين الخلافي بين ابناء الثقافات المتعددة للمنطقة وجعله يمور داخل قدور الطبخة الكبرى حتى تنضج على نار اللعبة التي بدأت منذ اكثر من عشرين عاما وبلغت ذروتها في السنين الاخيرة.

السيد مسعود بارزاني، كان احد المستثمرين للمناسبة وعلى طريقته الخاصة، اذ قال، ان تلك الاتفاقية فشلت في تحقيق عيش مشترك لشعوب المنطقة، وانه قد آن الأوان لتلك الشعوب بأن تقرر مصيرها، منوهين هنا الى ان سايكس - بيكو لم تتجاوز منطقة العراق وبلاد الشام. كلام بارزاني هذا يبدو في ظاهره سليما وينطوي على قدر كبير من الموضوعية، لكن خلفية هذه الطروحات ونزعة بارزاني الانفصالية، تضعنا امام حقائق لا نعتقد انه لا يعرفها، وهي انه عندما تحدث عن ما اسماه بـ "الشعوب العراقية" نظر الى عرب العراق على انهم شعبان، كونهم من طائفتين، وهو امر لو طبق على الأكراد لكانوا كذلك واكثر. ويبقى الاهم من هذا، انه حمّل اتفاقية سايكس - بيكو مسؤولية ما حصل للأكراد، وهنا خطأ كبير، لان تلك الاتفاقية وقعت في العام 1916 والجيش البريطاني لم يصل الى الموصل بعد، كونه احتلها في العام 1918 ثم وقع الخلاف فيما بعد بين البريطانيين والفرنسيين ليس على العراق فقط وانما على سوريا او بلاد الشام بشكل عام، والتي جرت الترتيبات فيما بينهما بشأنها في القصة المعروفة المتمثلة بعزل الملك فيصل عن عرش سوريا مقابل دعم الفرنسيين لهم في "قضية الموصل" ضد الاتراك.

في 10 آب 1920 وقعت اتفاقية سيفر وحصل الأكراد على وعد بإقامة دولة كردية في الاناضول بعد عشر سنوات، تكتمل خلالها مؤسسات الدولة الوليدة، لكن وقوع انقلاب اتاتورك في العام 1923 واطاحته الخلافة واقامته الجمهورية ومن ثم تغريبه لتركيا الاسلامية وإبداله الحرف العربي الذي كانت تكتب به اللغة التركية بالحرف اللاتيني ومهاجمته للاسلام، غيّر قواعد اللعبة، اذ تحولت "الامبراطورية العثمانية" العدو والمنافس السابق للغرب الى تركيا الحليف الاستراتيجي والمندمج ثقافيا بأوروبا، او هكذا اراد اتاتورك لدولته العلمانية الجديدة ان تكون، وكان لا بد من مكافأته على ذلك. وهكذا وفي العام 1923 وقعت اتفاقية لوزان التي نسفت ما كان للأكراد في اتفاقية سيفر ودمرت حلمهم بإقامة دولتهم، وقد ظل البريطانيون يتصدون للبندقية الكردية في شمالي العراق منذ احتلالهم له حتى العام 1958 وحصلت الكثير من المآسي للشعب الكردي في العراق وفي دول الجوار خلال نصف القرن الذي مر. لم يكن للعرب دور فيها قبل ان يجدوا انفسهم في تصادم مباشر مع الكرد بعد ذلك التاريخ، بدفع من البريطانيين ومن ثم الاميركان هذه المرة، وكانت مبررات التصادم هي فرض ارادة الدولة وبسط نفوذها، بكل طيفها القومي والديني على كامل خارطتها التي رسمها لها الكبار اصلا.

اليوم، وبعد كل الذي حصل لجميع شعوبنا، هل يجوز لنا ان ندفع باتجاه اقامة كانتونات طائفية وعرقية ستغرق في حروب ومشاكل لا تنتهي، كون كل واحد منها لا يمتلك مقومات الاقتصاد المتكامل، اذا ما حصل التقسيم، مع اقرارنا بحق الشعب الكردي في تحقيق مصيره؟ لان مصيرنا جميعا سيكون بيد اللاعبين الكبار ممن وقفوا وما زالوا يقفون وراء مآسينا، ومنها بالتأكيد حرمان الشعب الكردي من حق اقامته لكيانه السياسي المستقل قبل نحو قرن، وبعد ان دفعوا بنا جميعا وطيلة ذلك القرن تقريبا الى صدامات عبثية جنوا وما زالوا يجنون ثمارها على حساب دمنا المستباح سواء بسلاح جيوشهم او بسكاكين الذباحين ممن دفعوا بهم ليشيعوا الخراب في دولنا التي كانت توصف بالناهضة، قبل ان يأتي اليها هذا الاعصار الدموي الرهيب... فهل سنتعظ؟