عوائق التعلم في مادة التربية الإسلامية تحت مجهر أكاديمي

دعوة للمراجعة والتطوير

يعاني العديد من التلاميذ في المدرسة المغربية من عوائق تعطل استيعابهم مادة التربية الإسلامية ربما تؤدي بهم إلى الفشل فيها إذا لم يتم التعرف عليها وتحديدها ومواجهتها قبل أن تتفاقم وتزداد حدتها ويصبح من الصعوبة التغلب عليها.

وتعريف هذه العوائق خطوة اولى للتعرف على الاستراتيجيات المتاحة لتجاوزها.

وتلعب العوائق السوسيو ثقافية واقتصادية دورا مهما في العزوف عن مادة التربية الإسلامية في المنهج الدراسي المغربي.

اذ تؤثر الثقافة السائدة داخل المجتمع والإيديولوجيا المسيرة للمتعلم ومستواه الاقتصادي وظروفه الاجتماعية (السكن، الاستقرار الأسري النقل...) والتي تعمل على صياغة أفكاره وتوجهاته من خلال بشكل أو بآخر على المتعلم.

كما أن العامل الإثنولوجي المتمثل في بعض المعتقدات الخاطئة والأعراف والخرافات والأحكام المسبقة تشكل عائقا كبيرا أمام تطوير التعلم في هذه المادة.

فالبيئة الاجتماعية والاقتصادية لها دور كبير في عملية صقل شخصية وكيان الفرد، وبلورة أفكاره ومفاهيمه العقائدية والحياتية وتوجيه سلوكياته وأفعاله، أو تعميق مشاعره وعواطفه أو ترسيخ مواقفه وقراراته الفردية والاجتماعية.

من جهة اخرى تلعب العوائق ذات بعد سيكولوجي دورا مهما في فرملة تعلم التربية الاسلامية ويسمى هذا النوع من العوائق بالعوائق النمائية أو السيكو عضوية، وهي متمثلة ضمن الخصائص الفردية والأفكار والدوافع اللاشعورية، حيث تختلف من شخص إلى آخر.

ومن هذه العوائق على سبيل المثال لا الحصر مراعاة مراحل نمو التلميذ-الفروق الفردية واضطرابات ناتجة عن سوء التوجيه في التعامل مع فترة المراهقة وحب نيل رضا الآخرين ومدحهم، وتناقض اختيارات المتعلم مع مقتضيات أحكام الشرع فيستبطن أن فضاء قسم التربية الإسلامية فضاء محاكمة.

للمنهاج الدراسي نصيب من المسؤولية

ولا يخلو المنهاج الدراسي في حد ذاته من شوائب تعكر العميلة التعليمية.

ومن أهم الإشكالات الموجودة في بناء المنهاج الدراسي للتربية الإسلامية نجد كثرة تفريع مكونات مادة التربية الإسلامية الأمر الذي أضاع وحدة المعرفة الشرعية وتكاملها وفوت عليها تحقيق وظيفتها.

كما يعطل عدم توافق المعرفة المعدة للتدريس، محاور ومضمونا، مع المستوى الادراكي للمتعلمين وحاجاتهم العملية التربوية.

ولا ينبغي ان يغفل تقسيم المادة إلى مكونات (عقيدة، حديث، سيرة، عبادات...) المدرس عن تكامل هاته الاقسام التي أملتها حاجة تسهيل التدريس، بل إن التكامل في تناول الموضوع مع باقي فروع المعرفة ضروري اعتبارا لوحدة المعرفة وتكاملها في الرؤية الإسلامية.

وتعاني المناهج المدرسية ايضا من التنميط في الدروس والوحدات عبر مختلف أسلاك التعليم، فتلاميذ المراحل التعليمية الثلاث يختلفون بعضهم عن بعض من النواحي العقلية والوجدانية والسلوكية والاجتماعية، وفي الاهتمامات والاتجاهات، وفي ظروف الحياة، وبناء على ذلك، فحاجاتهم ومتطلبات مجتمعاتهم من موضوعات التربية الإسلامية مختلفة، وليست مقصورة على مدى العمق والتوسع في دراستها.

واذا لم يعالج درس التربية الاسلامية حاجات التلميذ الداخلية مثل غريزة تضطرم في جوفه، أو سؤال يحير فكره أو مشكلة اجتماعية تؤرقه، غاب عن التعليم المعنى واستقال المتعلم من فعل التعلم.

