غسان الحسن يؤكد أن شاعر المليون فكرة الشيخ محمد بن زايد

الوحيد في العالم الذي حصل على الدكتوراه في تخصص الشعر النبطي

حققت مسابقة برنامج "شاعر المليون" التي تنظمها وتشرف عليها لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في أبوظبي، مكانة كبيرة على مستوى الوطن العربي من الخليج للمحيط، نظرا لما يحتله الشعر النبطي من مكانة لدى المجتمعات والمناطق البدوية، باعتباره معبرا عن مشاعر أبنائها وقضاياهم، وقصيدته تطابق في شكلها وأسسها الفنية الشعر العربي الفصيح التقليدي،فهو شعر عربي الأصول والأبنية والتقاليد، بدوي اللهجة العامية.

ويعد د. غسان الحسن أحد أعضاء لجنة تحكيم "شاعر المليون" وأبرز المتخصصين والخبراء في هذا الشعر النبطي، فهو الوحيد في العالم الذي حصل على الدكتوراه في تخصص الشعر النبطي، وصـاحب أهم دراسة علمية مطـولة فـي الشــعر النبطـي بمنـطقة الخليـج والجـزيرة العـربية علاوة على ثلاثة وثلاثين إصداراً آخر جميعها في مجال الشعر النبطي، منها "الشعر النبطي والشعر الفصيح تراِث واحد"، و"حضارة الشعر في بادية الإمارات"، و"التغرودة الإماراتية.. دراسة علمية"، وكتاب تطبيق نقدي من جزأين بعنوان "معزوفات على قصائد نبطية"، و"شعر ومقناص"، و"تجليات الغوص في الشعر النبطي".. وغيرها، بـالإضافة إلـى الكثير ممـا لا يمـكن حصـره من المقـــالات الأدبية والنـقدية في الشـعر النبطي المعـاصر والقديم نشرت في كثير من المجلات المتخصصة في الإمارات والمنطقة العربية.

في هذا الحوار مع د. غسان الحسن نتعرف على أوجه التغيير والتطوير التي لحقت بقصيدة الشعر النبطي وحركة النقد المتابعة له وتأثير كل من مسابقة برنامج شاعر المليون وأكاديمية الشعر عليهما وغير ذلك من القضايا الخاصة بالشعر النبطي وشعرائه.

في البداية أكد د. غسان الحسن أنه بعد سبع مواسم من مسابقة برنامج شاعر المليون تغير مشهد قصيدة الشعر النبطي بصورة واضحة، وقال "خلال جولات لجنة التحكيم في الدول العربية من أجل استقطاب الشعراء ومقابلتهم في بلدانهم، لمست أشياء لم تكن تستطيع لمسها لو كان أعضاءها موجودين في أماكنهم بأبوظبي، من ذلك كثرة الشعراء الذين أقبلوا على شاعر المليون من أجل الدخول في المسابقة، وقد حققنا 1300 مقابلة شخصية مع الشعراء، هذا العدد لم يكن ليتحقق في المواسم السابقة، وهذا دليل على الإقبال والثقة التي زرعت في هؤلاء الشعراء في البرنامج.

هذه واحدة، أما الثانية فإن الجيل الذي تقدم لم يعد من الأجيال التي كانت تتقدم في المواسم السابقة، كثيرا ما جاءنا شعراء أعلام حققوا مراتبهم في المجتمع بوسائط مختلفة ليس لشاعر المليون دخل فيها، أي كانوا جاهزين، لكن في هذا الموسم على وجه الخصوص لم نعد نرى من هؤلاء الشعراء أحدا، وإنما نرى شعراء جددا يتقدمون لثقتهم بأنفسهم وأشعارهم، وأتوقع أن سيكون لهم هذه الإعلامية فيما بعد ظهورهم في البرنامج.

والجميل أن هؤلاء الشعراء يلتزمون بالتعليمات أو لنقل التوجيهات النقدية التي تلفت إليها اللجنة في توجيههم للصواب والارتفاع بمستوى القصيدة، لذلك نجد أن الكثير منهم لم يعودوا يقعون في أخطاء كان الشعراء من قبلهم يقعون فيها، دليل ذلك أنه في الموسم الأول تقدم لنا عدد كبير جدا من الشعراء وعندما فحصنا قصائدهم واستمعنا إليها وجدنا بالضبط 40 % من القصائد كان بها خلل في القافية أو في الوزن، والقافية والوزن من أسس القصيدة النبطية.

