زيارة بايدن لبغداد وشروط التقسيم

تأتي زيارة نائب الرئيس الامريكي جوزيف بايدن المفاجأة، لتضع العراق على اعتاب مرحلة جديدة من تنفيذ مشروع بايدن التقسيمي للعراق، والذي وضعه قبل الغزو، لا سيما وان العملية السياسية والديمقراطية الامريكية في العراق، تشهد انهيارا واضحا، في الصعد كافة، فشل امني، وفساد اداري ومالي حكومي لاحدود له، وانهيار عسكري في مواجهة الارهاب والتطرف، وتصاعد خطر تنظيم داعش واستحالة القضاء عليه، وتسلط ميليشيات طائفية تدار من ايران على الشارع العراقي، جعل من استمرار العملية السياسية امرا اشبه بالمستحيل.

في المقابل تهيئ ادارة اوباما لما بعد داعش، بتطبيق سيناريوات عديدة منها وابرزها تنفيذ مشروع بايدن، الذي هو اقرب الى التطبيق من اي وقت مضى، بعد ان اوصلت امريكا الاطراف السياسية والاحزاب الحاكمة الى خيارين لا ثالث لهما، اما داعش او تقسيم العراق الى ثلاث دويلات طائفية سنية وشيعية وكردية، في اقاليم منتظمة ترتبط في المركز بغداد كعاصمة للاقاليم، وهذا العمل مضى عليه اكثر من سنة،عندما ارسلت ادارة اوباما على رموزالسنة في العملية السياسسية وشخصيات وحركات وكتل سياسية ورؤساء عشائر، وكان العيساوي والنجيفي والمطلك والجبوري وغيرهم في مقدمة هؤلاء، وعلى شكل وفود الى واشنطن، ومعهد واشنطن للبحوث، وكنت ضمن المدعوين بوصفي كاتبا واعلاميا، بوفد مع شخصيات سياسية وعشائرية سنية، وكتلة من خارج العملية السياسية وقد رفضت الدعوة في حينها، لقناعتي وايماني، بان من احتل العراق ودمره وقتل شعبه وهجره وزرع الطائفية فيه، لا يمكن ان يعمل على بنائه واعادة اعماره وتصحيح خطأه وإعادة مهجريه وهم بالملايين.

لهذا جاءت زيارة بايدن الان لتضع اللمسات الاخيرة على مشروعه الجهنمي التقسيمي، بناءً على الخيار الثاني لاحزاب العملية السياسية، وهذا الكلام يستند على معطيات ومؤشرات واقعية، منها ان تشكيل الحكومة هدفه ازاحة بعض الوجوه التي تعارض التقسيم ليس حبا بالعراق، وانما ارضاء لاسيادهم في ايران وتوجيهات ملالي طهران، ورفضها تقسيم العراق، لانه الخطوة الاولى لتقسيم ايران كلها، فعمدت ادارة اوباما على دفع حيدر العبادي وسليم الجبوري لتنفيذ مهمة بايدن، بعد ان ارسلت اليه ادارة اوباما الى واشنطن بزيارة لم يكشف عنها رسميا وبقي لمدة 9 ايام في البيت الابيض اجتمع فيها بكل اركان البيت الابيض واعضاء الكونغرس، وحمل الرسالة وعاد الى بغداد، ولهذا نرى الان استقتال ادارة اوباما على دعم سليم الجبوري وحيدر العبادي وفؤاد معصوم ارضاء للكرد، واعتبارهم خطاً احمر، وهكذا اختلقت مسرحية البرلمان، وما جرى فيه من اعمال صبيانية خططت لها دولة القانون وقادتها لاوامر ايران واضحة، وهدفها عرقلة تشكيل حكومة تريدها امريكا وترفضها ايران لاسباب معروفة انها لا تخدم مصالح، وتقضي على نظام المحاصصة التي تعتاش عليه هي واحزابها في العراق منذ بدء الغزو الامريكي ولحد الآن، وهكذا نجحت الخطة الامريكية، في تشكيل حكومة بموافقة امريكية ورفض ايراني، وفشلت مظاهرات مقتدى الصدر في تطبيق شعارساذج "شلع قلع"، اراد به قلع الرئاسات والدستور والبرلمان، ولكنه فشل وقنع بفتات وزارات ومناصب اخرى، في حين يقاوم نوري المالكي الحامل للمشروع الايراني وبقي معارضا بكلته داخل البرلمان، واستمرت الرئاسات في عملها دون ان يمسها التغيير والاصلاح المزعوم، بالرغم من انها تحمل الان صفة اللاشرعية حسب دستور بريمر سيئ الصيت، لان جلسة المعتصمين كان نصابها اكثر من 200 عضو صوتوا كلهم على اقالة رئيس البرلمان داخل قبة البرلمان وبذلك اصبح سليم الجبوري عضوا وليس رئيسا للبرلمان، وعليه تقديم شكوى للمحكمة الاتحادية لاعادته لرئاسة البرلمان، وهذا لم يحدث، وبقي رئيسا مزورا وخارقا للدستور.

