السعودية تبدأ مرحلة فارقة لعلاج اقتصادها من إدمانه على النفط

بعد 15 سنة سنكون 'قوة استثمارية'

الرياض - كشف ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز الاثنين عن رؤية السعودية 2030 وهي خطة طموحة تضم إصلاحات واسعة تهدف لتحويل المملكة إلى قوة استثمارية عالمية وتنهي "إدمان" المملكة للنفط واعتمادها عليه كمحرك رئيسي للاقتصاد.

وفي مؤتمر صحفي عقد بالديوان الملكي في الرياض قال الأمير الشاب الذي يتولى أيضا منصب وزير الدفاع ويرأس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية "هذه نقطة انطلاق لسعودية أقوى وأفضل تحقق طموح الجميع."

وتشمل الرؤية زيادة رأسمال صندوق الاستثمار العامة إلى سبعة تريلونات ريال (تريليوني دولار) من 600 مليار ريال (160 مليار دولار) وطرح أقل من خمسة بالمئة من أسهم عملاق النفط أرامكو السعودية للاكتتاب العام، إضافة لإنشاء شركة قابضة للصناعات العسكرية.

وتتضمن تغييرات ستساعد المرأة على الاضطلاع بدور اقتصادي أكبر وتتيح للوافدين الأجانب الإقامة لفترة أطول في المملكة عبر برنامج شبيه بنظام البطاقة الخضراء الأميركي.

وقال الأمير محمد خلال المؤتمر الصحفي إن الحكومة لن تسمح أن تكون تحت رحمة تقلب أسعار السلع أو الأسواق الخارجية.

وكان قد قال في مقابلة مع قناة العربية أذيعت في وقت سابق الاثنين "أصبحت لدينا حالة إدمان نفطية في السعودية فعطلت تنمية القطاعات كثيرا."

وتهدف رؤية السعودية 2030 إلى زيادة الإيرادات غير النفطية إلى 600 مليار ريال (160 مليار دولار) بحلول عام 2020 وإلى تريليون ريال بحلول عام 2030. وبلغت الإيرادات غير النفطية للمملكة 163.5 مليار ريال (43.6 مليار دولار) بنهاية 2015.

ولم تكشف الخطة عن سبل تحقيق هذه الأهداف وهو ما أنهك خطط الإصلاح السابقة.

وخلال المؤتمر أعطى الأمير البالغ 31 عاما إجابات مؤكدة لأسئلة الصحفيين عن الخطة وخاطب من خلال تصريحاته شتى فئات المجتمع السعودي لكنه أعطى تركيزا كبيرا للشبان الذين يواجهون مشاكل أهمها البطالة والتراجع الاقتصادي رغم ثروة بلادهم الهائلة.

وحتى قبل هبوط أسعار النفط في 2014 كان الاقتصاديون يقولون إن السياسية المالية والهيكل الاقتصادي للبلاد لا يتمتعان بالاستدامة لكن هبوط إيرادات النفط جعل من الإصلاحات ضرورة ملحة.

وتركز الخطة على إعادة هيكلة صندوق الاستثمارات العامة الذي قال الأمير إنه سيصبح مركزا للاستثمارات السعودية في الخارج.

خصخصة جزء من أرامكو

وكانت مسألة خصخصة جزء من أرامكو أحد المحاور الرئيسية للخطة. وقال الأمير محمد إنه سيجري تحويلها إلى شركة طاقة وتوقع أن يبلغ تقييمها بين تريليونين وثلاثة تريليونات ريال وأن يجري إدراج أقل من خمسة بالمئة من أسهمها في سوق الأسهم.

ولفت إلى أنه في ظل امتلاك أرامكو لاحتياطيات النفط السعودية فمن شأن طرح حتى واحد بالمئة من الشركة أن يجعله أكبر طرح أولي في تاريخ العالم.

وقال "سيجري طرح أقل من خمسة بالمئة من أرامكو للاكتتاب العام وبعدها بفترات قصيرة جدا سيتم طرح شركات تابعة لأرامكو... عدد الشركات التي تطرح من أرامكو الآن لم يحدد ويعلن خلال ستة أو تسعة أشهر قادمة."

وأضاف أن أحد أبرز فوائد الخصخصة زيادة الشفافية والحد من الفساد.

