عندما يكون السياسي العربي قديسا وجلادا

رغم التجارب المريرة التي مر بها العالم العربي منذ الحرب العالمية الثانية ولغاية يومنا هذا، فلا يوجد ما يثبت بأن ساسته قد استقوا منها دروسا وعبرا لتصحيح بعض ما كان سببا في أن يؤول حال الشعوب العربية إلى ما آل اليه الآن. فالسياسي العربي مصر على التفنن في كسب الأعداء، وهو الشيء الوحيد الذي يبدع فيه طوال الحقب الماضية.

ففي الملتقى الذي عقد في مدينة السليمانية في إقليم كردستان وحضره مجموعة كبيرة من ساسة المنطقة وقادة الفكر فيها، اخذ موضوع استقلال كردستان وانفصاله عن العراق حيزا لا باس به من النقاش، وأدلى الجميع بدلوهم في هذا الموضوع بما فيهم بعض الساسة العرب. وان كانت آراء قسم منهم لا يعتد بها كما هو الحال مع حسين الشهرستاني وهادي العامري، اللذين دخلا عالم السياسية خطا، فان رأي سياسي مثل السيد عمر موسى يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار كونه عاصر حقبا كثيرة في المنطقة ويعتبر من الساسة المخضرمين القلائل الذين ما يزالوا على مسرح السياسة بشكل أو بآخر.

وبالطبع فإننا لا نتوقع سماع رأي ايجابي ومؤيد بالكامل من السياسي العربي في موضوعة استقلال كردستان ولا هو مطالب بذلك قطعا، لكن ذلك لا يعني أن يحتفظ السياسي العربي بالنظرة نفسها التي كان ينظر بها لملفات المنطقة في سبعينات القرن الماضي وثمانينياته، لتغير الظروف والمعطيات.

فقد رد السيد موسى على سؤال وجه له عن رؤيته لاستقلال كردستان بالقول "حينما قسمت اتفاقية سايكس بيكو المنطقة سابقا إلى دول لم تكن شعوبها تعي ما يخطط لها، لكن لننظر ما سيحصل الآن لو قسمت المنطقة من جديد... ستجري انهار من الدماء... فالشعوب الآن واعية وتعلم ما يحصل وتستطيع إفشال المؤامرات" وأضاف "بان التوقيت والظروف الحالية غير مناسبة لطرح هكذا مشروع".

ما يثير الحيرة في أمر السياسي العربي هو إصراره طوال العقود الماضية على كيل الاتهامات والانتقادات لاتفاقية سايكس بيكو، ووصف شعوب تلك الحقبة بعدم الوعي لقبولهم بها وعدم إدراكهم لحقيقة أهدافها، دون أن يقفوا أمام الحقيقة التي تقول بان تلك الاتفاقية كانت نتيجة طبيعية لتحالف الساسة العرب آنذاك مع المحتلين البريطاني والفرنسي لطرد العثمانيين من مناطقهم، وانه لولا سايكس بيكو هذه، لما شهد التاريخ ولأول مرة نشوء دول عربية لازلنا نراها على خارطة العالم السياسية والجغرافية، ولبقيت المنطقة العربية لغاية اليوم تحت سيطرة الدولة العثمانية.

الأمر الآخر المثير للشجون عند السياسي العربي هو في ازدواجية طرحه السياسي عند تناوله تلك الاتفاقية، فرغم رفضه للحدود "المصطنعة" التي وضعتها سايكس بيكو والتي قسمت "الأرض العربية" من داخلها إلى دول بالمسطرة والقلم، إلا أن هناك تقديسا غير طبيعي للحدود الخارجية لهذه الدول، مع انه القلم الذي خط الحدود الداخلية بين الدول العربية هو نفسه الذي خط حدودها الخارجية، لذلك فهم يرفضون المساس بحدود العراق الخارجية التي تضم كردستان إليها، وفي نفس الوقت يدعون إلى إزالة الحدود الداخلية بين تلك الدول. وهنا يجب علينا توضيح نقطتين مهمتين وهما:

- لم يشهد التاريخ في أي وقت من الأوقات وجود دولة عربية موحدة لا قديما ولا حديثا، وحتى لو اعتبرنا مجازا بان الدولتين الأموية والعباسية كانتا دولتين عربيتين، فإنهما لم تنعما بصفة الدولة الموحدة على مر تاريخهما ودائما كانت تنافسهما إمارات تنفصل عنهما هنا وهناك.

- وجود العراق الجغرافي قديما لا يعني وجودا سياسيا بالحدود الحالية التي نعرفها، فدائما كان هناك عراق عربيا وعراق أعجميا وكانا يشيران إلى المناطق جنوب مدينة تكريت الحالية على جانبي نهر دجلة بحدود جغرافية متحركة غير ثابتة.

أما بخصوص ما ذهب إليه السيد عمرو موسى بالنسبة لوعي الشعوب فهي أزمة فكرية أخرى يعاني منها السياسي العربي، الذي لا يزال يرى مقياس الوعي عند شعبه في مدى قدرته على قمع خيارات الشعوب الأخرى والتغاضي عن حقوقها. وإلا فما الذي سيجعل الدماء تسيل انهارا إذا ما انفصلت كردستان عن العراق؟

إن كان هذا هو مقياس وعي الشعوب (كما يفهمه السياسي العربي) فبئس الوعي ذاك.

وفي الحقيقة فإنني اتفق مع السيد موسى في أن وعي الشعوب العربية هو أعمق من وعيهم في السابق، بدليل أن الشعب العربي الذي ظلت أحزابه القومية طيلة القرن الماضي تحاول ترسيخ مفهوم الوحدة العربية في ذهنه، وتتهم الحكومات العربية التي كانت تقود تلك الدول بأنها العائق الوحيد في وجه الوحدة العربية، نرى أن الشعوب العربية أدركت بأن هناك فرقا بين الشعارات الجوفاء وبين تطبيق تلك الشعارات، لذلك فإنها لم تدعو إلى الوحدة العربية حتى في مظاهرة واحدة بعدما ثارت تلك الشعوب على حكوماتها السابقة وأصبحت هي صاحبة القرار في مصيرها في بلدان ثورات الربيع العربي. درجة الوعي هذه تشير إلى أن الشعب العربي وصل للمستوى الذي يحترم فيه خيارات الشعوب الأخرى التي تجاوره مثلما يحترم خياراته،عكس ما يتوقعه السيد عمر موسى.

نحن على يقين بان استقلال كردستان قاب قوسين أو أدنى، وندرك أيضا كأكراد بأن استقلال كردستان هو خيار للأكراد وحدهم دون غيرهم، غير متناسين انه يتأثر بالموازين والعلاقات الدولية والإقليمية، لكننا نعرف أيضا بان الدول العربية ليس لها تأثير على هذا القرار بأي حال من الأحوال... ولذلك فعلينا أن نتساءل: لماذا يحاول بعض الساسة العرب استعراض عضلاتهم السياسية الضامرة في الإعلام ليقفوا ضد طموح الأكراد في الاستقلال؟ هل قدر للسياسي العربي أن يعادي كل الشعوب المجاورة له دون أسباب مقنعة في الوقت الذي يمكن للشعوب أن تتمتع بعلاقات جيدة فيما بينها سواء كانت ضمن دولة واحدة أو في دول متجاورة؟