وبما ان العملية السياسية كلها غير شرعية وغير دستورية وبنيت على باطل بقيت حكومة العبادي وبرلمان سليم الجبوري باطلا، وازاء هذا الانهيار الوشيك المؤكد، دخل بايدن على الخط بزيارته (دون احم ولا دستور لاصحاب السيادة)، وجاء ليضع الجميع في العملية السياسية امام الامر الواقع والمصير المجهول، ومعارك داعش وتهديداته على ابواب بغداد، ومعارك الميليشيات والبشمركة على حدود كركوك في طوزخورماتو، وتوقف االمعارك في عمليات نينوى لاستعادة الموصل وضعف اداء الجيش هناك وفشله في اختراق تحصينات داعش ولم يحقق اهدافه سوى دخوله عدة قرى هامشية، ومعركة الفلوجة تأجلت منذ سنة لاسباب مجهولة واوامر امريكية، وهكذا الاوضاع تتدهور ومعاناة المهجرين والنازحين تتواصل وتتعمق، ازاء فشل الحكومة والمنظمات الاممية والدولية، في معالجة اوضاعهم السيئة، واعادتهم الى ديارهم بسبب رفض الميليشيات وقادتها اعادتهم لاغراض تطهير طائفي واضح.

هنا تأتي زيارة بايدن (كمنقذ وحيد)، ويلتقي برئيس الوزراء ورئيس البرلمان دون اللقاء برئيس الجمهورية لعدم اهميته فهو فقط فزاعة، ويعلن عدة اجراءات امريكية تنعش العملية السياسية، وترسل رسالة اطمئنان للشارع العراقي، على ان امريكا هي المنقذ الوحيد من كارثة العراق، فيعلن ان معركة تحرير الموصل من داعش، ستكون في حزيران القادم، وان تشكيل الحكومة التكنوقراط (كما ارادها المتظاهرون) ستتم يوم السبت القادم بواقع 22 وزارة، اي تنفيذ شروط مقتدى وتياره ارضاءً له، ولكن بدون (شلع قلع كما اعلن وخذل تياره)، واستدعاء اسامة النجيفي رئيس متحدون ورافع العيساوي فورا الى واشنطن، للتوقيع على اقامة واعلان اقليم السنة في العراق، تزامنا مع استعادة مدينة الموصل في حزيران القادم،وانهاء التوترفي طوزخورماتو وغيرها وارسال تحذيرات لقادة الميليشيات بضرورة ضبط النفس وعدم الخروج من التوجيهات الامريكية. وهكذا اسرع هادي العامري وابو مهدي المهندس وطوقوا الازمة بعد تقديمهم خسائر بشرية كبيرة، والاتفاق مع البشمركة للخروج من قضاء الطوز بناءا على اوامر امريكية، وشكوى الاقليم لدى امريكا من عربدة الميليشيات واخبار ادارة اوباما بالمخطط الايراني الذي يهدف الى ضم كركوك والموصل لايران، وما دخول الف عنصر ومقاتل من حزب الله اللبناني الى طوز خورماتو الا دليل على ان ايران لها مخطط في زعزعة امن شمال العراق والاستحواذ على نفط كركوك والموصل ليسهل الاتصال بسوريا، لهذا اوقفت زيارة بايدن وافشلت مخطط طهران، وزيارة بايدن لاقليم كردستان واجتماع مع رئيس الاقليم السيد مسعود برازاني الا فرصة لاطلاعه على خطوة امريكا الثانية في تطبيق الاقاليم ودعم الاحزاب الكردية لها، وشرح اخر تطورات واستعدادات ادارة اوباما لمعركة الموصل في حزيران القادم.

