شاعر مصري يقف مجددا على الطلل العربي

بغدادُ .. تعرَّت يا أماه!

تأخر هذا الديوان كثيرا عن الصدور في موعده المناسب، فكل قصائده كتبت عام 2003، بل أن عشر قصائد من قصائده الـ 35 كتبت في يوم واحد، هو يوم سقوط بغداد أمام الاحتلال الأميركي في التاسع من أبريل عام 2003, ولكن يصدر ديوان "وقوف على الطلل العربي" للشاعر ناجي عبداللطيف عام 2015 بعد وقوع المأساة باثني عشر عاما. فمن المسئول عن هذا التأخير هل الشاعر أم دار النشر وهي الهيئة المصرية العامة للكتاب؟

لقد فجّر هذا الحدث المأساوي على المستوى العربي والإنساني طاقات الشاعر المصري، فأخذ يدون ويدون ويكتب ويتفاعل منذ هذا اليوم وحتى 30 أبريل من ذلك العام المشئوم، وهو تاريخ آخر قصيدة بالديوان، وبالتأكيد هناك قصائد أخرى كتبت بعد هذا التاريخ، لم يدونها الشاعر في ديوانه هذا، ومن الممكن أن نراها في دواوين قادمة، فالوضع المأساوي سواء في العراق أو في دول عربية أخرى لا يزال كما هو، بل يزداد سوءا يوما بعد يوم.

لم يجد الشاعر ناجي عبداللطيف ـ أمام هذه الفاجعة ـ سوى الإمام الحسين كي يهديه ديوانه قائلا:

"إلى سيد الشهداء

إلى سيدنا ومولانا الإمام

(الحسين بن علي)

رضي الله تعالى عنهما، أُهدي هذه المجموعة"

وعلى تنويعة الإمام الحسين يختار عبداللطيف نصا للشاعر العراقي الراحل عبدالوهاب البياتي (1926 – 1999)، يفتتح به مجموعته الشعرية:

أصعد أسواركِ بغداد

وأهوي ميْتا في الليل

أمد للبيوت عيني وأشم زهرة المابين

أبكي على الحسين

وسوف أبكيه إلى أن يجمع الله الشتيتين

وأن يسقط سور البين

ونلتقي طفلين

ونلتقي طفلين

ونلتقي طفلين.

وبالتاكيد الظروف التي كتب فيها البياتي قصيدته تختلف تماما عن الظروف والأجواء التي كتب فيها عبداللطيف قصائد ديوانه "وقوف على الطلل العربي". فقد رحل البياتي قبل أن يرى الاجتياح الأميركي للعراق واحتلال العاصمة بغداد التي اتخذها الشاعر ناجي عبداللطيف رمزا للوطن العربي وللطلل العربي.

يقول الشاعر في أولى قصائده المؤرخة ليلة السقوط والاحتلال مستخدما الفعل "كان":

كان لنا وطنُ وسحابة عشق أبدية

تمطر في كل فصول القلب

لتحيا كل ثمار القلب العلوية

كان .. لنا .. وطنٌ

لكن آثر أن يرحل عنا

في رحلة تيهٍ أبدية!

ولا تزال رحلة التيه الأبدية ممتدة في الزمن السرمدي، بل دخلت عواصم أخرى في تلك الرحلة ولم تعد حتى الآن.

إنها رؤية واستشراف للأحداث، تكشف عن حالة قلق وخوف وتوتر ورعب يحياها الشاعر منذ ما قبل الاحتلال الأميركي لبغداد وحتى الآن.

هذه الحالة هي التي أمدتنا بقصائد هذا الديوان الذي لو صدر في حينه، لكان هناك احتفاءٌ أكثر به.

وفي قصيدة أخرى دالة، مؤرخة في اليوم نفسه 9/4/2003 يتصبب الشاعر عرقا، حين يخبره الوطن – على الهاتف - بأنه سوف يعود في الأجازة الصيفية، فالشاعر يعرف تماما أنه لا عودة، ومن هنا يتوارى خجلا ويتصبب عرقا، ولا يملك ردا على الوطن الذي خرج إلى منفاه ظنا منه أنه لن يغيب طويلا:

يا وطني ..

أتصبب عرقا

حين تكون على الهاتف

تخبرني ..

أنك سوف تعود

خلال إجازتك الصيفية!

لا يطيل الشاعر في قصائده وخاصة المكتوبة في ليلة السقوط، فهي تأتي على شكل رصاصات أو انفجارات نفسية، أو تأتي متشظية، تعادل حالة التشظي والتشتت والمتاهة التي يحياها الشاعر بل يحياها كل إنسان عربي يتابع الأحداث ويرى مخطط التقسيم والاحتلال والقتل يطبق بنجاح باهر. وينهي قصيدته الرابعة قائلا:

يا وطني ..

