نصر رأفت: الثقافة والأدب هما أقوى سلاح لمواجهة الأفكار الإرهابية

مبنى ماسبيرو يعتبر دولة داخل الدولة

نصر رأفت روائي مصري مرموق. وكاتب وإعلامي لامع. عايش التفاصيل الصغيرة للمجتمع المصري، التفاصيل التي لا يذكرها الكثيرون والتي تشير بشكل أو بآخر، إلى جزء من مشكلاتنا، الازدواجية والرشوة والجنس والأنا. تلك الأمراض الاجتماعية التي تفتك بنا في حياتنا وفي أعمالنا، ونلقي بالتهمة على غيرنا، انفعل بها فأخرج عدة روايات احتفي بها محليا ودوليا، في روايته "ماسبيرو" ضرب على الفساد بنعومة قلمه، وتنبأ بخروج وزير الإعلام من مكتبه إلى السجن. أما في روايته "الجورنالجي" فقد عايش خفايا مجتمع الصحفيين. وفي روايته "الحور العين" اشتبك مع التطرف والإرهاب.

الرواية لديه اشتباك مع الواقع الشخصي والمجتمعي. التقيته مؤخرا، وكان معه هذا الحوار الذي قال فيه عن الاحتفاء برواية "الرجال لا يعرفون الرحمة":

الرواية التى تم الاحتفاء بها هى رواية "الرجال لا يعرفون الرحمة" وتتناول الحياة في القرية المصرية، وما حدث أن أستاذة للأدب العربي في جامعة جورج تاون بواشنطن زارت مصر واطلعت على حركة الأدب والإبداع الروائي في السنوات الأخيرة، وأعجبتها رواية "الرجال لا يعرفون الرحمة". وقالت إنها أفضل رواية قرأتها في السنوات العشر الأخيرة التي تدور في الريف المصري، لذلك قررت تدريسها لطلاب الأدب العربي في جامعة جورج تاون في واشنطن، ووضعت نسخة منها في مكتبة الكونجرس أكبر مكتبة في العالم.

ونصر رأفت الذي يعمل مراسلا لصوت أميركا يعترف أن ليس لعمله كمراسل لراديو صوت أميركا دخل في ذلك، وقد تم اختيار الرواية قبل أن يعمل مع راديو صوت أميركا، ويرى أن العمل الإعلامي مهنة لا علاقة لها بالإبداع الأدبي على الإطلاق. وأن مستوى الرواية ومضمونها هو الذي أهلها لكي تكون في واشنطن ويتم تدريسها هناك ..

نصر رأفت درس الإعلام والصحافة في كلية الإعلام جامعة القاهرة، وعمل في إحدى المؤسسات الصحفية القومية الكبرى حوالي عشر سنوات، وسجل هذة الفترة وما دار فيها في رواية كاملة تحمل عنوان "الجورنالجي"، وتدور كل أحداثها في بلاط صاحبة الجلالة، وكل أبطالها من الصحفيين، وفرسان القلم، وانتقل بعد ذلك للعمل في الإذاعة والتليفزيون حيث يعمل حاليا مذيعا في راديو "صوت العرب" وكتب رواية بعنوان "ماسبيرو" صادرت عن مكتبة مدبولي.

وهذه الرواية حازت على قبول النقاد والجمهور في مصر والدول العربية وتدور أحداثها داخل مبنى ماسبيرو وهو مبنى الإذاعة والتلفزيون في مصر والذي يعد أشهر مبنى على النيل في القاهرة ويضم 45 ألف اعلامي ومذيع. وتستعرض الرواية بالتفصيل كواليس وأسرار هذه المغارة الكبيرة وما فيها من علاقات إنسانية متشابكة وخيوط فساد ورشوة ومحسوبية. والرواية تضم بين جوانبها حكايات إنسانية في غاية الغرابة والطرافة داخل هذا المبنى الديناصوري، خاصة وأنه المكان الوحيد في مصر الذي يضم هذا العدد الهائل من البشر.

درس رأفت الإعلام في جامعة القاهرة، وتخصص في قسم الصحافة، وعمل بالعديد من الصحف والمجلات بالإضافة إلى عمله بالإذاعة والتليفزيون، ومراسل لصوت أميركا فى القاهرة.، ويبقى فن الرواية عشقه الذى لا ينتهي.