في الموسم السابع الآن، من خلال قصائد 1300 شاعر لم نجد كسورا في الوزن إلا عند 16 أو 17 شاعرا فقط، وهذه نسبة لا تعتبر شيئا يذكر بالنسبة لعدد الشعراء، هذا كله جاء بناء على توجيهات لجنة التحكيم في المسابقة وإرسائها للأسس الصحيحة للقصيدة النبطية، ولذلك هذه القصيدة الآن في مرحلة جديدة في مستواها وسلامتها وصحة القواعد الفنية والموضوعية فيها.

وحول ما شهدته قصيدة الشعر النبطي من تطورات قال الحسن "أبرز ما شهدته القصيدة النبطية من تغيير أنها دخلت في إطار النقد الموضوعي وخضعت له، من قبل لم تكن إلا طقسا اجتماعيا يقوله الشاعر في المجتمع من أجل موضوع هام أو إثبات شخصيته أو توجيه الأمور باتجاه معين إلى آخره، كدور إعلامي وتعليمي واجتماعي وغير ذلك من الأمور الشخصية أو العامة، الآن القصيدة النبطية أصبحت تقال من ذاتها لذاتها، يعني الشعر من أجل الشعر، وبالتالي فإن القصيدة أصبحت نوعا من فن اللغة كما هو شعر الفصحي، فشاعر الفصحى يقول قصيدته ليس من أجل أن يكون إعلاميا أو معلما أو واعظا وإنما هو يعبر عن نفسه بطريقة جميلة باستخدامات اللغة وفنونها التصويرية والمجازية.. إلخ.

الآن أعتقد أن القصيدة النبطية وصلت إلى هذه الطريقة في القول، وهي القصيدة التي تقال من أجل إيصال الفن والارتقاء بالذوق الجميل، مع العلم أنها لم تتخل عن وظيفتها الأساسية في المجتمع في التوجيه والتعليم والإعلام، فهي تتداول وتتعامل مع قضايا الساعة الموجود في المجتمعات كنوع من إبداء الرأي، باعتبار أن الشاعر في مجتمعاتنا العربية هو قائد ورائد، لذلك تجد الشعراء يتوجهون بقصائدهم بهذا الاتجاه الذي يجمع بين الفن الجميل والموضوع النافع".

ورأى الحسن أن القصيدة النبطية تخضع للنقد منذ أن كانت، ولذلك الشعراء الآباء والأجداد ومنذ نشأة الشعر النبطي حذروا في قصائدهم حذرا شديدا من النقصان، ووضعوا أنفسهم في مجال التحسين والاتقان وعدم الوقوع في الزلل، وهذا يصرحون به في أشعارهم، حتى لا يتعرضون للنقد من الذين يستمعون لهم في المجالس فيعيبون على القصائد إن كان بها خلل، إذن الحالة النقدية موجودة من زمان، لكن هذه الحالة النقدية الآن تحولت إلى حالة نقدية موضوعية، ليس النقد من أجل القول أن هذا عال وهذا قليل، وهذه القصيدة بمجملها كذا أو كذا.

النقد الآن يذهب إلى أسلوبه العلمي في البحث في ثنيات القصيدة وبين أبياتها لكي يجد أين موضع الخلل وأين موضع الارتقاء، ويبين لماذا هنا خلل؟ ولماذا هنا ارتقاء؟ هذه الحالة النقدية الموضوعية أصبحت موجودة في مجال الشعر النبطي، حيث لم تكن موجودة إلا بصورة عامة، وقد ظهرت لأول مرة خلال هذا العقد كتبا ودراسات وأبحاث تتعلق بالقصيدة النبطية من حيث النقد الموضوعي، وكلها ترتكز على علم أساسي مقنن له أدواته وموضوعاته وأطروحاته المحددة التي لا خلاف عليها مثل ما هو موجود في قصيدة الفصحى".