فهل تعد زيارة بايدن تمهيدا لاعلان الاقاليم وتنفيذ مشروعه في اواخر تموز، اي بعد استعادة الموصل من قبضة داعش، وتسجيل انتصار لصالح سنة العراق، لاقناعهم، وارغامهم على قبول الاقليم بدل داعش، كشرط لتحرير مدنهم، اجزم ان هذا هو جزء من سيناريو زيارة بايدن الحالية للعراق، علما ان المنطقة والدول العربية الآن تتخوف من خطر داعش وايران معا، والتي اعلن تنظيم داعش مرارا عن اجتياحها وتغيير حكامها وانظمتها، واعلان الخلافة عليها وهكذا التهديدات الايرانية واضحة بالمنطالبة بالبحرين وايقاظ خلاياها النائمة في دول الخليج لزعزعة الامن والاستقرار فيها، مع ارسال بواخر الاسلحة والصواريخ لحوثيي اليمن، وارسال جيوش الميليشيات الى سوريا والعراق للسيطرة عليها واعلان بغداد (عاصمة الامبراطورية الفارسية ..خسئت).

اذن المشهد الامريكي اصبح واضحا وان مشروعها مهددا بالفشل الاكيد اذا لم تتخلص ادارة اوباما فورا من عدوين هما داعش والميليشيات الايرانية في كل من سوريا والعراق، وهذا ما اعلنت عنه دول التحالف الاسلامي العسكري وحذرت امريكا من خطر داعش والمليلشيات، فجاءت زيارة اوباما التاريخية لاجتماعات مجلس التعاون الخليجي، وتسجل دعما لامحدودا للسعودية ودول الخليج والتحالف الاسلامي، وقد كان حضور ملك المغرب مميزا، وضروريا لجعل المعركة مع الارهاب معركة قومية بامتياز، وهنا نذكر تصريحات السفير السعودي في العراق، بعد انتهاء مؤتمر دول مجلس التعاون الخليجي، ان التحالف الاسلامي العسكري، جاهز في محاربة الارهاب في العراق، اذا طلبت منه حكومة بغداد، ونحن نعرف ان حكومة بغداد تأتمر بوامر امريكية بحتة كون حيدر العبادي"شريكاً جيداً" حسب قول الرئيس اوباما، في معرض دعمه له ولحكومته واعتبار الرئاسات خطا احمر.

المرحلة المقبلة ستشهد اعلان الاقاليم من قبل امريكا، واطراف العملية السياسية بناء على شروط ادارة امريكا في التخلص من داعش ومشتقاته...فهل سيقبل الشعب العراقي بالتقسيم وتنفيذ مشروع بايدن مرغماً؟ الجواب حتما لا، لان شعب العراق يرفض التقسيم ويقاومه كما قاوم الاحتلال ورموزه، وان التخلص من داعش والميليشيات ليست مهمة شعب العراق، وانما واجب العالم كله، لانه هو من صنع داعش والميليشيات في المنطقة والعالم.