في علم السياسة وفقه الإمامة

تدريس فقه الإمامة لتحصين الشباب من الأحزاب الدينية

أتساءل أحياناً، ولدى صعود وتائر التفاؤل بقدرة مؤسساتنا الاكاديمية على أن تكون ذات أثر مشهود في واقعنا الثقافي والسياسي: لماذا لا توجّه همم النابهة من طلبة جامعاتنا الى دراسة المذاهب الفكرية والسياسية الفاعلة في عالمنا المعاصر. بحيث يكون هؤلاء الطلبة ظاهرين على اصول تلك المذاهب وظروف نشأتها واطاريحها الرئيسة؟ ولماذا لا يكون في كلية الاداب او كلية الشريعة فريق متخصص بالماركسية وآخر بالوجودية وثالث بالعلمانية ورابع بالعولمة وخامس بالديمقراطية ورابع بالإمامة والخلافة، وخامس بالتصوّف وسادس بالسلفية؟ ولم لا تؤسس جامعاتنا لدوائر بحث متخصصة في الاصول الاعتقادية للسياسات المعاصرة وفي ألوان التجلّي والخفاء في النظام العالمي الجديد؟

إن الجهل، والحماسة العمياء من جهة، والاستبداد والفساد من جهة اخرى، والغموض المفهومي وتزوير الوعي واستلابه من جهة ثالثة كل اولئك شروط قائمة للفوضى المبرمجة التي يراد بها – وبحسابات دقيقة – ان تنكشف عن «اسرائيل الكبرى» الممكنة في المشرق العربي الاسلامي.

ليس كالعلم، والأناة المستبصرة، والاصلاح السياسي، والتنوير الثقافي من سبيل الى مواجهة ما تقدم، والى دفع غوائله عن امتنا التي تكالبت عليها الامم. وليس كالجامعات من ميدان صالح لتشكيل قوى العقل وارهاف أدواته. نقول هذا ناظرين الى الآفاق الممكنة في العمل الاكاديمي لا الى المستحيلات، والى العزائم المتوقدة لا الى الهمم الكليلات.

لمزيد توضيح لما نرمي اليه هنا نقول: لو كان ثمة فريق اكاديمي متوفر على دراسة مبحث الإمامة والخلافة كما عرفه علماء الاسلام، امثال الماوردي والفرّاء والطرطوشي وابن خلدون والآمدي والقاضي عبدالجبار المعتزلي. وفريق آخر لدراسة «حالات» ادّعاء الخلافة والإمامة والمهدوية والنبوة في تاريخ الاسلام، وما كان في اعقابها الى يومنا هذا من عقابيل، وفريق ثالث لدراسة حركات من القاديانية والبهائية وغيرهما من الحركات التي دعمها الاستعمار قديمه وحديثه، وفريق رابع لموضعة كل ما سبق في سياق الظروف المحلية والائتمارات العالمية.. لو كان ذلك كله على شرط العلم والموضوعية والنزاهة، ونودي بالامة بحصيلته المعرفية وعوائده التنويرية، لما كان العرب والمسلمون في غمة من امرهم، وفي حيرة مما يرون، وفي تلدّد اين يذهبون، ولكانوا دفعوا اسباب البلاء المتظاهرة عن واقعهم، ومنعوا أن يستحر القتل فيهم على نحو ما يرون في العراق والشام واليمن وليبيا وغيرها من مواطنهم.

إن إظهار الناس على «فقه الإمامة والخلافة» أو على ما قد نسميه «علم السياسة الاسلامي» هو اول التحصين في مواجهة المغامرين السياسيين الذين يستغلون جهل عامة معظم المسلمين وقصور نخبهم في هذا الباب من النظر الذي قد يرقى الى أن يكون فرض عين في مثل ما يتغشّانا من فتن وظلمات.

إن اجابة شافية على اسئلة من مثل: هل الإمامة واجبة أم لا؟ وما الذي يثبت به كون الإمام إماماً؟ وما هي شروط الإمام؟ قد تقطع الطريق على مغامري السياسة الذين ينصبون أنفسهم ائمة، ولا يعدمون من يأخذ بناصرهم من القوى المتربصة بالامة، وذلك لاطالة أمد رقودها ولاعاقة نهضتها، واستبقائها في العبودية، وتقلّبها في غمراتها.

إنها مهمة حيوية تنتظر من ينتدب نفسه، بقوة وأمانة، لادائها واحتمال تبعاتها. وهي مهمة معرفية واخلاقية في آن. فإن كان في جامعاتنا من يرى رأينا هذا أو من يراه جديراً بالاهتمام، فإن بنا أن نستشعر لون تفاؤل، لما نعتقده من أن «الكلام أول العمل» وأن «العمل آخر الكلام»، وأن في كل – اذا كان خالصاً لله – خيراً.ومن سلك الجدد أمِنَ العثار وكم في طريق نهوض أمتنا من عثرات.

إبراهيم العجلوني

كاتب أردني