دبلوماسية سعودية هادئة لسحب ورقة الدعم الروسي من إيران

الروس يحسبون أيضا للخطر الشيعي

موسكو ـ أكد وفد لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي (البرلمان) الذي يزور روسيا حاليا أهمية الدور الروسي في مواجهة إرهاب إيران، حيث باتت التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية، تشكل معول هدم لجهود السلام التي يبذلها المجتمع الدولي في المنطقة.

ويقول مراقبون إن الرياض اختارت نهج الدبلوماسية الواقعية والهادئة في العلاقة مع روسيا، بعيدا عن التشنج والحسابات قصيرة النظر في تحليل الموقف الروسي من الأزمة السورية وتدخل موسكو للدفاع عن الاسد رغم أن ذلك يتناقض مع الأهداف السعودية المعلنة في سوريا منذ اندلاع الأزمة، تمام التناقض.

وترى الرياض أن الاقتراب من موسكو أكثر فأكثر على قاعدة تثمين عناصر الالتقاء معها والتخفيف أكثر ما يمكن من عناصر الاختلاف من شأنه أن يفقد إيران الخصم الطائفي اللدود في المنطقة، عنصر قوة رئيسي في المنطقة وفي العالم لا سيما وأن روسيا تمتلك حق النقض (الفيتو) وهددت فعليا أكثر من مرة باستخدامها ضد أي قرار لا يخدم مصالحها.

ويرى المراقبون أن الرياض تختط لنفسها هذا التوجه انطلاقا من قناعتها بأن "التشنج التركي في التعاطي مع روسيا" يشكل طريقة سيئة لإدارة العلاقات مع دولة عظمى بحجم روسيا، لأن فكرة المقاطعة والتصعيد وإعلان الحرب لم تجد أنقرة نفعا، بل على العكس من ذلك فقد أبقتها حاليا خارج أي سياق للحلّ في الأزمة السورية رغم أنها الدولة الأكثر شعورا بتهديدات هذه الحرب على أمنها القومي.

وتشترك الرياض وموسكو على الأقل في المخاوف من التقارب الإيراني الأميركي حتى أن بعض المحللين قد أكدوا أن تدخل روسيا في سوريا هو ضد الإرهاب في وجه من وجوهه ولكنه ايضا ضد التغلغل الإيراني في هذا البلد، بعد أن تبين للقادة الروس أن إيران تعمل للسيطرة على دول المنطقة للمقايضة بها في علاقتها مع الولايات المتحدة وتحسين شروط التفاوض معها على رفع الحصار وربما التحالف بينهما لاحقا، خاصة بعد أن أبدت طهران في المرحلة الأخيرة رغبة في التقرب أكثر فأكثر من الولايات المتحدة حتى ولو تطلب الأمر التضحية بالحليف الروسي الذي تعتبره حليفا مرحليا.

وتخشى الرياض بدورها من تحالف أميركي ايراني يسمح لطهران بالحفاظ على هيمنتها على أكثر من دولة عربية اعترفت طهران نفسها أنها تسيطر على مصادر القرار في عواصمها.

وترى الرياض أن طهران تستثمر علاقاتها بروسيا في مزيد التغلغل في المنطقة العربية، إذ أن إيران ترى في وقوف موسكو القوي مع نظام بشار الأسد هو خدمة حقيقية ومباشرة لمشروعها التوسعي في المنطقة لأن بقاء الأسد في السلطة، حتى وهو على نحو ضعيف، يساعدها على صمود حليفاتها من المليشيات الشيعية المتنفذة في لبنان والعراق ويحميها من ضغوط إقليمية ودولية تدعو لنزع اسلحتها لفائدة الدولة الوطنية في البلدين.

وقال الوفد السعودي خلال لقائه الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون الشرق الأوسط نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف الخميس إن روسيا في علاقاتها مع النظام في طهران يعول عليها كثيرا للجم الإرهاب الإيراني الذي ثبت بالأدلة التي وثقها المجتمع الدولي أنها معول هدم لكل الجهود الدولية الرامية إلى استقرار وأمن منطقة الشرق الأوسط.

وأشار رئيس الوفد ناصر الداود إلى أن "النظام الإيراني يصر على نشر الإرهاب في المنطقة، ويتجاهل كل الأعراف والمواثيق الإسلامية والدولية ويواصل دعمه الفاضح للإرهاب وتدخلاته في الشؤون الداخلية للدول".

ودعا أعضاء الوفد، روسيا الاتحادية إلى استخدام علاقاتها مع النظام الإيراني لوقف هذه التدخلات والانخراط في جهود دعم السلام وحسن الجوار في المنطقة، مشيرين إلى أن "المملكة استجابت لنداء الشرعية في اليمن عبر تحالف دولي مدعوم بقرار دولي، وقامت بواجبها تجاه الشعب اليمني الشقيق لاستعادة الشرعية المغتصبة من قبل فئة باغية رهنت نفسها للخارج وانقلبت على خيار الشعب اليمني".