ورأى الكاتب أن مبنى ماسبيرو يعتبر دولة داخل الدولة أو شبه دولة، وركز في روايته على نماذج الفساد من الكبار والمسئولين حتى وزير الإعلام وقتها، وتوقع في عام 2010 عام صدور الطبعة الأولى من الرواية خروج وزير الإعلام من مبنى ماسبيرو من مكتبه إلى السجن، وهو المشهد الذي حدث بالفعل عندما قامت الثورة، وتم القبض على وزير الإعلام وزج به من مكتبه إلى السجن بالفعل.

ويرى رأفت أن من يعمل في الإعلام إنما هو تحت الأضواء إن لم يكن داخل دائرة الضوء، ومن الطبيعى أن تكون أعماله تحت الضوء أيضا.

والرواية كما يعرفها هي فن التفاصيل الصغيرة، وبدون شك الرواية نموذج من الحياة الكاملة، والحياة لا تخلو من الإثارة ولا تخلو من الدراما، كذلك الرواية؛ لذلك ستجد نماذج من شخصياتى فيها الشر وأخرى فيها الخير.

ويقول: لا معنى لأي عمل أدبي لو لم يكن صادما، والرواية الآن هي ديوان العرب والعجم أيضا، وأنا أختار منطقة مختلفة عن غيري، والرواية تطرح أفكارا جديدة وحلولا غير تقليدية وتضرب بيد ناعمة على الفساد أو تكتفى بالإشارة إليه وعلى المجتمع أن يحترس ويأخذ ذلك بعين الحذر!

ويصرح بأن الجميع أخطأوا في حق مصر في مرحلة دقيقة جدا، ولاداعى لإفتعال أزمات والعدو يتربص في الداخل والخارج، وعلى كل الأطراف أن تسمو فوق الذات والأنا والاعتبارات الشخصية من أجل مصر. فحينما تتعرض مصر للخطر لا يجب أن يلتفت الجميع لوزير أو نقيب أوصحفي. مصر على حافة الخطر، والجميع يجب أن يدرك أن السفينة لو غرقت فالكل خاسر!

والثقافة في رأي الكاتب هي كل شيء، هي الملهمة للجميع حكاما ومحكومين. كل سلوكيات السياسيين وغير السياسيين هي ثقافة في الأساس، الكلام ثقافة، التصرف ثقافة، القرار ثقافة، ومن هذا المنطلق لو وضعت مسئولا قارئا ملما مثقفا في مقعد المسئولية ستكون قراراته أكثر حكمة من مسئول بعيد عن مصادر الثقافة.

وعن ملاحظة أن رواية "الرجال لا يعرفون الرحمة"، كان تركيزها على الرجال يقول نصر رأفت: هل سمعت عن امرأة أخذت نصيب الرجال في الميراث؟! طبعا لا .. وفي الصعيد مثلا مازالت المرأة تحرم من ميراثها الشرعي. هل سمعت عن عائلة أجبرت ولدها الصغير القاصر على الزواج دون السن القانوني؟! طبعا لا .. هل سمعت أن امرأة تزوجت 4 رجال في وقت واحد ولم تستطع أن تعدل بينهم؟! طبعا مستحيل. الزمام دائما بيد الرجل. والسيف بيد مسرور، والسطو بيد الجلاد. الذي هو رجل دائما.

إن الرجال يعرفون الرحمة بسبب الجهل بقيمة المرأة ومكانتها الإنسانية أولا. ثم الجهل بمكانتها في كل الديانات السماوية والكتب المقدسة بلا استثناء. بالإضافة إلى ثقافة الرجل الشرقي ونظرته الدونية للمرأة للأسف الشديد..

جمع الكاتب بين كتابة الروايات وكتابة السيناريو، ولكن ليس بغرض سرعة تحويل رواياته إلى أعمال تلفزيونية وسينمائية، إنه يقصد ذلك بالضرورة ولكنه كتب الرواية بطريقة المشاهد السينمائية لأنها تعطى القارىء متعة أكثر، وتركيز وتكثيف أكبر، ولا مانع بعد ذلك من تحويلها لعمل فني سواء في السينما أو التليفزيون، وخاصة وأن المخرجة إيناس الدغيدي قالت في أحد البرامج التليفزيونية إنها تقرأ حاليا رواية "الرجال لايعرفون الرحمة" ومعجبة بأحداثها.