وتطرح اسئلة اخرى نفسها على المعلم لعل بعضها، لاي حد يسهم الكتاب المدرسي في اكساب المتعلمين للمعرفة الشرعية قائما؟ ألا يمكن أن يتحول إلى عائق إن تم الجمود عليه؟ وهل نقبل في هذه اللحظة الراهنة أن نغفل عن توظيف الموارد الرقمية وما تتيحه تكنولوجيا الاتصال من إمكانات؟

المعلم لاعب جوهري في عملية التعلم

وعوائق تعلم المادة لها جذورها ايضا في اذهان معلميها، اذ ينظر بعض المعلمين للمادة على انها مادة للحفظ لا تستدعي الانتباه ولا التركيز وكحصة عقوبة بدنية أو إملائية.

ويعتبر التفاعل الصفي السلبي وطريقة تقديم الدرس متدخلا رئيسيا في عرقلة التعلم.

ويتهيب المعلم احيانا من تفعيل سلطة النقل الديداكتيكي على اعتبار قدسية المادة أو مواضيعها، ومن مظاهر ذلك، الإصرار على تقديم النص القرآني أو الحديثي بأكمله في سياق بناء المفهوم، واعتبار أخذ جزء منه تعسف عليه، وشرح كل مصطلحات النص الشرعي والمفاهيم الواردة فيه دون التركيز على المفهوم المستهدف من دراسة النص

ويؤدي اعتماد التركيز على التواصل العمودي في التفاعل الصفي لانعدام التفاعل الجماعي بين المجموعات، كما يخلف عدم إدماج المتعلم في بناء المعرفة ضياع الرغبة في التعلم، وهي هنات لا بد من تجاوزها.

كما تحتاج الممارسة التقويمية لعدم فصلها البتة عن عملية التعلم، لأنها مؤثر مباشر عليها، فنوعية التقويم الممارس ونجاعته يمكن من اكتشاف عوائق اكتساب المعرفة الشرعية وتطوير الممارسة الديداكتيكية إذ لا يقتصر التقويم على الوظيفة التقديرية وأما التقويم المركز على مرقى الحفظ المباشر فلا يمكننا مما سبق، ويجعل المتعلم يستقيل من التفاعل العميق مع المعرفة إذ لا معيارية لها، وقد يستوي فيها الجميع.

وقد يعلل المدرس بعض الظواهر تعليلا مخالفا للحقيقة العلمية والتي قد تكون مستمدة من مادة دراسية أخرى، بالإضافة إلى التعامل مع بعض الكفايات والمهارات المستمدة من حقول معرفية أخرى بطرائق مغايرة لطريقة تلقيها في مواد أخرى بما يضع التلميذ امام متناقضات تضرب ثقته بالمعلم او المادة او الاثنين معا.

تقنيات الكشف عن العوائق وتجاوزها

وللكشف عن العوائق في مادة التربية الاسلامية توجد مجموعة من التقنيات.

الاستبيان بانواعه (نصف موجه، موجه، أسئلة مفتوحة مساعدة، أسئلة ذات أجوبة متعددة، أسئلة فقط، أسئلة مدعمة، أسئلة ترافقها معلومات) احدها.

كما لعب ملاحظة القسم دورا حيويا في كشف الاخلالات عبر الجانب الشفوي والجانب الحركي والجانب الكتابي ومسودات التلاميذ والإنتاج تلقائي او المطلوب.

وفيما يلي نقترح أربع استراتيجيات لتجاوز العوائق وهي كما يلي:

التشكيك في معرفة التلميذ: بحيث يتدخل المدرس بوضعية خاصة تسمح بالتشكيك في تصور التلميذ والعائق الذي يمثله التصور، والهدف من هذه الاستراتيجية هو تفكيك تصورات التلميذ الخاطئة وحين يتحقق الهدف يقترح المدرس المعرفة الصحيحة.

الحوارات المتعارضة: يقترح المدرس وضعيات تؤدي الى ظهور اختلافات معرفية على المستوى الفردي أو بين أفراد جماعة القسم وذلك لإظهار الصراع المعرفي، في نفس الوقت يحاول المدرس استغلال هذه الصراعات من خلال البحث وتنظيم هذه المعارف المقترحة من طرف التلاميذ.

وضعيات استكشاف التصورات: يعمل أفراد المجموعة (القسم) بمساعدة المدرس على استكشاف تصوراتهم حول موضوع ما، بحيث يتوصل إلى المفاهيم (المعارف) الموجودة بواسطة استغلال التصورات السابقة أي المعرفة القبلية للتلاميذ وذلك بتتبع مجموعة من التصحيحات المتتالية.

والمواجهة بين المعرفة المرجوة ومعرفة التلاميذ: يقترح المدرس المعرفة المرجوة ويواجهها بتصورات التلميذ القبلية، بحيث يهدف إلى إبراز الهوة بين المعرفتين للتوصل إلى المعرفة الصحيحة والمرجوة من إجرائيتها في مقاربات المشاكل المطروحة.