وأوضح الحسن أن هناك نوعين من النقد للقصيدة النبطية، النقد الموضوعي والنقد الشخصي المزاجي الذي يستند إلى التذوق، هذا النقد الأخير المرتبط بالتذوق يخضع للذات الشخصية فيختلف اثنان على قصيدة واحدة جيدة أم لا، والبيت الواحد جيد أم لا؟ دون ابداء الأسباب، هذه المرحلة كانت من قبل، أما الآن فهناك الأسس النقدية السليمة، يعني القصيدة تعالج نقديا من حيث سلامة الأسس الفنية فيها، الوزن والقافية، وبدقة عالية جدا لا تتسامح مع الحركة والتشديد والشدة وأشياء كثيرة جدا، كذلك مسألة التصوير الفني والذهاب إلى التجديد والإبداع، والابتعاد عن التقليد أي السير على خطى الآخرين في تكوين الصورة والعبارة الشعرية وانتقاء المفردة، وفي جعل الشعر فن اللغة الجميل المختلف حتى إن كانت اللهجة عامية، فإن للعامية مستويات منها الأدنى والأعلى، والشعر لا بد أن يكون من المستوى الأعلى، لذلك يتوجه النقد الآن إلى أنه يجب أن تكون القصيدة النبطية في مستوى اللهجة العامية العالية وليس من قاع اللهجة التي يتداولها الناس. هذه الأمور كأسس فنية وموضوعية ولغوية يسير عليها النقد الآن".

وفيما يتعلق بموضوعات القصيدة النبطية، لفت د. غسان الحسن إلى أن القصيدة النبطية في فترة من الفترات خاصة في المناطق التي تسود فيها في البوادي العربية إجمالا، في فترة من الفترات، لم يكن لهذه البوادي أي مدخل إلى التعليم واكتساب المعرفة وشيوع الأخبار وتوجيه الأجيال، لأنه لم تكن توجد مدارس وكانت الأمية سائدة، الشاعر النبطي في تلك الأثناء كانت قصيدته هي المعلم الوحيد، هي التي تحمل قيم المجتمع وتسجلها، وتنتقل هذه القصيدة من جيل إلى جيل حتى تسير عليها الأجيال، وتنبت موحدة الهوية ذات قيم اجتماعية ودينية وأخلاقية واحدة، هذه المهمة غاية في الأهمية كونها كانت تسد مسد بعض المؤسسات التي لم تكن قائمة، كذلك التوصيل.

الشاعر كان عبارة عن منبر إعلامي ينقل الخبر من مكان إلى مكان، ويشيعه، والقصائد تنتقل من بيئة إلى بيئة ويحملها الركبان بين هذا وذلك، ما بين رد وإجابة، وكذلك الدور التعليمي والاجتماعي وغيره، كل هذه الأشياء الحياتية كانت موكلة إلى الشعراء، الشاعر في المجتمع أو في القبيلة فخر لها، لأنه يحمل أصالتها وهويتها ومعتقداتها ـ إن صح التعبير ـ باعتبار أن معتقداتها واحدة، الشاعر يحمل كل هذا، لذلك كان هو بديل الإذاعة وبديل المعلم، كل شيء في المجتمع يخضع للشعر، والشاعر يجوز له أن يدخل في كل القضايا من أصغرها إلى أكبرها، من الذاتية الشخصية إلى الاجتماعية العامة، الآن لا يستطيع الشاعر النبطي فعل ذلك نتيجة ظهور المدارس والإذاعة والتليفزيون، فلم يصر المعلم والإعلامي والناقل لقيم المجتمع، وتوزعت مهامه على من يقوم بها، فأصبح الشاعر يتجنبها بحيث يأخذ في اعتباره ما بقي له من مساحات شاسعة كانت تحت تصرفه من قبل، طبعا ليس معنى ذلك أنه لم يعد يدخل إلى الثقافة والتعليم لكن هذه لم تعد من مهمته الأصلية التي كان يذهب إليها، فكل هذا تعويض عنه، فأين ذهب الشاعر؟ ذهب إلى ذاته أولا، ثم إلى تجويد قصيدته كفن شعري ثانيا، هذا نوع من التحديث في القصيدة بناء على الظروف والمعطيات التي مرت بها القصيدة النبطية من كونها قائدة للمجتمع إلى أن تصبح جزءا من المجتمع".

وحول مشهد الشعر النبطي في الامارات أكد د. غسان الحسن أن الامارات بيئة أصيلة من بيئات الشعر النبطي في الجزيرة العربية والبوادي العربية، وأقول أصيل لأن المجتمع الإماراتي لم يتعلم القصيدة النبطية من سواه، هي موجودة عنده بالأصل رجوعا إلى مئات السنين، وهذه القصيدة الاماراتية لها خصوصية داخل المشهد العام للشعر النبطي، لذلك نجد للشعراء الاماراتيين أوزانا وألحانا نبطية ليست موجودة في البيئات الأخرى من بيئات الشعر النبطي، هذا يدل على أن هذا المجتمع له إبداعاته الخاصة وهويته الخاصة ضمن الهوية العامة للمنطقة العربية.

