شؤم المرأة.. بين البخاري وابن حجر

ظل الشؤم ونقص العقل يطارد النساء

ما أطمع فيه من القراء الذين يتابعون هذه المقالات حول حديث الشؤم؛ هو أن يمنحوني ما منحوه تلك المرأة التي وقفت في وجه الفاروق، والناس بين يديه، وأن يُعطوني ما أعطوها من حق الاعتراض، وإبداء الرأي، وأن يجعلوا حديثهم الدائم عن تلك القصة مبدأ ومنهجا، وليس قصة للاستهلاك الإعلامي؛ كما يقال.

نقد الرموز يثير النفس، ويبعث الحنق فيها، غير أنه المخرج الوحيد إلى المراجعة، والباب الذي لا باب سواه إلى تلافي زلات الأسلاف، الذين كانوا في نهاية المطاف بشرا من الناس.

المواجهة مع الرموز قدر لا بد منه، وقضاء، لا محالة، صائر إليه الإنسان، وهي مواجهة لأخطائهم، وما نراه من زلاتهم، وليس بنا حاجة إلى مواجهة مع أشخاصهم، ولا لنا غرض في زعزعة قناعات الناس فيهم، ومن يسير هذه السيرة، ويعمد إلى هذا الطريق؛ فهو يبغي للأمة أن ينسف كل جيل منها جهود الجيل الذي سبقه، وتقدّم عليه، وتلك سبيل من ينقل العصمة إلى نفسه، وعصره، ويحرم منها الأجيال التي تقدمته، وأهل الأزمان الذين كانوا قبله.

لصالح المعرفة

هذه مسألةٌ، الوعي بها ضرورة، والإيمان بما فيها حتم، ومن صالح المعرفة، وحسن طالع الفكرة، والذكاء في خدمتها؛ أن يعقد كل باحث عليها قلبه، ويجمع حولها أمره، وعلى كل ناشد لنصرة الأفكار وعالمها؛ أن يضعها نصب عينيه، ويدركها حق الإدراك، ويعرفها حق المعرفة؛ فمن فقد هذه الصفة، وتخلّت عنه، فغير صالح للبحث، ولا هو مؤهل له، سواء أكان بالجملة مع الرموز أم كان بالجملة ضدهم، ومن هذا ديدنه يزيد الطين بلة، والفوضى عرامة، والناس تمسكا بما كانوا عليه، ويصرفهم عن البحث، وتجديد النظر، إما إلى سبّ الرموز، وإما إلى تقديسهم وعصمنتهم، وكل ذلك خسارة له، وتطفيف في حق فكرته؛ إذ يسعى لنشرها بما يكفل محاربتها، والغض عن قيمتها.

أقول هذا الكلام، وقاله، بأفصح مني عبارة وأبلغ مني قولا، كثير من العلماء والمفكرين والمثقفين؛ إذ ليس شيء أضرّ على المعرفة والفكرة من الدخول إلى دهاليز عالم الأشخاص، سواء بتقديسهم والاستماتة في الدفاع عنهم، أم بالتنقص لهم، والاستخفاف بهم.

ولست أنسى أن أُسجل هنا أنّ التنقص للرموز، والازدراء بهم، والتهجم عليهم، ليس سوى ثمرة من ثمار تقديسهم، وعصمنتهم، ودفع وقوع الأخطاء منهم بأي طريق كان هذا، وبأي شكل جرى.

شؤم المرأة

في كتاب النكاح أورد البخاري، رحمه الله، مرة أخرى حديث شؤم المرأة والدار والفرس، وكان ذلك في باب "ما يُتّقى من شؤم المرأة" وقوله تعالى: (إنّ من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم). والجديد عند البخاري هذه المرة أن ربطه بين الآية الكريمة والحديث أورث القارئ أمرين؛ الأول أن الأزواج في الآية مراد بها الزوجات، والثاني أنّ الشؤم من الزوجة هي عداوتها لزوجها، وفتنتها له عن سبيل الله تعالى ودعوته.

وكلا الأمرين بعيد، الأول بعيد؛ لأن القاعدة تقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا كانت هذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أو في غيره من الرجال (الطبري 23/ 14 وما بعدها، والقرطبي 18/ 125 وما بعدها) فهي لم تنزل فيه وفيهم؛ لأنهم رجال وأزواج، وإنما نزلت؛ لتكون لكل مَنْ يمنع غيره من اللحاق بركب الله تعالى، والسعد بطاعته، والبحث عن مراده، ولو نظرنا إلى ثقافتنا الراهنة اليوم، وأحسبها ثقافة أسلافنا قبلنا؛ لرأينا أن الزوجات هنّ أكثر الجنسين ورطة في هذا الأمر، ولرأينا، بناء على هذا، أن الأزواج أكثر شؤما على زوجاتهم منهن عليهم؛ فنحن متفقون الآن على أنّ أثر الأزواج على الزوجات أشد من أثرهن عليهم، وبهذا نُفسّر الفرق بين جواز زواج الرجل من الكتابية، وحرمة ذلك على المرأة، ونقول: جاز زواج الرجل من الكتابية؛ لأنه قادر على التأثير عليها غالبا، والمرأة مهيّأة طبيعة لأن تنساق وراء زوجها، وحُرّم ذلك على المرأة؛ لأنها ضعيفة، وغالب حالها أن تنصاع لزوجها، وتتأثر بحاله! فأين هذه الثقافة القارّة من فهم الآية، والوعي بمعانيها؟