وقال الوفد السعودي في حواره مع نائب وزير الخارجية الروسي إن "المملكة اتبعت سياسة ضبط النفس في تعاملها مع الانتهاكات الإيرانية ولم تقم بأي عمل عدائي كما لم تستجب للاستفزازات الإيرانية الإرهابية المتكررة التي لم تستثن حتى مواسم الحج والعمرة والأماكن المقدسة"، لافتا إلى أن "ما قامت به المملكة من إجراءات ضد النظام الإيراني جاءت كرد فعل على الاعتداء الإيراني السافر ضد سفارة خادم الحرمين الشريفين في طهران والقنصلية السعودية في مشهد، والعبث الإيراني في منطقة الشرق الأوسط".

وقد أكد الوفد البرلماني السعودي في هذا المجال على أولوية إنقاذ الشعب السوري وفتح المجال أمام المساعدات الإنسانية لتصل إلى القرى المحاصرة، مجدداً تأكيده على أن مواقف المملكة في نصرتها للشعب السوري ضد الجماعات الإرهابية ثابت لا يتغير، وأنه لا مناص من الحل السياسي المبني على مقررات جنيف 1.

وعبر بوغدانوف عن أمله بأن يجد الاتفاق الروسي الأميركي حول سورية، فرصته لفائدة الشعب السوري، وقال إن الاتصال الذي أجراه الرئيس فلاديمير بوتين مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز حول هذا الاتفاق يعكس مدى الاهتمام الروسي بإطلاع قيادة المملكة على تفاصيل الاتفاق والاستماع إلى وجهة النظر السعودية.

وقال محللون إن بوتين يسعى إلى كسب ود السعودية وإشراكها في تفاصيل وقف إطلاق النار في سوريا الذي ينتظر أن يبدأ السبت.

وأعلن الكرملين الأربعاء أن الرئيس الروسي أجرى اتصالا هاتفيا مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز بشأن الأزمة السورية.

ونقلت وكالة أنباء "إنترفاكس" أن بوتين أطلع العاهل السعودي على تفاصيل البيان الروسي الأميركي المشترك حول التسوية في سوريا.

ويقول محللون إن القيادة الروسية تقيم، من ناحيتها ايضا، وزنا خاصا للعلاقة مع السعودية باعتبارها بوابة ضرورية لتطوير علاقة موسكو بالعواصم العربية المختلفة، فضلا عن مصالح البلدين في ملف النفط، ورغبة روسيا في الحفاظ على علاقات اقتصادية وعسكرية متطورة مع السعودية وبقية دول الخليج.

ويضيف هؤلاء أن السعودية تتفهم تدخل روسيا عسكريا في سوريا للحفاظ على مصالحها. من جانبها تحرص موسكو على جسر الهوة بينها وبين الرياض في ما يخص تصنيف المعارضة إلى سياسية وأخرى إرهابية.

وقالت وسائل إعلام روسية إن العاهل السعودي رحب بما تم التوصل إليه من اتفاقات، وأبدى الاستعداد للعمل مع روسيا على تنفيذها.

ويقول مراقبون إن العلاقات السعودية الروسية تشهد تطورا كبيرا ترجمه اللقاء الذي جرى بين الملك سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة دول مجموعة العشرين التي عقدت في مدينة أنطاليا التركية أخيرا.

وقال الداود إن زيارة الوفد السعودي إلى موسكو "تأتي في إطار تعزيز العلاقات مع الأصدقاء الروس بشكل عام والبرلمانيين الروس بشكل خاص"، منوها في هذا السياق بزيارة الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي إلى روسيا وما نتج عنها من اتفاقيات مهمة بين البلدين.

وأضاف أن زيارة الأمير محمد بن سلمان فتحت الأبواب لثلاثين وفدا سعوديا زارت روسيا منذ تلك الزيارة لبحث المزيد من التعاون بين البلدين.

وأشاد نائب وزير الخارجية الروسي بالتطورات التي شهدتها العلاقات السعودية الروسية مؤخرا، مؤكدا حرص موسكو على رفع مستوى التعاون الثنائي مع المملكة.

وقال إن الحكومة الروسية تعمل على تشجيع رجال الأعمال والقطاع الخاص في كلا البلدين على بحث توطيد العلاقات في المجالات الاقتصادية، وتسعى بالتعاون مع المملكة لتعزيز أواصر الصداقة والتعاون في المجالات كافة، لافتا إلى أن الجهود الروسية في دعم جهود السلام في منطقة الشرق الأوسط تحتاج إلى شريك بحجم المملكة التي نعول عليها كثيراً في الحرب الدولية على الإرهاب وفي استقرار تلك المنطقة.