وقال المشهد الشعري في الإمارات يتطور بصورة قوية جدا في الخمسين عاما الماضية منذ تأسيس الدولة، وسبب ذلك الشيخ لأنه كان شاعرا، وقبل أن يكون شاعرا كان يستشعر ما للشعر من أهمية ودور، هو يبني ويؤسس دولة، وهذا المجتمع الموجود المقسم إلى إمارات وقبائل متفرقة وقد تكون هنالك بعض العداءات بينها، لا بد أن يجتمع في وحدة واحدة.

الشيخ زايد قدم كل جهوده الناجحة ـ والحمد لله ـ في سبيل توحيد هذا المجتمع، وكان من أهم ما انتبه إليه دور الشعراء في مثل هذه الوحدة، لذلك وجدناه من البداية يوجه للشعراء ماذا يقولون وماذا يتجنبون، حتى يتسنى له صوغ هذا المجتمع الواحد الموحد الذي لا تقسمه الانشقاقات لأي سبب من الأسباب كالقبيلية أو الإمارة، هؤلاء الشعراء كان لهم دور في تثبيت أركان المجتمع الموحد، خاصة ـ كما قلنا ـ أن الشعر في هذه البلاد له صدى بعيد جدا، والشاعر له مكانة عالية جدا باعتباره كان من وسائل الإعلام والتعليم الخطيرة، وقد قام الشعراء بهذه المهمة خير قيام.

وأضاف الحسن "كون رئيس الدولة المحبوب الذي يؤسس ويقيم ويحنو على شعبه شاعرا فهذا كان محفزا لكل الشعراء أن يعلنوا عن أنفسهم، ويستفز كل واحد أن يكون شاعرا حتى يكون في المجال الذي يغرد فيه رئيس الدولة، أيضا الشيخ زايد كان ينتقد الشعراء بنفسه ويوجه إلى الصواب والخطأ والزلل، ويبين تأثير هذه القصيدة أو تلك، توجيهات شخصية منه لأنه كان يستمع لهم بصورة شخصية ويستقبل الشعراء في ديوانه ليستمع إليهم بأذنه، وهذا فتح للشعر نوعا من أبواب الارتقاء، يضاف إلى ذلك وعي شيوخ الإمارات عامة بالشعر ودوره وأهميته، فحدثت قفزات كبيرة للأمام في القصيدة النبطية والقصيدة الشعرية إجماعا".

وأشار د. الحسن إن وعى شيوخ الامارات بأن الثقافة العربية منذ كانت محمولة على الشعر، فإنهم أرادوا أن يصلوا الماضي بالحاضر بهذا الشعر، ولكي يحمل هذه الثقافة الجديدة التي يؤسسون لها، ولذلك وجدنا برنامج شاعر المليون الذي ابتكر فكرته الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، يطبق الآفاق شرقا وغربا، وللعلم وهذا الأمر يعرفه القليلون، ولست أبوح سرا عندما أقول أن ميزانية هذا البرنامج 72 مليون درهم، ومجموع جوائزه النهائية 15 مليون و500 ألف درهم، غير الجوائز التي تعطى للشعراء، إذن هناك بذل من أجل أن يكون لهذه القصيدة دور، ومن أجل أن يكون الشاعر معتد بنفسه وله قيمة محترمة".

ولفت د. الحسن إلى أن أكاديمية الشعر منذ تم تأسيسها تقوم بإرشاد الشعراء الصاعدين الذين يتلمسون طريقهم إلى القصيدة الصحيحة المرتقية، من قبل كان الشعراء يستندون إلى أن الآباء والأجداد كلهم من الشعراء، فيستمعون في المجالس والدواوين والمنتديات والطرق والبيوت إلى الشعر، فالشاعر يكتسب عالم الشعر بالفطرة ولا أحد يعلمه ولم يذهب إلى مدرسة في سبيل اكتساب الأسس الفنية للشعر، ويتقن هذا الفن إتقانا غير عادي، الآن الآباء لم يعودوا شعراء أو ذهبوا وأصبحت الحياة تأخذهم من هنا ومن هناك، ولم يعد الشاعر الجديد يجد كيف يصل للقصيدة السليمة، فأسست أكاديمية الشعر من أجل التعويض عن هذا النقص الذي حدث في المجتمع تجاه الشعراء، فأصبح الشعراء يستقون من الأكاديمية الأسس الفنية للشعر والأسس التصويرية وغير ذلك من أسس الارتقاء بالقصيدة النبطية.