وقال "اليوم سيكون هناك شفافية. عند طرح ارامكو يعني هذا أنه سيتعين على الشركة الإعلان عن حساباتها."

ومنذ تولي الأمير محمد رئاسة مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية أصبح تركيز الرياض على عملية الإصلاح ضرورة ملحة وتسارعت وتيرة القرارات المتعلقة بذلك.

وبدا ولي ولي العهد السعودي الشاب خلال المؤتمر الصحفي النادر قائدا إصلاحيا يسعى لإحداث تغيير جذري للاقتصاد السعودي والقضاء على البيروقراطية وأبدى اهتماما بالتعليم وكرة القدم وممارسة المرأة لدورها في المجتمع.

وقبل المؤتمر الصحفي في الديوان الملكي كان الأمير محمد قد قال في مقابلة مع قناة العربية "الرؤية هي خارطة طريق لأهدافنا في التنمية والاقتصاد وفي غيرها لا شك ان أرامكو جزء من المفاتيح الرئيسية لهذه الرؤية، ولنهضة الاقتصاد ونهضة المملكة العربية السعودية".

واعتبر ان طرح جزء من الشركة للاكتتاب سينتج "عدة فوائد"، ابرزها "الشفافية اذا طرحت ارامكو في السوق يعني يجب ان تعلن عن قوائمها وتصبح تحت رقابة كل بنوك السعودية وكل المحللين والمفكرين السعوديين، بل كل البنوك العالمية"، معتبرا ان ذلك "لا يتم اليوم".

وستخصص عائدات طرح اسهم ارامكو لتمويل صندوق استثمارات "قيّم بما بين 2 تريليون و2 ونصف تريليون (دولار)"، ما يجعل منه الاضخم في العالم، بحسب ما قال الامير محمد بن سلمان.

واوضح ولي ولي العهد السعودي ان "البيانات الأولية تتكلم أن الصندوق سوف يكون أو يسيطر على أكثر من عشرة في المئة من القدرة الاستثمارية في الكرة الأرضية"، و"يقدر حجم ممتلكاته بأكثر من 3 بالمئة" من الاصول العالمية، مضيفا "نحن نعتقد أنه سوف نتعدى هذا الشيء بمراحل".

واوضح ان السعودية ستكون "قوة استثمارية" من خلال الصندوق الذي "سيكون محركا رئيسيا للكرة الارضية وليس فقط على المنطقة".

ورأى انه بعد طرح اسهم ارامكو، سيتحول مصدر دخل المملكة بحيث "بدلا من ان يكون من النفط، سيكون الدخل من الاستثمار".

وقال ايضا إن المملكة تخطط لإنشاء شركة قابضة للصناعات العسكرية تملكها الحكومة بالكامل في البداية ثم تطرح لاحقا في البورصة السعودية.

وأضاف "الآن نحن بصدد إنشاء شركة قابضة للصناعات العسكرية مملوكة 100 بالمئة للحكومة تطرح لاحقا في السوق السعودي.. نتوقع أن تطلق في أواخر 2017 بتفاصيل أكثر".

خطط لتنويع مصادر الدخل

وسجلت السعودية عجزا في الموازنة يقارب 100 مليار دولار في 2015 أو ما يعادل 15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تستهدف موازنة الدولة لعام 2016 تقليص هذا العجز إلى نحو 87 مليار دولار.

وأعلن الفريق الاقتصادي للأمير خططا للقضاء على الهدر الحكومي وتنويع مصادر الدخل عبر فرض رسوم وضرائب وخصخصة أصول حكومية.

ونالت الرؤية اهتمام السعوديين وكان وسم "رؤية السعودية 2030" الأكثر تداولا على موقع تويتر الاثنين في البلاد التي تسجل أعلى معدل لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط.

وتشمل الخطة أهدافا طموحة من بينها زيادة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 60 بالمئة من 40 بالمئة وخفض معدل البطالة إلى 7.6 بالمئة من 11 بالمئة وزيادة الدخل غير النفطي إلى تريليون ريال من 163 مليار ريال حاليا.

زيادة مشاركة المرأة في القوة العاملة

وتستهدف الرؤية زيادة مشاركة المرأة في القوة العاملة إلى 30 بالمئة من 22 بالمئة.