كيف رحيلُك عنا ..

من غير وداع

وداع

و

د

ا

ع

الشاعر لا يسمي قصائده وإنما يعطي رقما لكل قصيدة، وهو لا يحتاج إلى تسمية كل قصيدة على حدة، كما نرى في معظم الدواوين الشعرية، ويكفيه الاسم العام للمجموعة أو الديوان "وقوف جديد على الطلل العربي".

ونتأمل وصف "جديد" الذي يعني أن هناك وقوفا سابقا، او "وقوفات" سابقة (ان صح هذا الجمع، مع أن الأصح في الجمع هو أيضا "وقوف") على أطلالنا العربية. فالتاريخ العربي يشهد الكثير من هذا الوقوف على الأطلال، إما بسبب عاطفي، أو بسبب اقتصادي كالبحث عن المياه والعيش والكلأ، أو بسبب التطاحن والحروب والهجرة من مكان إلى مكان، وقد سبق ان شاهدنا سقوطا آخر لبغداد عام 1258 على أيدي المغول.

كل هذا يتجمع في وعي الشاعر ويخرج ليلة سقوط بغداد الأخير في التاسع من أبريل 2003، لكنه يحاول أن يخفي سوأة قلبه وعاره في تلك اللحظة الدرامية المدوية قائلا:

أواري سوأة قلبي عن بعض حكايات الأطفالِ

أحاول أن أخفي عاري في حرج أزلي؟

وفي اليوم التالي لتدوين هذه القصيدة يخبر الشاعر أمه (التي ربما لا تعرف حجم المأساة، أو لم تدركها بعد):

بغدادُ ..

تعرَّت يا أماه!

ثم يستدرك في نهاية القصيدة أن بغداد ليس وحدها هي التي تعرت، ولكن:

العري يحاصرنا منذ اليوم

ويكرر هذا السطر الشعري بطريقة متقطعة.

وتتكرر النهايات على هذا النحو في قصائد ناجي عبداللطيف، ربما تأثرا بالتكرار الذي جاء في قصيدة عبدالوهاب البياتي في قوله:

ونلتقى طفلين

ونتلقي طفلين

ونلتقي طفلين

وأرى أن هناك قصائد يكون فيها مثل هذا التكرار غير محبب، أو زائدا عن المعنى، مثلما ورد في قصيدته التي تحمل الرقم 29 والمؤرخة 27/4/2003 والتي يقول فيها:

غالنا البينُ

إذ غالنا

وقع أقدامهم

فوق عظم الرشيد

فوق وجه العراق المجيد

فوق

وجه

العراق

المجيد!

المجيد

الـ ..

م

ج

ي

د!

وللإمام للحسين الذي أهداه الشاعر ديوانه باعتباره سيد شباب أهل الجنة أو حسب ما ورد في حديث نبوي شريف أن "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"، نصيب وافر في قصائد ناجي عبداللطيف، باعتباره رمزا للشهادة، فيقول:

يا سيدي (الحسين)

أدرك ثأرنا

فما لنا

سوى الأنين

سيدي

يجني الأسى

بالمنحدر

خطر .. خطر

فيا لثارات (الحسين)

إن غاله التتر!

ولعلنا نقرأ كثيرا عن "ثارات الحسين" ولهذا المعنى أو المصطلح أو الشعار مفهوم خاص، حيث يعتقد البعض يقينًا "بأن إمام العصر والزمان سيخرج قريباً رافعاً هو وأصحابه نفس الشعار ألا وهو يالثارات الحسين".

وهناك معنى آخر أوسع بكثير عن المعنى الأول وله بُعد اسلامي أكبر من مجرد أخذ الثأر بدم المقتول في كربلاء.

يقول أحد منتديات عاشوراء ضمن شبكة "آفاق العقائدية" بإشراف الشيخ محمد العباد: يالثارات الحسين: الــ (يا) هنا تأتي للإستغاثة (كالقول يا لله للمسلمين) أي أنه يستغيث بالله لأجل المسلمين. والمستغيث به في جملة (يالثارات الحسين) محذوف وهم المسلمون. بمعنى يا للمسلمين. واللام في (لثارات) حرف جر تعني لأجل ثارات الحسين. فتصبح (ياللمسلمين هبّوا لإجل ثارات الحسين) أي أننا نستغيث بالمسلمين من أجل أن يهبّوا ليثوروا بما ثار عليه ابو عبدالله الحسين عليه السلام".

