حكام الموصل يغرّمون المخطئين أجهزة ساتلايت

خوف من مرشدي قوات التحالف على الانترنت

بغداد - الثقب الضيّق الذي تنظر الموصل عبره إلى العالم وكذلك العكس، بدأ يضيق جداً وثمة خوف حقيقي من أن يضع الخليفة كفه عليه ليحجب الرؤية تماماً بعد الإجراءات الجديدة ضد الانترنت والبث الفضائي.

بعدما أوصد الأبواب جيداً لمنع أكثر من مليون ونصف المليون مدني من مغادرة الموصل، يتجه تنظيم الدولة الاسلامية أو "داعش" إلى إغلاق نوافذ التواصل الافتراضي والفضائي، فقد صدرت قرارات جديدة من شأنها تقليص عدد مستخدمي الانترنت وفرض رقابة مباشرة عليهم، إضافة إلى إجراءات مشددة لمنع استعمال الستلايت (جهاز التقاط القنوات الفضائية).

يوم 11 نيسان/ابريل، اصدر مركز المعلومات التابع للتنظيم أمراً يلزم جميع شركات الانترنت في المدينة "تزويد المركز باستمارة معلومات بعدد المشتركين وأسمائهم الكاملة ومحل سكناهم"، فضلا عن "إحصائية للأبراج الرئيسية والفرعية وخريطة الإرسال لكل شركة"، بحسب موقع نقاش الاخباري.

أصحاب الشركات أطاعوا الأمر لأن فيه تلويحا بالسيف "وان ثبت إخفاء بعض أسماء المشتركين او تدوين معلومات خاطئة عنهم سيتعرض صاحب الشركة نفسه للمساءلة والتحقيق"، بحسب الأمر الصادر عن التنظيم.

بعد سقوط الموصل بيد "داعش"، عطلت الحكومة العراقية عمل شبكات الهاتف المحمول والانترنت، فسمح التنظيم بإعادة الانترنت عبر منظومات فضائية تعمل خارج سيطرة الحكومة. وسيطر تجار سوريون على سوق الأجهزة والمعدات الخاصة بالمنظومات اما الشركات المحلية فيديرها مدنيون عراقيون أو عناصر من التنظيم بعناوين مدنية.

بجدية غير معهودة، بدأ عبد الحميد المقيم في الموصل محادثته عبر الفيسبوك مع صديقه النازح الى مدينة دهوك: سيكون هذا التواصل الأخير بيننا.

وردا على استفسارات صديقه المتفاجئ، أوضح ان شركة الانترنت طلبت منه اسمه الرباعي وعنوان سكنه ونسخا من وثائق إثبات الهوية الشخصية. "إنها مصيدة لمستخدمي الانترنت وسيكون سهلا على عناصر داعش الوصول إلينا".

بإمكان أي شخص الاتصال بالشبكة في المنزل أو مقاهي الانترنت التي تكاثرت بعد حزيران/يونيو 2014 لارتفاع تكلفة الاشتراك المنزلي، والخدمة رديئة جدا ومكلفة قياسا بمستوى الدخل الحالي، لذا يحصل عليها المضطرون للتواصل مع أقاربهم او أصدقائهم وبعض التجار واصحاب مكاتب الصيرفة ممن يديرون نشاطهم عبر الانترنت، إلى جانب الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.

منذ أشهر، يشن عناصر "داعش" حملة ضد مستخدمي الانترنت خاصة الناشطين على موقع فيسبوك، أدت الى اعتقال العشرات، البعض أطلق سراحه منهم شاب قضى 10 أسابيع في سرداب كنيسة وسط المدينة، تحدثت الى "نقاش عبر الهاتف من مدينة اسطنبول التركية التي وصلها قبل شهر لاجئا.

وقال هذا الشاب من اسطنبول التي وصلها لاجئا قبل شهر عبر الهاتف "داهموا منزلي وبعدما فتشوا حاسوبي وهاتفي الذكي،عصبوا عيني واقتادوني معهم".

واضاف "كانت تهمتي إدارة صفحة على فيسبوك تؤيد الجيش العراقي والتحالف الدولي وتزودهما بمعلومات ضد الدولة الإسلامية، في النهاية لم يثبت أي شيء لكنهم أبقوني في السجن بسبب منشورات مخالفة للشريعة الإسلامية برأيهم، أغانٍ وصور نساء حسناوات ونكات وكتابات فيها إيحاءات جنسية".

الحملة ما زالت نشطة لاسيما وان التحالف الدولي كثف القصف الجوي على أهداف تابعة لداعش في الموصل، اذ يعتقد التنظيم أن مدنيين يقفون وراء تحديد بعض الأهداف وأول المتهمين مستخدمي الانترنت لأنه وسيلة التواصل الأوسع حاليا في ظل استمرار قطع اتصالات الهاتف المحمول.

لا شك أن الحصول على قاعدة بيانات عن المشتركين تسهل الوصول إليهم خاصة في المناطق التي تشهد قصفا متكررا، وهذا يفسر ردة الفعل على هذا القرار.

وعبر ناشطون على فيسبوك عن خوفهم وتوجسهم من كشف معلوماتهم الشخصية وعناوينهم. وقال بعضهم إنهم سيوقفون اشتراكهم ابتداء من مطلع أيار/مايو.

ولدى التنظيم المتشدد خطة جادة لحظر الساتلايت في الموصل، ويبدو انه ينفذها بالتدريج. فالبداية كانت منتصف آذار/مارس الماضي عندما أعلن منع استيراد او بيع وشراء او صيانة الستلايت.

ولأول مرة فرض عناصر "الحسبة" ذراع داعش لمحاسبة المدنيين، غرامة عينية على من يخالفون تعليماته هي جهاز ساتلايت، وقد طبقوا ذلك منذ شهر تقريبا على مدخني السجائر او من حلقوا لحاهم او ارتدوا ثيابا طويلة وغيرها.

يونس شعبان، مدخن نهم ضبطوه والدخان يتصاعد من فمه وانفه فنال توبيخا شديدا، ثم سحبت منه بطاقة التعريف الشخصية لإجباره على مراجعة الحسبة خلال أسبوع ودفع غرامة. انصاع الرجل فلا مجال للتملص، اخذ الستلايت الخاص بمنزله سلمه لهم فأتلفوه أمام عينيه ثم أعادوا إليه بطاقته.

كثيرون واجهوا الموقف نفسه، ما يشير إلى جدية توجه التنظيم في حرمان المدنيين من مشاهدة القنوات الفضائية.

قبل اسبوع وزع المكتب الإعلامي لداعش منشورا تضمن عشرين سببا لتحريم مشاهدة الفضائيات أبرزها "نشر الأخبار الكاذبة عن الدولة الإسلامية، الترويج للكفر والتشيع والنساء المثيرات"، فضلا عن كونها "تلهي المسلمين عن العبادة، ومن يعصي سيكون لرجال الحسبة معه مقال وفعال".

عمليا، ما زالت الغالبية الساحقة من المدنيين تتابع القنوات الفضائية، لكن ثمة موعد ضربه "داعش" لبدء الحظر الشامل، يوافق أول يوم من شهر رمضان أي اوائل حزيران/يونيو.

قد تكون حظوظ الانترنت في الاستمرار أوفر من الستلايت، لكن أما وان "داعش" يستعد لمعركة تحرير الموصل مبكرا، فمن الصعب التكهن بسلوكه، وفي المجمل هو يتجه لعزل المدينة بالكامل عن العالم واقعيا وافتراضيا.