وثاني الأمرين كأولهما في البعد؛ لأن كل شيء يصرف الإنسان عن الله، ويُبعده عن متابعة سبيله، والمضي في البحث عنه، وعن مراده؛ فهو عدو مشؤوم، وليس ذا مقصورا على المرأة والمسكن والفرس؛ فيدخل فيه أولا رجال الدين الذين يقفون حجرة عثرة أمام الناس، ويضعون السدود أمامهم، ويدخل فيه المخترعات الجديدة التي شغلت الناس، واستعبدتهم، وهكذا نجد أن تخصيص المرأة بهذا المعنى من الشؤم غير مقبول دينا ولا عقلا!

ابن حجر والمرأة

تلك قصة البخاري، ولابن حجر مع المرأة في الحديث حول هذا الحديث قصة أخرى، حريّ بالمسلم أن يطّلع عليها، ويتأمّل فيها، ويرى كيف يتعثر الرموز، ويقعون في أخطاء، لو وقع فيها غيرهم لرأينا الناس يشنون عليهم الحملات، ويُعلنونها حربا كلامية مفتوحة، " إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"، ولا يغيب عن القارئ في هذا السياق الحملة التي نشطت ضد من قال: إن المرأة عار! فهل يستطيع أولئك أن يفعلوا بابن حجر مثلما فعلوا بذلكم الرجل الذي لا يعدل تأثيره عُشر معشار تأثير ابن حجر، رحمه الله؟

هذه المقارنة بين الشيخ ابن حجر، وبين ذلكم الواعظ القليل الفقه ليس هدفها المدافعة عنه، والتسويغ لفعلته، وإنما تروم هذه المقارنة أن نتجه مباشرة إلى نقد المؤسسين لهذا الموقف من المرأة، والذين يُعدّون حجة لهذا الواعظ وأمثاله، ورصيدا لهم في هذه المواقف المخزية من المرأة؛ فنقد هؤلاء ومراجعة أقوالهم هي السبيل إلى منع خروج قاصّ آخر، قليل الفقه، يُعيد قصة العار في حق المرأة من جديد، ويُوقعنا في محاربة الأعراض، ومطاردتها، وترك الأسباب الرئيسة الكامنة في أولئك الأشياخ المؤثرين.

عن المرأة يقول ابن حجر، عفا الله عنه، في شرح الأحاديث التي أوردها البخاري في الباب المتقدم ذكره:" وقد قال بعض الحكماء!: النساء شر كلهن، وأشرّ ما فيهن عدم الاستغناء عنهن! ومع أنها ناقصة العقل والدين! تحمل الرجل على تعاطي ما فيه نقص العقل والدين.." ( فتح الباري 9/ 41).

أيهما أولى بالنقد والمراجعة كلام شيخ، معدود من كبار المحدثين، يملك سطوة ظاهرة على قارئ كتابه، بما اشتهر به من علم ودقة، أم قاص زهيد الفقه في القرن الخامس عشر؟

وأيهما أشد علينا أن يصدر عيب المرأة "النساء شر كلهن" من رجل كابن حجر أم أن يقع من ذلكم القاص؟ وأي هذين الرجلين أكثر تمثيلا للدين، وأعظم إقناعا للناس، وتأثيرا عليهم؟

لم يسأل ابن حجر نفسه: لِمَ لم يُعدّ من نقصان عقل الرجل أن يسمع كلام زوجه، ويتبع قولها؟ ولِمَ لم يأت نص بنقصان عقله ما دُمنا اتفقنا سلفا أنه أكثر تأثيرا على المرأة، وأعظم قيادا لها، وعللنا بهذا تحريم زواج المسلمة من الكتابي؟

وقبل ختام المقالة فما أطمع فيه من القراء الذين يتابعون هذه المقالات حول حديث الشؤم؛ هو أن يمنحوني ما منحوه تلك المرأة التي وقفت في وجه الفاروق، والناس بين يديه، وأن يُعطوني ما أعطوها من حق الاعتراض، وإبداء الرأي، وأن يجعلوا حديثهم الدائم عن تلك القصة مبدأ ومنهجا، وليس قصة للاستهلاك الإعلامي، كما يقال.

إبراهيم المطرودي

كاتب وأكاديمي سعودي