أما عن رواية "سمو الأميرة" لنصر رأفت فهي تمزج بين الأحداث التاريخية والمعاصرة من خلال قصة تاريخية وأحداث مستوحاة من وقائع حقيقية. تدور أحداث الرواية في شبه جزيرة سيناء المصرية معبر الأنبياء، ومهبط الرسالات حيث تأتي فتاة دانماركية تدعى كريستينا للبحث عن قبر نبي الله موسى وحكايته مع الفرعون الذي ظل يطارده حتى غرق بجنودة في البحر بأمر الله. تلك الفتاة من العائلة الملكية في الدانمارك وهي ولية العهد بعد أمها الملكة سيافانا ملكة الدانمارك، الفتاة تأتي متخفية للبحث عن قبر النبي موسى والنبش في التاريخ عن حكاية هذا النبي وكيف خرج اليهود من مصر؟! ولماذا طاردهم الفرعون حتى هلك؟!

وفي تلك الأثناء تتعرف الفتاة الدانماركية التي تعد رسالتها للدكتوراة في هذه القضية الدينية والتاريخية الشائكة على شاب مصري يدعى عبدالناصر، يعمل طبيبا بالوحدة الصحية في منطقة نائية من صحراء سيناء، فتقع في حبه، وتقرر الزواج منه دون أن تبره بأصلها، ويفعل هو نفس الأمر، يخفي عنها أصله فهو ابن رئيس جمهورية ساحل الذهب قبل أن تحمل اسم غانا بعد تحررها!

وتمضى بهما الأيام وتحمل كريستينا من الدكتور عبدالناصر ثم يكلفه رئيسه في العمل بأن ينقل سبعة مجانين من مستشفى سيناء للأمراض العقلية إلى مستشفى المجانين بالقاهرة، وعندما يصل بالمجانين للقاهرة يجد الثورة قد اشتعلت والملايين الغاضبين في الشوارع والميادين، والحركة بالسيارات صعبة، فيهرب المجانين منه، وأثناء رحلة بحثه عنهم في الشوارع والميادين يتم القبض عليه بتهمة التحريض والتظاهر، ويظل في السجن عدة سنوات، وتغادر كريستينا سيناء دون العثور على قبر موسى عند جبل النار، وتعود إلى بلادها بعد أن فقدت كل أثر لحبيبها، ووالد طفلها، وأثناء ولادتها تموت بأزمة قلبية. وتتعقد الأمور بالنسبة للطفل ويتولى هو مهمة البحث عن الأب الغائب أو الفرعون المصري المجهول العنوان من خلال مساعدة مربيته من أصول عربية والملكة الأم. فهل يعثر على الأب؟! هذا ما تجيب عنه أحداث رواية "سمو الأميرة.

وعن أعماله القادمة يقول نصر رأفت: انتهيت من كتابة رواية جديدة تحمل عنوان "الحور العين" وهي تحت الطبع بالهيئة المصرية العامة للكتاب، وتتناول باختصار فكرة تجنيد الجماعات المتطرفة للشباب المسلم تحت دعاوى الجهاد، وأن حوريات الجنة في إنتظار هؤلاء الشباب لإسعادهم في الجنة، وأن من ينفذ منهم عملية "استشهادية" أو يفجر قنبلة هنا أو هناك سيكون مصيره الجنة والنعيم المقيم مع بنات الحور، وذلك من خلال تنفيذ شاب لعملية محاولة تفجير أتوبيس يضم ملكات جمال العالم خلال وجودهم في مدينة الأقصر السياحية المصرية.

وهناك رواية أخرى في الطريق أضع اللمسات الأخيرة على أحداثها تحمل عنوان "كاتمة الأسرار". وأعكف حاليا على كتابة رواية جديدة اسمها "الأفيال تختبىء لتموت" تغوض في فلسفة الحياة والموت.

ويرى الكاتب المصري أن الثقافة والأدب هما أقوى سلاح لمواجهة الأفكار الظلامية المتطرفة. والأدب يهذب الفكر، والثقافة تنير الطريق لأصحاب الأفكار الهدامة التي تنادي بهدم المجتمع تحت دعاوى ما أنزل الله بها من سلطان، ومنذ حادث الإعتداء الغبي على أديبنا العالمي نجيب محفوظ والإبداع لا يتوقف، وهناك بعض المفكرين الذين دفعوا حياتهم ثمنا للأفكار الشيطانية مثل الدكتور فرج فوده.

وفي النهاية الخلود للأدب والفكر والفن الإنساني الراقي، والفناء للتطرف والإرهاب والغباء الإنساني مهما كات مسمياته، وحتى لو كان تحت عباءة مزيفة لأي دين سماوي.