لكن الأمير محمد قال إنه لا يعتقد أن المجتمع السعودي على استعداد للسماح للمرأة بقيادة السيارة.

وقال "إلى اليوم المجتمع غير مقتنع بقيادة المرأة ويعتقد أن لها تبعات سلبية جدا... الأمر يرجع بشكل كامل لرغبة المجتمع السعودي. لا نستطيع أن نفرض عليه شيئا لا يريده لكن المستقبل تحدث فيه متغيرات ونتمنى ان تكون متغيرات ايجابية."

وأكد على أن الرؤية بإمكانها التأقلم مع سعر متدن للنفط.

وقال "نستطيع أن نحقق هذه الرؤية حتى لو كان سعر النفط 30 دولارا أو أقل. نعتقد أنه من شبه المستحيل أن يكسر سعر النفط أقل من 30 دولارا بحكم الطلب العالمي ولكن الخطة تستطيع التعامل مع أي سعر للنفط."

وقد ينظر إلى هذه الخطة على أنها إقرار بأن الاقتصاد الذي يعتمد اعتمادا كليا على الطاقة قد يكون معرضا لصدمات خارجية.

وقال ولي ولي العهد "أعتقد في سنة 2020 نستطيع أن نعيش بدون نفط."

وفي رسالة للشبان السعوديين قال الأمير "أنا واحد منكم. سنعمل جميعا لتحقيق هذه الرؤية."

وأضاف "الرؤية ليست حلم. هذا واقع سيتحقق إن شاء الله."

وأعلنت الرياض الاثنين عن "رؤية السعودية 2030"، التي تستهدف إيرادات غير نفطية بـ267 مليار دولار سنويا فيما تضمنت أهدافها 3 تقسيمات توزعت بين "اقتصاد مزدهر" و"مجتمع حيوي" و"وطن طموح"، واندرجت تحت كل منها أهداف فرعية.

واعد الخطة مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي يرأسه الامير محمد بن سلمان.

رؤية طموحة

وتشمل الرؤية إصلاحات جذرية في قطاعات مختلفة وتشكل خطة تهدف لتحرير اقتصاد المملكة من الاعتماد على النفط على نطاق واسع.

وجاء في الرؤية ان زيادة الإيرادات الحكومية غير النفطية من 163 مليار ريال إلى نحو تريليون ريال سنوياً (267 مليار دولار)، ورفع نسبة الصادرات غير النفطية من 16 بالمئة إلى 50 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي.

وشكلت الإيرادات غير النفطية 27 بالمئة من دخل الدولة عام 2015، بينما تشكل الايرادات النفطية 73 بالمئة فيما كانت تقارب 90 بالمئة في السنوات الماضية.

وتستهدف الرؤية رفع نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة من إجمالي الناتج المحلي من 3.8 بالمئة إلى المعدل العالمي 7.5 بالمئة، ورفع حجم الاقتصاد وانتقاله من المرتبة 19 إلى المرتبة 15 أول أقل على مستوى العالم.

وتسعى الخطة إلى الوصول بمساهمة القطاع الخاص في إجمالي الناتج المحلي من 40 بالمئة إلى 65 بالمئة ورفع نسبة المحتوى المحلي في قطاع النفط والغاز من 40 بالمئة إلى 75 بالمئة.

وتسعى السعودية لرفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في إجمالي الناتج المحلي من 20 بالمئة إلى 35 بالمئة، ورفع مساهمة القطاع غير الربحي في إجمالي الناتج المحلي من أقل من 1 بالمئة إلى 5 بالمئة.

ونما الاقتصاد السعودي بنحو 3.5 بالمئة خلال العام 2015 ليبلغ الناتج المحلي 2.43 تريليون ريال (649 مليار دولار).

ويبلغ معدل التضخم في البلاد 4.3 بالمئة خلال مارس/اذار بسبب رفع أسعار الوقود والمياه والكهرباء لمواجهة تراجع أسعار النفط.

كما تهدف السعودية في رؤيتها المعلنة إلى زيادة الطاقة الاستيعابية لاستقبال ضيوف الرحمن المعتمرين من 8 ملايين إلى 30 مليون معتمر، إضافة إلى رفع نسبة مدخرات الأسر من إجمالي دخلها من 6 بالمئة إلى 10 بالمئة.