طبعا هذا لا يخدم القصيدة النبطية في الامارات وإنما يخدمها في البوادي العربية التي تقول الشعر النبطي والدليل على ذلك مسابقة شاعر المليون ومشاركة 23 جنسية وفي التصفيات النهائية هناك 9 جنسيات. كل هذا يؤكد أن الارتقاء بالثقافة الشعرية النبطية قد وصل إلى المحيط العربي كله من حول الامارات.

أكاديمية الشعر تقوم بذلك ليس لخدمة الشعر النبطي فقط وإنما لخدمة الشعر الفصحى أيضا، ولأن الشعر النبطي والشعر الفصحى، هما واحد في الأسس الفنية من حيث الأوزان والقوافي والبحور، فمن يتعلم هذه يتقن الأخرى، وإذا شاء وساعدته اللغة يمكنه الانتقال بين القصيدتين".

فيما يتعلق بشعر البوادي في العراق أو الشام أو مصر والمغرب العربي واختلاف عن بوادي الخليج، كشف د. غسان الحسن "الشعر العامي أو الشعبي العربي مختلف المشارب، وبالتالي مختلف الألوان في واقعه الحالي، في بيئات العراق واليمن وسوريا ومصر والمغرب العربي، هذه فيها فنون شعرية من نوعين، الأول خاص بها، والثاني الشعر النبطي، والشعر النبطي هو الذي يمكن تسميته في بعض البوادي بالشعر البدوي، وهو يقوم بنفس الأسس الفنية لشعر العربية الفصحى، أوزانه وقوافيه نفسها، لذلك تجد البحر الطويل والرجز وغيره من الـ 16 بحرا موجودة كلها متمثلة في الشعر النبطي، لكن بتسميات مختلفة حسب البيئة، أما الأوزان فهي هي، وشروط القافية وسلامتها هي هي، لو ذهبنا إلى اليمن نجد هذه القصيدة النبطية تعيش هناك بين البوادي، وهذا ينطبق على بوادي الحجاز، في حين في حواضرها نجد قصيدة أخرى اسمها "الحميني" لها شروط قريبة جدا من القصيدة النبطية لكن ليست هي.

ولو ذهبنا إلى مصر فإن منطقة سيناء تنتمي إلى القصيدة النبطية، ولا يوجد بها غير الشعر النبطي، وهناك مناطق أخرى تنتمي للبداوة مثل منطقة مرسى مطروح والفيوم وأولاد علي والمنطقة المجاورة للسلوم والمناطق المجاورة لليبيا، كلها تقول الشعر النبطي، وهناك شعر آخر يقارب الشعر الليبي من "البو طويل" وغيره، أما في تونس فهناك كثير من البيئات الشعرية منها من يقول الشعر التونسي الذي له خصائص محددة مثل أبو رجيلة وغيره، لكن في نفس الوقت المناطق التي تسود فيها القبائل العربية من بني هلال وبني سليم وهم لا زالوا في مناطق مختلفة مثل منطقة دوز التي يقام فيها مهرجان دوز الدولي للشعر الشعبي، هؤلاء يقولون الشعر النبطي الذي نتعامل معه في الجزيرة العربية، وفي الجنوب الشرقي من الجزائر هناك مناطق تقول الشعر النبطي، في المغرب الشعر النبطي أقل.

لكن هناك الشعر الحساني والشعر الملحون إلى آخره، كذلك عندما تذهب للعراق هناك بيئات مختلفة، البيئة الجنوبية تنتمي للشعر النبطي مثل منطقة الزبير والمتفق، ولو ذهبت إلى مناطق الشمال مثل البصرة وغيرها لها ألوان أخرى من الشعر، والمناطق البدوية في سوريا والأردن مثل شرق الأردن نجد الشعر النبطي موجود بحذافيزه لكن في مناطق أخرى تجد أنواعا من الزجل والدلعونه، في قلب الجزيرة العربية في نجد والجنوب الشعر النبطي فيها صاف، وكذلك في الامارات شعر نبطي فقط، وأيضا في الكويت وقطر وسلطنة عمان والبحرين كلها دول شعر نبطي صاف.

هذه الخارطة يمكن أن نلخصها بالقول إنه حيث ما كانت البادية يكون الشعر النبطي، وحيثما ابتعدنا عن البادية نجد تأثيرات أخرى، نجد الشعر الذي يقال فيها على ألسنة العامة مشربا بألوان أخرى من تلوين الأبيات والتقصير والتطويل والركون إلى أوزان وقوافي مختلفة مثل الموشحات وغيرها.