ويضيف المنتدى: "على هذا الأساس نستنتج من الشرح هو أننا نستنهض الأمة الإسلامية لإجل ثارات الحسين، لننهض بتلك المباديء والثوابت التي على أساسها كانت ثارات ابي عبدالله الحسين، فننهض ونرفع نفس الثارات والمباديء التي خرج من أجلها الحسين مع أهله وأصحابه. وهي نفسها التي حينما يظهر إمامنا المهدي عليه السلام سينادي بتلك الثارات التي خرج على أساسها الحسين وبسببها كانت ثورته على يزيد بن معاوية".

كان لا بد من الاستعانة بمثل هذه التفسيرات التي ربما تنقلنا إلى مستويات أعمق لفهم قصيدة ناجي عبداللطيف والتفاعل معها، وللربط بين مآسي ومصائب التاريخ في الماضي والحاضر، وبين المآسي والمصائب التي يجلبها المسلمون على أنفسهم، والمآسي والمصائب التي يجلبها غير المسلمين على المسلمين.

ومن "كربلاء" تصل الشاعر قصيدة من صديق عراقي "في كربلاء يقطن الفتى" تحثه على زيارة الحسين (في القاهرة) لقراءة الفاتحة علَّ الله يستجيب ويحفظ العراق:

يؤكد الفتى عليَّ أن أزور

(سيدي الحسين)

واقرأ الفاتحة ..

وأدعو الله العلي القديرَ

أن يحفظ العراقَ

من شرِّ الأعادي والصحاب

لكن الشاعر يلاحظ في رسالة صديقه الأخيرة أنه لم يطلب قراءة الفاتحة، ولكنه رأى في الرسالة المِدادَ والأسى وصورةً قديمة، وقطرةً تسيل من دماه.

وفي القصيدة رقم 34 نقرأ:

هذا دمُ (الحسين)

يفرش العراق بالندم

للديوان بعده الواقعي والجغرافي والصوفي والسياسي والاقتصادي، وهمُّه العربي والإسلامي والإنساني، يقول الشاعر في القصيدة 32 مبرزا البعد الاقتصادي وتوظيفه السياسي:

ترصدُ أسعارَ النفط

منظمةٌ تُدعى (الأوبك)

تسرق آبار النفطِ

راعيةٌ للغنم العربي!

قد يكون في هذه القصيدة القصيرة جدا، أو الومضة، نوع من المباشرة والتقريرية، ولكنها تنتظم في إطار الجو العام للديوان المعني برصد الحالة العراقية فور الاحتلال الإميركي عام 2003.

أيضا نجد في القصيدة 13 قول الشاعر:

كيف تسيرُ السيارةُ

والنفطُ تحاصره الدباباتُ الأمريكيةُ

في كركوكَ

وفي الموصل!

بل هناك قصائد تشير إلى أسماء بعينها شاركت في تلك المأساة منها "جارنر" (الحاكم العسكري الأميركي للعراق إبان الغزو في 2003) حيث يقول الشاعر:

"جارنر" أتى

في كربلاء والنجف

أراه بين الناس يدعي البطولة

يرفع أصبعيه في وجه الرجولة

وعن البعد أو الملمح الواقعي في قصائد الديوان نشير إلى قول الشاعر في القصيدة 13 أيضا":

صديقي (مدحت)

كان حزينا

يبدو الإرهاق بعينيهِ

في مقهى (إمبريال)

حدثني

أن الحوذي لا يعمل منذ الأمس

وعلى الرغم من عدم وجود صورة شعرية في مثل هذا المقطع من القصيدة 13 إلا إننا يجب النظر في مثل هذه القصائد الواقعية الى الصورة الكلية التي يود الشاعر إحاطتنا بها، وإلى الحكمة الشعرية التي يريد أن يستخلصها من تلك الصورة الكلية.

إن ديوان "وقوف جديد على الطلل العربي" للشاعر السكندري ناجي عبداللطيف يأتي مواكبا للحظات الحرجة في تاريخنا الحديث، ويؤرخ فنيا أو شعريا لأسوأ تلك اللحظات التي فتحت الباب على مصراعيها لتنفيذ ما يعرف بخارطة الشرق الأوسط الجديد.

يذكر أن ناجي عبداللطيف شاعر مصري من الإسكندرية مواليد 1957، حصل على بكالوريوس خدمة اجتماعية عام 1981، ودبلوم عال في الدراسات الإسلامية عام 1987. حصل على جوائز أدبية وشهادات تقدير في مجال الشعر، وصدرت له الدواوين: "اغتراب" 1988، "للعصافير أقوال أخرى" 1996، "لو أنك يا حب تجئ" 2001، "على أعتاب المحبوب" 2007.