العراق يقترض المال وينشغل بهيبة الدولة

خلال اسبوع واحد تزامن في المشهد العراقي حدثان بارزان وهما موافقة صندوق النقد الدولي على اقراض العراق اكثر من خمسة بلايين دولار بعد مفاوضات شاقة وذلك لسد العجز في ميزانيته الخاوية، في نفس الاسبوع كان المسؤولون العراقيون يكررون جملة هيبة الدولة باعتبارها مقدسة ولا يجوز المساس بها وكان ذلك يتعلق باقتحام المتظاهرين ولمرتين متتاليتين المنطقة الخضراء المحصنة وصولا الى البرلمان ومكاتب رئيس الوزراء.

هيبة الدولة كانت على المحك، تلك التي ظل مسؤولون مخضرمون يدافعون عنها ويحرضون للدفاع عنها وفي مقدمتهم رئيس الحكومة السابق نوري المالكي الذي لا شك انه شعر ان "هيبته" وليس هيبة الدولة صارت على المحك، فماذا لو مضى المتظاهرون السلميون في مهمتهم ووصلوا الى قلاع المالكي وقصوره المنيفة؟

هيبة الدولة لم يتحدث عنها المالكي يوم مرغت في التراب بعد سقوط الموصل تحت قيادته العامة للقوات المسلحة، ما زال ينحي باللائمة يمينا وشمالا وما انتقد نفسه قط.

لم تبق للدولة من هيبة في تلك الحقبة التي جثمت على صدور العراقيين ودفعتهم ان يقدموا الافا من ابنائهم قرابين لتحرير المدن والقرى التي سقطت في ايدي تنظيم داعش تحت سمع وبصر المسؤولين العراقيين دعاة هيبة الدولة.

وما دمنا في دوامة المصطلح، فترجمته تتعلق بالهيبة الشخصية لزعماء الطوائف والكتل والجماعات لا هيبة الدولة ولا هيبة المواطن.

من جهة اخرى فأن الهيبة والمكانة لم تعد مصدر قلق لكثير من اولئك الساسة اذ بالامكان شراؤها بالمال المسروق، وبشراء ذمم الاتباع والمقربين وهكذا.

تقدم الطبقة السياسية المفككة والمنقسمة علي نفسها صورة من صور التشبث الشخصي بأهداب الهيبة، الكتل الرئيسية ليست قابلة للاقتراب من بعضها حتى لو تعلق الامر بمستقبل الوطن والمواطن ومع ذلك تتحدث دون انقطاع عن هيبة الدولة.

عندما تسقط محافظات بأكملها فذلك ليس ضد هيبة الدولة لاننا لم نسمع المصطلح مواكبا للأزمة. وعندما تهان كرامة الانسان فهي لا تعني بالضرورة مساسا للهيبة.

عندما تسرق مليارات الدولارات من المشاريع الوهمية لن يتحدث احد على ان هذا الفعل مساس بهيبة الدولة بل انها تمر مرور الكرام وراقب مَن مِن المسؤولين عنده ادنى اهتمام بهيبة الدولة وقد سرقت اموالها وتبددت ثرواتها وصارت تطلب القرض الحسن على اعتاب البنك الدولي.

المواطن البسيط تضخ عليه الفضائيات ذلك المصطلح المتخشب المتعلق بهيبة الدولة وهو غير قادر على تمثل ما يعنيه المصطلح اذ ان النزاعات بين احزاب السلطة وتناحرها وانقساماتها من جهة وانشغال كل منها بمصالحه من جهة اخرى لن يتيح لها وفق اي مقياس من المقاييس ان تتمثل مفهوم هيبة الدولة.

الكم الهائل من الاحتجاجات التي تنقلها وسائل الاعلام ضد احزاب السطة والحكومة وما يرفعه المتظاهرون من شعارات والاستياء البادي والتي تدفع باتجاه وضع احزاب السلطة في خانق ضيق يدفعها الى الادعاء ان الاحتجاجات لا تمسهم بل تمس هيبة الدولة وهو ما يجب الانتباه اليه.

واقعيا هنالك اشكاليات تتعلق بالكيفية التي تصرفت بموجبها كل جماعة او حزب مع المأزق الذي تمر به البلاد وحيث هيبة الدولة على المحك، القتال الممتد لسنوات مستمر يوميا والضحايا يكثرون، الوزارات ومؤسسات الدولة اقطاعيات مغلقة على نفسها، الاصلاحات شاحبة ومجرد شعارات فيما السراق مازال كثير منهم في منصبه او مقيما في بلد آخر، هكذا تتجسم هيبة الدولة بل قل أزمة الدولة ومأزقها الكبير وقد تشظت الهيبة في رزايا ومحن شتى تدفع قدما الى اعادة قراءة الواقع العراقي وفهمه بشكله الصحيح من دون وصايات ولا رموز ثانوية.

المأزق الحقيقي هو مأزق زعامات فقدت هيبتها وبعضهم صار يشتم من طرف الشعب ليل نهار بل ان الامر صار متعلقا بسوء الاداء وانعدام المصداقية اذ الشعب فقد الثقة وتخلى عنهم جميعا.